This aerial view taken on May 21, 2021, shows the Al-Jalaa Tower in Gaza City, that was levelled by an Israeli air strike…
دمار كبير خلفته الضربات الإسرائيلية في غزة.

انتهت معركة جديدة في غزة وأعلنت أغلب وسائل الإعلام العربية ومواقع التواصل الاجتماعي وقنوات اليوتيوب الإسلامية هزيمة إسرائيل، واستعانت لتأكيد ادعاءات النصر هذه ببعض ما نشرته الصحافة الإسرائيلية المعارضة لنتانياهو من انتقادات واستخدمتها كدليل على اعتراف الإسرائيليين أنفسهم بالهزيمة، ونتيجة حاجة الشعوب العربية لأي نصر دون التدقيق في حقيقته، فقد عمّت الاحتفالات الضفة وغزة وتجمعات فلسطينية أخرى.

ولكن بما أن المعركة حديثة ودماء ضحاياها لم تجفّ بعد، فمن الممكن التأكّد من مدى مصداقية ادعاءات النصر هذه ومدى مطابقة البيانات التي صدرت خلال المعركة مع الواقع، فقد أجمع هذا الإعلام على فشل القبة الحديدية في التصدي لصواريخ حماس، "ننعي لكم القبة الحديدية"، "القبة الحديدية تفشل مثل خط بارليف والذعر يخيم على إسرائيل"، "نتانياهو يعترف بعجز الجيش الإسرائيلي عن مجاراة صواريخ المقاومة". 

هذه بعض العناوين العريضة في وسائل الإعلام العربية، ولكن الذي حدث في الواقع أن حماس والجهاد الإسلامي أطلقت أكثر من 4000 صاروخ أدّت إلى مقتل 12 شخص في إسرائيل بينهم عاملين تايلنديين قرب بئر السبع، وسيدة عربية وابنها في قرية دهمش قرب اللد، وسيدتين إسرائيليتين في الستين والثمانين من عمرهما في عسقلان، وسيدة في 87 من عمرها توفيت لدى محاولتها الهروب إلى الملجأ في أشدود، ورجل قرب تل أبيب، وكان بين القتلى جندي إسرائيلي واحد فقط لا غير، وليس من المعروف كيف يمكن اعتبار هذه الخسائر مقارنة مع هذا العدد الكبير من الصواريخ فشل للقبّة الحديدية. 

بل أن هذه النتائج أكّدت أن صواريخ حماس التي أطلق عليها أسماء إعلامية طنّانة مثل "أي 120" و"عياش 250" غير دقيقة بل عشوائية، لأنها لم تتمكن من إصابة أهداف كبيرة جدا مثل كامل مدينة تل أبيب أو القدس، كما تبيّن أن القوة التدميرية لها ضعيفة، وبالإمكان ملاحظة ذلك من الحجم الصغير للحفر التي أحدثتها على أسفلت الشوارع، رغم أنها إذا أصابت سيارة بشكل مباشر ستؤدي إلى إحراقها ويمكن تصوير ذلك كأثر تدميري كبير.

وفي محاولة للتغطية على هذا التباين بين العدد الكبير من الصواريخ والخسائر المتواضعة التي نجمت عنها، لجأ هذا الإعلام إلى الحديث عن الخسارة الاقتصادية لإسرائيل، لأن صاروخ حماس يكلّف 300 دولار بينما الصاروخ الإسرائيلي الذي يتصدى له يكلف 100 ألف دولار، ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار إسرائيل خاسرة رغم نجاحها في التصدي للأغلبية العظمى من صواريخ حماس، وإذا كانت هذه المقارنة مقبولة على مستوى العتاد العسكري فإن سحبها على الخسائر البشرية لا يجب أن يكون مقبولا، رغم أن الإعلام العربي اعتاد طوال العقود الماضية على اعتبار قيمة الإنسان الإسرائيلي أكبر من قيمة الإنسان العربي حتى يستطيع تسويق فكرة أن خسارة إسرائيل 12 شخص توازي خسارة الفلسطينيين لمئات الأرواح. 

والذي يتبادر إلى الذهن عادة أن هدف ادعاءات النصر الكاذبة هذه هو رفع الروح المعنوية عند الحاضنة الشعبية للتنظيمات الإسلامية، ولكن عند التدقيق فيها بشكل أعمق يتبيّن أنها عملية مقصودة لها أهداف سياسية أبعد، أوّلها التأكيد على أن حماس وحلفائها من المنظمات الإسلامية قد أصبحت بعد هذا "النصر" الممثل الحقيقي للفلسطينيين، خصوصا مع تراجع دور السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، والذي تأكد عند إلغاء الانتخابات الفلسطينية نتيجة خوف السلطة من خسارتها أمام تحالف البرغوثي والقدوة أو لحساب حماس كما هو مرجّح اليوم، ويمكن ملاحظة نجاح حماس في تحقيق هدفها هذا من خلال هتافات المحتفلين بنصر حماس في الضفة الغربية، ومن ما قاله المصلّون أثناء طردهم لمفتي "السلطة" من المسجد الأقصى: روح عند أبو مازن نحنا رجال محمد ضيف "القائد العسكري لحماس". 

والهدف الثاني هو توظيف هذا النصر المزعوم في مصلحة محور الإسلام السياسي إقليميا، مثل الترويج لإردوغان ومزاوداته الإعلامية وتهديده مثلا بأنه سيتعامل مع غزة كما تعامل مع أذربيجان، في تأكيد على أن خطاباته لا يمكن أخذها على محمل الجد، أو إرجاع الفضل في هذا النصر إلى إيران وجنرالات حرسها الثوري الذين قاموا بتسليح حماس وتدريب مقاتليها، مع التأكيد على دور قطر التي لا تبخل بالمال وتقيم فيها بعض قيادات حماس ومنها يقومون بمخاطبة العالم، والهدف الأشمل هو تصوير ما حدث كانتصار للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي تفرّغت قنوات اليوتيوب التابعة له لتغطية أحداث غزة لأن حماس أولا وأخيرا امتداد لهذا التنظيم. 

وليس مهما عند الإسلاميين إن كان تصدّرهم للمشهد سيصبّ في مصلحة الفلسطينيين أم لا، فحركة حماس مصنفة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان كتنظيم إرهابي، واعتبارها ممثلة عن الفلسطينيين سيؤدي عاجلا أو آجلا إلى خسارتهم حالة التعاطف التي تم التعبير عنها مؤخرا في المظاهرات التي شهدتها بعض المدن الأوروبية والأميركية، فحتى اليوم لا يريد الإسلاميون الاعتراف بأن العالم لا يرتاح لأفكارهم المتطرفة والمتشددة، وهذا لا يقتصر على دول الغرب بل يشمل وبدرجة أكبر دول الشرق مثل الصين والهند وروسيا. 

كما تم استخدام هذا النصر الكاذب في مهاجمة الدول العربية المعتدلة خصوصا تلك التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، وازدادت حدّة هذا الهجوم في الأيام الماضية نتيجة تراجع حجم التعاطف العربي الرسمي والشعبي مع الحرب الأخيرة، وتحميل كثيرين حركة حماس مسؤولية الضحايا والدمار الذي حصل، فلجأ الإسلاميون إلى حملات منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي للضغط على المثقفين والفنانين والرياضيين العرب لدفعهم عبر المتاجرة بدماء ضحايا غزة المدنيين، لتأييد ما قامت به حماس والهجوم على بعض الدول العربية. 

كما تحاول حماس، من خلال ادعائها النصر، تكرار تجربة النصر الإلهي المزعوم لحزب الله عام 2006 الذي مكّنه من السيطرة على لبنان بعد تنفيذه مطالب إسرائيل بالانسحاب من حدودها وانتشار الجيش اللبناني مكانه بالاشتراك مع اليونيفيل، ومن هذه التجربة استلهمت حماس استعراضات الشباب الملثمين والذين لا يستهدفون إخافة إسرائيل بل زرع الرعب في سكان غزة العزّل، وقد يتمكنون قريبا من زرع هذا الرعب عند سكان الضفة الغربية إذا نجحوا بالاستيلاء عليها بعد غياب محمود عباس، وما قد يترتب على ذلك من انشقاقات أو انهيار في فتح ومؤسسات السلطة. 

ولعلّ أخبث الأسباب وراء ادعاءات النصر هذه، هو إسكات ذوي الضحايا من الفلسطينيين عبر محاولة اقناعهم بأن دماء أبنائهم لم تذهب سدى، وحتى لا يتساءلوا لماذا يموت شبابهم في الأنفاق، بينما يعيش أبناء قادة حماس حياة مريحة، فإسماعيل هنية نعى الشباب الفلسطينيين الذين قتلوا في المعركة الأخيرة بأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، بينما هو "ينتظر" في أحد القصور ويلقي منها خطابات الحضّ على الجهاد والشهادة. 

وأخيرا، فإن النصر المزعوم واقتناع بعض السذّج بأن إسرائيل على وشك الزوال يجعلهم يرون أن هدف من يطالب بالحلول السلمية هو إنقاذ إسرائيل وبالتالي يصبح واحدا من الصهاينة العرب، في حين أن الهدف الحقيقي لدعاة السلام هو إنقاذ أطفال غزة والضفة وشبابها ونسائها وفتح الأبواب أمامهم نحو حياة كريمة، لأن وعود الانتصار القريب بعيدة جدا عن الواقع وأكدتها هذه العقود الطويلة من الهزائم المتواصلة، بل أن الفجوة العسكرية والاقتصادية والثقافية والعلمية بين إسرائيل والدول العربية تزداد باستمرار لمصلحة إسرائيل لأنها دولة ديمقراطية حديثة، بينما "الكيانات" العربية المحيطة بها لم تتمكن حتى الآن من تجاوز مرحلة الطائفة والقبيلة.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.