الطرف المهزوم موضوعيا ليس إسرائيل
الطرف المهزوم موضوعيا ليس إسرائيل

"الانتصار" الذي تعتز به حركة حماس هو أن إسرائيل قد أذعنت للمطالب الداعية إلى وقف الأعمال الحربية دون أن تكون قد حققت كامل أهدافها العسكرية. ليس جليا أن إسرائيل قد تخلفت عن تحقيق الخطط التي وضعتها موضع التنفيذ عند اندلاع المواجهات. غير أن أداء حكومة نتانياهو قد نال انتقادات جمة، من الصقور والحمائم في إسرائيل على حد سواء. الحمائم، على ندرتهم، اشتكوا من إفراطه في استعمال القوة، ومن غياب التناسبية في القوة بين الطرفين، بما يفترض أن يعتمد الطرف الأقوى درجات عالية من ضبط النفس، وهو ما يشير تهديم الأبراج أنه لم يحدث، فيما الصقور امتعضوا من أن استعمال القوة الضاربة لم يكن بالشكل القاصم لحماس والمعاقب لها بما يمنعها من تكرار اعتداءاتها.

فبشهادة الناقدين الداخليين والخارجيين، إسرائيل قد "فشلت". وبالتالي، وفق ترجمة خيالية لهذا "الفشل"، حماس قد انتصرت.

كيف يكون الأمر انتصارا حين يكون حده الأقصى العودة إلى سابق الحال؟ لا المستوطنون تخلوا عن المطالبة بعقارات حي الشيخ جراح، بل الشرطة الإسرائيلية قد شددت من إمساكها على هذا الحي، مع المزيد من الإتاحة للمستوطنين، ولا القوى الأمنية الإسرائيلية قد توقفت عن الدخول إلى الحرم الشريف والتضييق على المصلين، رغم أن تلبية نداء الأقصى كان الدافع وراء خطوة حماس بقصف القدس بالصواريخ.

غير أن العودة إلى سابق الحال هي بعض الواقع، لا كله. مئات الفلسطينيين، من الأطفال والنساء والمسنين، ومن الرجال، المنضوين في حماس ومؤسساتها أو غير المنضوين، قد لاقوا حتفهم. بعضهم مات بقرار ذاتي، إذ خاض القتال بملء إرادته ورغبته، وبعضهم مات تاركا وراءه مسؤوليات انتزع منها عنوة وما كان بوده أن يتخلف عنها. ومئات غيرهم أصيبوا بجروح، وعاهات، وأذى يدوم وإن زال أثره المرئي.

والآلاف غيرهم فقدوا منازلهم، ومقتنياتهم الغالية، مهما كان ثمنها. وهدمت أبراج غزة، ودمرت مبانيها، وبنيتها الأساسية، وتجهيزاتها. ما ليس أرواحا زهقت، يعوض. ربما. لكن أعوام الألم والمشقة، من حياة كل مصاب ومتضرر، إلى أن يكون هذا التعويض، لا تعوض.

هذا ليس "انتصاراً" بأي مقياس إنساني. غير أن القراءة "النضالية" لا تتوقف عند الآني، بل تحاول استشفاف الانتصار الجزئي اليوم من جهة تأسيسه للانتصار الكلي على المدى البعيد.

ما "حققته" حماس خلال المواجهة الأخيرة هي إظهار نجاحها بمضاعفة قدرتها على الأذى.

ولكنه ليس انتصارا حتى وفق المنطق الذي يسقط الاعتبارات الإنسانية، وشرط "الانتصار" هو أن يكون الكسب فيه أثمن من الخسارة المفجعة التي ألمت بالأهلين. فما هو هذا الكسب؟

الموت والأذى والدمار والهلع في أوساط الإسرائيليين؟ هو كمّاً أقل بكثير مما يقابله لدى الفلسطينيين، فلا كسب هنا إلا إذا رضيت حماس بمقولة أن الدم والدمع أثمن لدى الإسرائيليين منه لدى الفلسطينيين. هذا ما يقوله العديد من الإسرائيليين للتو. بل هذا هو الأساس الذي تعتمده المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في تخطيطها لعملياتها، إذ تحاول قدر الإمكان تجنيب جنودها الموت في الدفاع عن مواطنيها، وإن تسبب ذلك باستفحال الأذى عند الجانب الفلسطيني.
 
بل حجة هذا التوجه الإسرائيلي هي أن الطرف الفلسطيني لا يقيّم الحياة لديه، فيعرّض الأهلين عمدا للأذى، في مسعى للاحتماء بهم من نار إسرائيلية يعلم أنها من جهتها تعتبر أن لكل حياة إنسانية قيمة.

يرفض الجانب الفلسطيني، والأوساط المؤيدة للفلسطينيين، هذه الحجة الإسرائيلية جملة وتفصيلا، مع الإصرار على تحميل إسرائيل كامل المسؤولية عما يصيب الفلسطينيين من قتل وألم، والتشديد على أن الأذى متعمد، لأغراض الانتقام والتشفي والاستعلاء.

لا يمكن إنكار أن هذه العواطف لها تأثير على صياغة القرار، هنا وهنالك. ولكنها ليست الغالبة.

ربما أن تبين ذلك يكون هو بالدعوة إلى مقارنة بسيطة بشكل أسئلة افتراضية: هل انخفاض عدد الإصابات لدى الجانب الإسرائيلي عائد إلى تحفظ من جانب حماس والفصائل على استهداف غير العسكريين، أم هل أنه نتيجة وحسب لنجاح القوات الإسرائيلية في حماية مواطنيها؟ أي هل أنه كان بوسع حماس والفصائل مضاعفة أعداد الضحايا الإسرائيليين، هل كانت لتمتنع؟ وفي المقابل، هل ما يطال الفلسطينيين من أذى هو الحد الأقصى الممكن إسرائيليا، أم لدى إسرائيل القوة الضاربة لمضاعفة أعداد الضحايا لو كان الغرض يتجاوز الحاجة العسكرية؟

ليس من الضرورة التوافق على تفاصيل الإجابات على هذه الأسئلة، يكفي وحسب الركون إلى واقع أن رغبة حماس بإنزال الأذى بإسرائيل تفوق قدرتها على الفعل، وقدرة إسرائيل للتسبب بالأذى بالفلسطينيين أقل من فعلها.

ما "حققته" حماس خلال المواجهة الأخيرة هي إظهار نجاحها بمضاعفة قدرتها على الأذى. للتأكيد، المستوى الجديد الذي تحقق لحماس يشكل "تقدما" كميا، لا نوعيا، لقدراتها، أي أن حماس قد زادت من قدرتها على قتل بعض الإسرائيليين وتدمير بعض المنازل والمنشآت، ولكنها لم تقفز بقدراتها الجديدة هذه إلى مستوى التهديد الفعلي والجدي للأمن الوطني الإسرائيلي، ولا تشكل، حتى بعد هذا التهديد، قدرة "رادعة" ترغم إسرائيل على تبديل قواعد الاشتباك.

رغم ذلك، فإن هذا "التقدم" يشكل بالفعل "إنجازا" موضوعيا، حيث أنه قد تحقق في ظروف مثلى لمنعه من الجانب الإسرائيلي: حصار منهك للقطاع، تعاون استخباراتي مع أجهزة محلية وعالمية، وإمكانيات مفتوحة لاستباق أي تقدم غير محتسب. ورغم ذلك، فإن حماس، والتي بادرت بالمواجهة، قد أظهرت أنها قادرة على التقدم.

السؤال الجوهري المطروح إسرائيليا يمسي، وإن كانت القدرة على الأذى اليوم محدودة، فهل أن حماس قد استنفدت قدرتها على التقدم، أم هل أنه من شأنها أن تبلغ ما حققه حزب الله في الوصول إلى مستوى فرض التبديل بقواعد الاشتباك؟

يذكر هنا أن أداء إسرائيل خلال احتلالها للبنان لم يكن مختلفا عما تعتمده اليوم من منطق تغليب استعمال القوة الضاربة، بما في ذلك القبول بمستوى مرتفع من الأذى العرضي في أوساط المدنيين لدى العدو، من أجل حماية مواطنيها، وحماية جنودها.

ما تمكن حزب الله من فرضه، يوم كان مقاومة صادقة لاحتلال حقيقي، هو المعادلة القائلة إنه في حال وقع ضحايا من الأهالي في لبنان، وإن من باب "الخطأ"، فإننا سوف نستهدف ونقتل إسرائيليين عمدا. فحماية مواطنيكم تتطلب تبديلا في قواعد الاشتباك لتجنيب مواطنينا الأذى. وبالفعل، بسحر ساحر، تبدلت قواعد الاشتباك، وتراجعت أعداد القتلى من المدنيين اللبنانيين.

حماس ليست هنا. ولكن من شأنها أن تفترض بأنها تسير، وإن ببطء إلى هذه المعادلة. ولكنه افتراض خاطئ. ذلك أن جواب إسرائيل على السؤال الجوهري أعلاه هو التحوط. أي أن حماس ليست هنا، والمواجهة الأخيرة تذكير بأهمية ألا يسمح لها أبدا بأن تتقدم على هذا الدرب.

حساب إسرائيل مع حزب الله كان قائما على أن هدف حزب الله من تأصيل معادلة الترادع هو إخراج إسرائيل من لبنان. وإسرائيل، بعد مغازلة قصيرة لفكرة البقاء في بعض الأراضي اللبنانية، كانت بالفعل قد عقدت العزم على الخروج، ولكنها كانت تفتقد السبيل والوسيلة والرؤية والحكمة للإقدام على الخطوة.

بل ثمة من يقول أن قوة المقاومة التي واجه حزب الله بها إسرائيل قد أخرت من خروجها من لبنان، إذ كان لا بد لها من ترتيب الأوضاع بما لا يجعل من الخروج فرصة لادعاء النصر والمطالبة بالمزيد. الواقع أن إسرائيل خرجت من لبنان مرتبكة كما كانت في لبنان قوة احتلال مرتبكة.

والمفارقة هي أنه ربما دون المقاومة، الوطنية أولا ثم الإسلامية، بعد أن صادر حزب الله حق رفض الاحتلال، لتحولت المغازلة لفكرة البقاء في لبنان إلى مسعى جدي لتوطيد الاحتلال لبعض نواحيه (أذكر شخصيا كيف أن جنودا إسرائيليين  أصروا على تسمية الجنوب اللبناني بـ "بلاد آشر"، في إبراز للقناعة الدينية، المنفصلة عن التاريخ الوقائعي بالمطلق، حول استقرار عشائر أسباط بني إسرائيل، وآشر أحدهم، في المنطقة، بما يستتبع ذلك تلقائيا من حق بالاستيلاء عليها. أذكر أيضا محاولات واهية لتحديد أماكن التواجد السابق لليهود في البلدات اللبنانية، والكلام عن "استعادتها"، بل حتى الرغبة بإقامة مجمع سكني لأسر الجنود الإسرائيليين في البقاع الغربي).

أي ربما أنه لا يجوز إسقاط معادلة الترادع، من وجهة نظر مقاومة، ولكن ما لا بد منه بالتأكيد هو الوضوح الأخلاقي إزاء هذه المعادلة، فإن هي انضوت على مصلحة، فإنها تحوي كذلك مفسدة، وظلم، وشر، في القتل المتعمد للأبرياء، وإن في صفوف "العدو". سمه شر لا بد منه إن شئت، ولكن جاهر بأنه شر، وبأنه، على أقل تقدير، لا يستحق المدح إن كنت عاجزا عن أن تذمه.

وبدلا من أن يعالج الفكر العربي الإشكالية الميدانية الصعبة، بأن يطالب بتقييد الضرورة الفاسدة باستحالة البديل، فإنه أطلق العنان لاستباحة مفتوحة لدماء الإسرائيليين واليهود، وراح يحتفل بمقتل أطفالهم في الشوارع والمطاعم، ثم عاد إلى النصوص الدينية المساندة ليبرئ نفسه من تجاوزه للفطرة الراسخة على العصمة الأصلية للنفس الإنسانية، فأخرج اليهود تارة من صنف الإنسان، وجعل قتل المحارب ثم غير المحارب، بياتا وتترسا وجهل حال، فرضا يثاب عليه فاعله.

حماس تتحرك في إطار استقرار هذه الحلول الفكرية عربيا وإسلاميا (وتماهيها مع قراءات مشابهة يسارية وثورية عالميا): من المرفوض الاعتراض على قتل الأبرياء، حيث لا أبرياء، هم يهود، أو إن شئت تجنب تأنيب الضمير، إسرائيليون، مستوطنون صهاينة، وبلداتهم ليست بلدات، ولا حتى مستوطنات، بل مغتصبات.

هنا بالخلاصة موضع الاختلاف الذي ينفي إمكانية تدرج حماس إلى ما حققه حزب الله: إسرائيل كانت على التباس بشأن وجودها في لبنان، وأفق حزب الله كان إخراجها منه. إسرائيل ليست على التباس أبدا ومطلقا حول وجودها في  إسرائيل، فيما أفق حماس هو القضاء عليها.

رضخ نتانياهو لمطلب بايدن لوقف إطلاق النار في غزة. البعض شبه هذا الرضوخ بإساءة إدارة إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، للحرب مع حزب الله في لبنان عام 2006. في الحالتين، الطرف المهزوم موضوعيا، من حيث أعداد القتلى في صفوفه وفي مجتمعه، ومن حيث الخسائر المادية التي تعرض لها، ليس إسرائيل. ولكن في الحالتين، الطرف المهزوم يزعم الانتصار، لنفسه ولجمهوره وأمام العالم، ومن زعمه يستمد المزيد من الزخم.

غير أن غزة ليست لبنان، وهدف هجمات حماس على إسرائيل ليس فك حصار غزة، بل هو إسرائيل نفسها.

من شأن حزب الله أن يعتاش على وهم ندية مفترضة مع إسرائيل، يوظفها البعض في إسرائيل نفسها لأغراضهم، ثم يعاد تدوير توظيفها لدى حزب الله، فيما هو يتفرغ لقتال "إسرائيل" مزعومة أخرى في سوريا، وأخرى في العراق، وربما أخرى في اليمن، كيفما يطلب منه الولي الفقيه. كل هذه المعارك مع "إسرائيل" الوهمية لا تعني إسرائيل.

أما أن تنشحن حماس في افتراض السير على خطى حزب الله، وأن يلقي الأمر ظلاله على الداخل الإسرائيلي، فلا سبيل إسرائيليا لغض النظر عنه، لمجاراته، أو للتعايش معه. المواجهة القادمة مع حماس لن تتوقف عند مطلب بايدن أو أي رئيس أميركي.

وحصيلة المواجهة القادمة هذه، كما حصيلة المواجهة التي بالكاد خمدت نارها، ليست الانتصار.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.