نشطاء أجانب يرفعون العلم الفلسطيني في مظاهرة عند الجدار العازل (أرشيفية)
نشطاء أجانب يرفعون العلم الفلسطيني في مظاهرة عند الجدار العازل (أرشيفية)

ما هو الحد الفاصل بين انتقاد إسرائيل وبين معاداة السامية؟ وكيف يمكن لأي إعلامي أو سياسي أو حتى شخص عادي أن يتناول القضية الفلسطينية وينتقد ما تقوم به إسرائيل من ممارسات، من دون أن يتحول هذا النقد إلى دعامة لأولئك الذين يكرهون اليهود أيديولوجيا أو يتبنون آراء عنصرية تجاههم والتي في الغالب تقود إلى تعريضهم للأذى؟ 
هذا السؤال يهيمن اليوم على العديد من النقاشات الإعلامية والسياسية داخل الولايات المتحدة، بعد الأحداث التي شهدها قطاع غزة مؤخرا، والتي أعقبتها مسيرات مناهضة لإسرائيل في العديد من الولايات الأميركية، ورافقها في الوقت نفسه تزايد مضطرد في مشاعر الكراهية لليهود وتنفيذ اعتداءات ضدهم.

في عام 2003 وضع السياسي الإسرائيلي ناتان شارانسكي، الذي كان يوما من أبرز المعتقلين السياسيين المعارضين فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، ثلاثة معايير للتفريق بين انتقاد إسرائيل وبين العداء للسامية. وقد تبنت وزارة الخارجية الأميركية في عام 2010 هذه المعايير وهي: (1) نزع الشرعية عن إسرائيل، (2) شيطنة إسرائيل و(3) إخضاع إسرائيل لمعايير مزدوجة.
شارانسكي وجد أن توفر أي من هذه المعايير كافيا لوصم النشاط بالمعاداة للسامية. بالطبع واجهت هذه المعايير بعض التحديات، خاصة عندما يكون المنتقدون ناشطون يهود مثلا، أو صعوبة إثبات المعايير المزدوجة في بعض الأحيان. لكن في الإجمال تظل معايير شارانسكي صحيحة، وما يجعلها كذلك هو النتائج العملية على الأرض. 

فالتصريحات المعادية لإسرائيل التي أدلى بها بعض أعضاء الجناح التقدمي واليساري في الحزب الديمقراطي وكذلك بعض الشعارات التي رفعت في المظاهرات (بعضها وليس كلها) والتي استهدفت نزع الشرعية عن إسرائيل وكذلك الإشادة بهتلر والنازية، قد أعقبها مباشرة موجة من الهجمات المعادية للسامية التي استهدفت الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة وحول العالم. الأمر الذي دفع الرئيس جو بايدن للتحرك حيث كتب على حسابه الرسمي عبر تويتر: "الهجمات الأخيرة على المجتمع اليهودي خسيسة، ويجب أن تتوقف".

وأضاف "إنني أدين هذا السلوك البغيض داخل البلاد وخارجها – الأمر متروك لنا جميعا لعدم إعطاء الكراهية ملاذا آمنا". كما رددت نائبة الرئيس كامالا هاريس والعديد من السياسيين الأميركيين أقوال بايدن أيضا.
وبحسب رابطة مكافحة التشهير (ADL) الأميركية فقد تم تسجيل زيادة ملحوظة في حوادث معاداة السامية على الإنترنت وكذلك على الأرض في جميع أنحاء العالم. وفي بيان للرابطة قالت فيه إنها راجعت معاداة السامية على فيسبوك وتويتر وتيك توك وإنستغرام، مع منشورات تتضمن مدحا صريحا لهتلر، وترويج التعليقات حول "الهيمنة اليهودية المزعومة وشيطنة اليهود" والدعوة إلى تدمير الدولة اليهودية، بما في ذلك المنشورات التي تقول: "الغازات تسابق الحرب الآن".

أما على الأرض فمن بين هذه الهجمات التي جرى توثيقها خلال أسبوع تقريبا، قيام ستة رجال بالاعتداء على فتية يهود في بروكلين بنيويورك يوم السبت (22 مايو). وبحسب موقع "فين نيوز" قال أحد المعتدين للفتية، "فلسطين حرة".
في ليلة الجمعة، قال لوكا لويس (20 عاما)، وهو لاعب كرة قدم محترف يلعب في نادي نيويورك رد بولز، إنه تعرض للتهديد من قبل رجال كانوا يحملون سكاكين وسألوه إذا كان يهوديا، وقالوا له إنهم سيقتلونه إذا كان كذلك، بحسب رواية لويس.
وقد أثار ذلك غضب لويس وسأله رجل عما كان سيحدث لو تبين أنه يهودي، كما كتب، ورد عليه الرجل بالقول: "كنت سأبرحك ضربا وأقتلك".يوم الخميس، قام مهاجمون مناصرون للفلسطينيين بإلقاء مشروبات وزجاجات على رواد مطعم سوشي في لوس أنجلوس. وفي حي الماس في مدينة نيويورك، الذي يتواجد فيه الكثير من اليهود، ألقى محتجون مناهضون لإسرائيل مفرقعات نارية من سيارة خلال مشاجرة عنيفة في الشارع.
وفي هالانديل بيتش بولاية فلوريدا، وجه رجل إهانات لاسامية لحاخام محلي ثم أفرغ كيسا يحتوي على فضلات بشرية خارج كنيس الحاخام يوم الجمعة، حسبما ذكرت قناة WSVN. وفي 14 مايو، أبلغ رجل في هالانديل بيتش عن تعرضه للرشق بالحجارة أثناء عودته من كنيس يهودي.
في مدينة طوسون بولاية أريزونا، قام مجهولون بإلقاء أجسام كبيرة عبر باب زجاجي لكنيس "طائفة حافيريم"، حسبما ذكرت صحيفة AZcentral.
هذه الحوادث وغيرها كثير هي نتيجة للجو المشحون الذي نجم عن الخلط بين الغضب من ممارسات إسرائيل وتوجيه هذا الغضب نحو اليهود. 

بالطبع في الشرق الأوسط لا يوجد حد فاصل بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، فروح الانتقام والتسويغ الديني أو القومي للأفعال تطغى في معظم الأحيان، فالموت للعرب أو الموت لليهود يرددها الناس بصورة تلقائية كلما وقعت مواجهة عسكرية أو نجم عنها ضحايا من المدنيين.  
لكن في أميركا، أو الغرب عموما، هناك دائما ما أسميها "كوابح" لأي انفلات شعوري قد يحدث في مثل هذه الحالات، وهي كوابح سياسية وثقافية وأخلاقية وإعلامية، تمنع من تحول أي حدث ذي صبغة عنصرية أو إثنية أو دينية، إلى حالة انتقام جماعي.  
لكن يبدو أن هذه الكوابح قد بدأت تلين وتضعف، الأمر الذي يشير إلى تحول لا يبشر بخير.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.