الدور الأميركي المتوقع بعد أحداث القدس
الدور الأميركي المتوقع بعد أحداث القدس

تخلى الرئيس الأميركي، جو بايدن، عن سياسة أوباما بقيادة العربة من الخلف، واضطر إلى الاشتباك المبكر مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي.

كان بايدن ينأى بنفسه عن الغوص في هذه القضية المقعدة والمتفجرة، لأنه يعرف ويدرك أن كل أسلافه من الرؤساء الأميركيين مهما كانت مواقفهم، وتوجهاتهم، قد فشلوا في تحقيق إنجاز يذكر في حل القضية الفلسطينية، ولهذا فإنه لم يضعها على سلم أولوياته، واختار مبعوثين للتعاطي مع ملفات ربما تكون أقل أهمية وتأثيرا في العالم، وتجاهل الشرق الأوسط.

فرضت انتفاضة القدس، وما تبعها من عدوان إسرائيلي على غزة، على الإدارة الأميركية أن تُعيد توجيه البوصلة، وأن تحاول نزع صاعق الانفجار الذي يهدد المنطقة برمتها، فأمر بايدن وزير خارجيته، أنتوني بلينكن، بحزم حقيبته والتوجه إلى المنطقة في محاولة لبناء تفاهمات ترسخ الهدنة ووقف إطلاق النار، وتفتح الباب لكسر الجمود في العملية السياسية التي نسف أسسها الرئيس السابق، دونالد ترامب، بالشراكة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

ماذا بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس؟، هل ستكون الهدنة كسابقاتها مرحلة مؤقتة من توقف القصف والصواريخ لتعود المأساة من جديد، أم أن هذه المعركة مختلفة، وقدمت للعالم حقائق لم يعرفها من قبل؟

حاولت أميركا أن تقلل من سقف التوقعات لزيارة بلينكن، فاختصرت الأمر، بالتأكيد على أنها محاولة لخلق مناخ إيجابي يحقق لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين معايير متساوية لتحقيق الأمن والكرامة، وخلق فرص أفضل.

قبلها كان بايدن يقول في بيان له إن الزيارة تريد متابعة دبلوماسية أميركا الهادفة والمكثفة، والالتزام بأمن إسرائيل، ودعم الشعب الفلسطيني بعد سنوات من الإهمال، وضمان وصول المساعدات لغزة، والحد من فرص اندلاع الصراع قريبا.

كل هذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر، واستبقت مصر والأردن والسلطة الفلسطينية الزيارة باتصالات، ولقاءات مكثفة للتوافق على رسالة مشتركة للإدارة الأميركية.

تتجنب إدارة بايدن الاشتباك مع حماس، وتصر على أن قناة اتصالها مع السلطة الفلسطينية، لكن المتابعين يرون أيضا أنها تتجنب التصعيد في خطابها ضد حماس، وربما ما يستحق التساؤل، هل ستفتح الإدارة الأميركية قناة خلفية للاتصال مع حماس عبر مصر وقطر مثلا؟ تمهيدا لاجتماعات ولقاءات مباشرة بعد ذلك، فالسياسة لا تعرف المحرمات، والتاريخ يثبت هذه التحولات، وموازين القوى، وتبدله على الأرض تجعل ما كان مرفوضا مقبولا وضروريا، فأميركا كانت تنظر لحركة طالبان باعتبارها إرهابية، وبعدها تفاوضت معها، وتعاملت معها.

انتفاضة القدس فرضت إيقاعا سياسيا جديدا في المنطقة، وحتما ستُعيد ترسيم العلاقات على نحو مختلف، وكثير من التابوهات ستسقط في سياق التعامل مع المستجدات والاستحقاقات القادمة.

في عمّان، يحتدم النقاش عن ضرورة عودة العلاقات مع حماس، وينتقد الشارع الحكومة لتفويتها فرصة دعوتها والاجتماع معها خلال الأزمة، ويعارضون أن تضع الحكومة كل "بيضها" في سلة السلطة الفلسطينية، ويعتبرون أن تردد الحكومة في هذا الإجراء أضعف حضورها السياسي في المشهد، وأعطى للدور المصري والقطري أفضلية واضحة.

انتفاضة القدس تُلقي بظلالها على المشهد الداخلي في عمّان، والمرجح أن تُسهم هذه الأحداث بحالة انفراج نسبي في العلاقة مع "الإخوان المسلمين"، وكان ملاحظا أن الحكومة وأجهزتها الأمنية لم تشدد قبضتها لمواجهة دعوات الحركة الإسلامية للحشد للتظاهرات والاحتجاجات، حتى وإن كانت موجهة للحدود مع إسرائيل.

وكان لافتا كذلك أن الأردن لم يستثمر في علاقاته مع الداخل الفلسطيني لإزعاج نتنياهو، واليمين الإسرائيلي، فخطوة كاللقاء مع قادة الكنيست العرب، ورؤساء البلدات العربية في عمّان "ضربة معلم" تؤشر لأوراق الضغط التي يملكها الأردن كلاعب رئيسي لا يمكن تهميشه، وهو ما لم تفعله، وربما يكون على أجندة الحكم في قادم الأيام.

صدى صواريخ حماس التي وصلت إلى تل أبيب ما زالت تُسمع في عمّان، وتُلهب مخيلة الشارع، وقد تدفع الحكومة لتُعيد وصل ما انقطع مع إيران وسوريا، وقد تنشط العلاقات بوتيرة متسارعة مع الدوحة، وقد يعرقل التناغم والاندفاع مع الدول الخليجية التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل خلال حكم ترامب.

عمّان محطة لوزير الخارجية الأميركي حكما، ولكن زيارة العاهل الأردني لواشنطن للقاء ببايدن تأخرت، والمؤكد أن ما حدث سيُعجل في ترتيبها فالأردن يطمح أن تمضي الإدارة الأميركية في خطوات أبعد من إطفاء الحرائق في الصراع العربي الإسرائيلي.

لن يجد الرئيس بايدن فرصة أفضل لتنفيذ ما وعد به بالدعوة لمؤتمر دولي للسلام، أكثر من الآن، فالعالم غاضب من الانتهاكات الإسرائيلية الفاضحة، والصوت المؤيد للحق الفلسطيني بدأ يعلو حتى داخل أروقة البيت الأبيض، والكونغرس، وكل المحاولات التي بذلها ترامب لطمس القضية الفلسطينية باءت بالفشل الذريع.

الخطر في اتجاه آخر أن تكون كل هذه الدبلوماسية النشطة في العالم هي فقط لاحتواء "النصر" الفلسطيني، ومنع قطف ثماره السياسية، وقنابل دخانية للتعمية على جرائم الحرب الإسرائيلية، والدفع بقصة المساعدات الإنسانية والاقتصادية، وإعمار غزة، إلى الواجهة بعيدا عن أي أفق سياسي، وإغراق وإلهاء "السلطة وحماس" في الصراع على من يتلقى المساعدات، وهذا يرسخ ويعمق الانقسام، وهذا قد يكون مطلوبا ومرحبا به عند بعض الأطراف دوليا.

ما تزال السلطة الفلسطينية، رغم ضعفها تملك فرصة ذهبية لإعادة إنتاج شرعيتها، وأول الخطوات المطلوبة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كل الفصائل تتقدمها حماس، ولها في التجربة اللبنانية نموذجا، وثاني المهام المطلوبة استكمال العمل لإنجاز الانتخابات التي أرجأت، فملف القدس ما زال مشتعلا، وهي فرصة لاستكشاف الضغوط التي يمكن أن تمارس على نتنياهو الذي يتهاوى حكمه، وبلفظ أنفاسه الأخيرة، ففي حربه على غزة التي خاضها بالتحالف مع اليمين الإسرائيلي المتطرف لم يقضِ على حماس، بل عزز صورتها شعبيا، وأعطاها نفوذا سياسيا لم تكن تحلم به من قبل.

بعد الهبة الشعبية، والصمود الفلسطيني، لم تعد القصة القبول بفتات المساعدات، وإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، وإنما إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والاعتراف بالحقوق الفلسطينية التي لا يمكن إنكارها، ومساءلة إسرائيل عن جرائمها.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.