A girl standing in a damaged house looks on as Palestinians return to their homes following Israel- Hamas truce, in Beit Hanoun…
آثار الحرب على غزة

من بين أبعاد كثيرة أخرى، فإن حرب غزة الأخيرة أحدثت تحولاً وشهدت نكوصاً في الانشغال والتمركز العام للأغلبية الواضحة من مجتمعات وشعوب العالمين العربي والإسلامي. تلك التي كانت طوال عقد كاملٍ من سنوات الربيع العربي منخرطة في مشاكلها وتحدياتها الوطنية الداخلية، لكنها عادت مرة أخرى للغرق في أحزمة الصراعات الكُبرى، للإندراج في خطابات حروب الهويات القومية والدينية والجيوسياسية العُظمى. 

 ثمة دلالة شديدة الوضوح في الأمر: كانت السنوات العشرة الأخيرة الأكثر قسوة على المنخرطين هؤلاء في عوالمهم الداخلية، سنوات فيضان الحروب الأهلية الدموية المفتوحة، ودون أفق وقيم مُضافة، بين الجيران من سُكان البُلدان والمُدن والأحياء الواحدة. في الوعي الجمعي، كانت تلك السنوات كشفاً واضحاً لمجموعة الأكاذيب والمخادعات القديمة، حول الأخوة المفترضة والهويات الجامعة والأوطان السعيدة الممكنة، وأولاً تمزيقاً للخطابات الجوفاء والعقائد الفوقية التي كانت تحملها وتحملها في ذواتها، التي تؤمن بها الأغلبية الواضحة من أبناء هذه المُجتمعات. 

ضمن هذا السياق، شكلت حرب غزة مناسبة مثالية للعودة إلى ما قد يُريح الضمير الجمعي من كُل تلك القسوة، للهروب من تلك السنوات المريرة، للقول الجمعي بأنه ثمة ما قد يُدمل تلك القروح الصادمة التي حدثت، للغبطة المفتوحة من توحد "الأخوة الأعداء" في خندق واحد، الأخوة الذين هتكوا أعراض بعضهم البعض داخل البلدان خلال السنوات الماضي. 

فوق كل ذلك، كان التفاعل التضامني الهائل مع غزة بمثابة هرولة جماعية نحو كسب معنى و"قيمة أخلاقية" ما في أية قضية، بعد الاكتشاف المُريع بأن "صندوق باندورا" الخاص بنا مُطابق لما كانت الأسطورة الإغريقية القديمة قد سردت عنه قبل قرونٍ كثيرة. الصندوق الإغريقي الذي كان مُرصعاً بالمجوهرات والحُلى في خارجه، لكنه طفح بالشرور والأكاذيب والمخادعات حينما فتحته صاحبته، متجاوزة نصيحة أب الحكمة "زيوس". فـ"صندوق باندورا" الذي فتحته شعوب المنطقة خلال السنوات العشرة الأخيرة، كان مُرصعاً ومزركشاً بأقاويل المواطنة والديمقراطية والمساواة ومكانة المستضعفين وحقوق النساء والأقليات والدولة المدنية، انفجر بكُل ما يُناقض ذلك تماماً، وبكُل فجاجة.
 
قال الصندوق في ممارساته ونتائجه الواقعية: أنتم/نحن سيئون للغاية، أقل قُدرة وجاهزية من إمكانية تحقيق أبسط الأشياء التي تجاوزها الآخر وأكثرها بداهة: تحقيق بُلدان عادية وعلاقة بدون عنف ودم بين الجماعات وجيران الشارع الواحد. تلك الصدمة التي كانت تتلهف دون هوادة لاختلاق ما قد يكون مضاداً لهذه الحقيقة الصادمة، لشدة قسوتها. حيث أن التضامن الاستثنائي مع حرب غزة كان بمثابة نكرانٍ جمعي لكل تلك القسوة المُعاشة.  
يُمكن إعطاء أمثلة لا نهاية لها حول صحة تلك المقولة، لكن اثنين منهما هُما الأكثر دلالة على ذلك. 

الأول يتعلق بحرب غزة التي جرت عام 2014، التي تجاوزت بحجمها ومداها الحرب الأخيرة، الضحايا وحدهم كانوا عشرة أضعاف الضحايا الحاليين. لكنها، ومع كل ذلك، لم تشهد هذا المستوى الانفعالي مع الحدث. لأن شعوب ومجتمعات المنطقة كانوا وقتئذ في ذروة انخراطهم في عوالمهم وقضاياهم الداخلية، كانوا أكثر ميولاً لاعتبار مسألة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قضية داخلية بين الطرفين.

المثال الآخر يتعلق بالإبادة الشنيعة التي نفذها تنظيم داعش الإرهابي بحق الأكراد اليزيديين. فتلك الجريمة التي تجاوزت طاقتها البربرية كل أخلاق آدمية، ومع ذلك، لم تلقَ حتى التفاتة استنكارية أو موجة غضب تعبيرية، بالرُغم من حدوثها في قلب المنطقة، في مثلث التقاء جماعاتها القومية والدينية والمذهبية الكُبرى.

 في عدم التعاطف وإدانة المذبحة اليزيدية دلالة على أن شعوب ومجتمعات المنطقة لا ولم تندفع لكل هذه الشحنة التفاعلية والتضامنية الضخمة مع غزة لأسباب تتعلق بالقيمة الروحية والأخلاقية الضخمة التي في الحدث، بل لعثورها على "عدو وظيفي مثالي"، يُستسهل إدانته واستحصال قيمة تعويضية من تلك الإدانة. لكنه أولاً عدوٌ قادرٌ على منح هذه المُجتمعات طاقة من الإحساس بالنضال والرِفعة الأخلاقية، ولو كانت متوهمة، فالمهم أن هذا العدو هو الآخر هوياتياً بالنسبة لهذه المجتمعات، ولا خلاف داخلي على مُعاداته، فهو الآخر دينياً وقومياً. على العكس من تنظيم داعش الإرهابي، الذي كان وما يزال يملك مساحات مُشتركة في الهوية والثقافة والسياسية مع هذه المُجتمعات، وتالياً تستصعب إدانة أفعاله، أياً كانت درجة البربرية التي في أفعاله، فكل قيمة أخلاقية تهون، أمام إمكانية حرج وإدانة الذات.  

كان السلطويون الأكثر انتباهاً وذكاء للتعامل مع هذه الظاهرة، التي رأوا فيها مناسبة استثنائية لإعادة ترتيب المخادعات والمكاذبات القديمة التي كانوا يتبادلونها مع القواعد الاجتماعية، وفيما بينهم، تلك التي كانت تقول بأنه ثمة قضايا أكثر أولوية وأهمية من حيوات الناس اليومية، التي يُمرغونها كل يوم بحوافر أجهزتهم السلطوية. 

ففي لحظة استثنائية، رأى زعماء البلدان الأكثر شمولية وبطشاً إمكانية لأن يكونوا في الخندق نفسه مع رجال الدين الأكثر تطرفاً ومنظمات حقوق الإنسان والمثقفين والمعارضين والسجناء السياسيين والشعبويين. لكن الزعماء هؤلاء رأوا قبل ذلك إمكانية أن يكونوا سوية في نفس الخندق، أن يتجاوزا خلافات السنوات الماضية، التي جرحت تحالفاتهم العضوية التقليدية، والتي كشفت إمكانية غدر أحدهم بالآخر، تلك المنغصات التي يحتاج ويطلب الجميع تجاوزها. ومع الأمر طبعاً رغبة جمة من الكثير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين المعارضين، لإعادة نسج وشائجهم التقليدية مع تلك المؤسسات والأجهزة السلطوية. 

في ملاحقاتهم المستمرة لسلوك المجتمعات الألمانية في مرحلة ما بعد النازية في خمسينات القرن المنصرم، كان علماء الاجتماع الألمان يلاحظون ميولاً شديدة لدى القواعد الاجتماعية الألمانية لتضخيم أفعال الجيش السوفياتي بحق الألمان، وتصديق أكثر المرويات اختلاقاً وخرافية حول ذلك. بعد فترة غيرة طويلة، قالوا بأن ذلك كان يحدث لدافع مستبطن، يسعى لتحسين صورة الذات الجمعية أمام الوعي الحاضر، للقول على الأقل "لسنا ولم نكن وحدنا السيئين"، تلك المقولة الأكثر فداحة، لأنها بين أشياء كثيرة تفعلها، أنما تُبرر للذات فعل كل شيء، ماضياً وحاضراً.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.