وسائل إقناع الجماعات الإسلامية للناس بتطبيق الشريعة تنوعت
وسائل إقناع الجماعات الإسلامية للناس بتطبيق الشريعة تنوعت

حان الوقت بعد عشرات السنين من تجارب مايسمى بالشريعة الإسلامية أن نقيّم (بتشديد الياء) هل كانت هذه التجارب مفيدة للبشر أم كانت وبالاً عليهم لم يأتِ إلا بكوارث وبشاعات تم تنفيذها باسم الدين وتطبيق الحدود.

ومن الصعب في هذا السياق أن ننسى محاولات الإخوان المسلمون وغيرهم من الجماعات الإسلامية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي - وكنت واحداً منهم ذات يوم – أن يدعموا الشريعة الإسلامية بكل الوسائل.

فمن صراع الشيخ المصري صلاح أبو إسماعيل في مجلس الشعب المصري ليغير تعريف الشريعة في الدستور المصري من أنها (أي الشريعة) "مصدر رئيسي من مصادر التشريع" إلى أنها "المصدر الرئيسي للتشريع" إلى لافتات الإخوان الشهيرة بشعار "الإسلام هو الحل" وإلى شعار "إذا لبست النساء الحجاب إختفى البلاء" تنوعت وسائل إقناع الجماعات الإسلامية للناس بتطبيق الشريعة الإسلامية في العديد من البلدان العربية والإسلامية.

ويأتي السؤال الذي لا مفر منه في هذا السياق ألا وهو -هل كان تطبيق الشريعة الإسلامية تجربة ناجحة؟

فعلى البعد الإنساني لم نر غير بتر الأطراف في السودان -والذي لم يمنع الفقر وقت أن تم تطبيق الشريعة في هذه الدولة تحت حكم الرئيس البشير- ولم نر غير الرجم في الساحات العامة والذبح في الشوارع وتدمير لكل مظاهر الجمال في الساحرة أفغانستان والتي كان لديها مكان إسمه سوات – وما أدراكم ما سوات- فقد كان يسمى بسويسرا الشرق من روعة جماله. ولكن للأسف الشديد تحولت سوات إلى مركز للرجم والصلب وقطع الرقاب تحت مسمى الشريعة الإسلامية ...وكان ياما كان مكان إسمه "سوات"!

ثم جاءت داعش بعد ذلك لتقيم دولة "الخلافة الإسلامية" فترمي المثليين من فوق مكان عالي ليتم سحق عظامهم بصورة وحشية قبل أن تزهق أرواحهم. ورأينا مع دولتهم الإسلامية خطف النساء بالقوة وبيعهم في الأسواق كسبايا حرب فيتم اغتصابهن جنسياً وتداولهن بين "المجاهدين".

تحت مسمى "الشريعة الغراء" وسط صمت مطبق بل ومميت من معظم رجال الدين الإسلامي. فلم نسمع لهم صوتاً يصرخ في البرية أن إسترقاق البشر حرام وأن من يفعلون ذلك خارجون عن الإسلام. وياله من شيء مؤلم أن نجد فتوى من الشيخ الأزهرى محمد الغزالي تكفر الراحل وشهيد الكلمة فرج فودة ولا نجد فتوى تكفر مجرمي داعش!

وأتذكر في هذه اللحظات جرائم الجماعات السلفية في الجزائر في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي وهم يذبحون الأطفال أمام آبائهم لأنهم (أي الجماعات السلفية) تريد تطبيق "الشريعة الإسلامية". فإذا كان هذا هو الحال بمن يريدون تطبيق الشريعة فكيف كان سيكون الحال إن طبقوها بالفعل!

وباختصار هنا فحينما يجول بصري بين العديد ممن طبقوا ما أسموه بالشريعة الإسلامية فلا ترى عيني غير مشاهد الذبح وسفك الدماء والرجم وقهر المستضعفين من الأقليات الدينية وقهر للمرأة بصورة ربما لم يشهدها التاريخ الحديث.

هذا من ناحية.....ومن ناحية أخرى فلم يثمر تطبيق الشريعة في هذه التجارب إلا عن فقر شديد ودمار لإقتصاد الشعوب ولم يختف البلاء كما وعدوا بل إزداد وتفاقم وأصبح صفة أساسية لكل هذه الجماعات التي قامت بتطبيق الشريعة الإسلامية على حد قولهم!

والغريب في الأمر أن نجد الكثير ممن يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية في العديد من الدول العربية والإسلامية يهاجرون إلى الغرب الذي يصفونه ب"الغرب الكافر" ولا نراهم يتسابقون للسفر إلى أماكن تطبيق "الشرع الحنيف"! فلم نرهم مثلاً يقفون طوابير للحصول على فيزا لدخول الصومال حيث تقوم مجموعة "الشباب" بتنفيذ أحكام الشريعة -ومنها جلد من يشاهدون مباريات كرة القدم أو يسمعون الموسيقى – ولكن رأيناهم يتسابقون للحصول على "الفيزا" أمام سفارات الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا والسويد والنرويج وغيرها من الدول الغربية والتي تتعارض قيمها الرئيسية - مثل حرية المرأة وحرية الاعتقاد والمساواة الكاملة بين المواطنين- مع عقيدة أنصار"الشريعة" في كل مكان! وإن كنت سأصف ذلك بكلمات فهو على أقل تقدير "نفاق بلا حدود"!

وقبل أن أختتم مقالتي أود أن أنوه إلى أن العديد من الأماكن التي يتم فيها تطبيق "الشريعة الإسلامية" هي دائماً في أماكن متقدمة على مستوى العالم في مشاهدة الأفلام الإباحية على الإنترنت!

فماذا كانت ثمار الشريعة الإسلامية.....وأترك الرد للقارئ....وللحديث بقية!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.