من سلسلة أعمال "مرآة السماء" للفنان أنيش كابور.
من سلسلة أعمال "مرآة السماء" للفنان أنيش كابور.

"If you wish to make an apple pie from scratch, you must first invent the universe"
Carl Sagan. "إذا كنت ترغب في صنع فطيرة تُفاح من الصفر، يجب عليك أولاً اختراع الكون".. كارل ساغان.  

للدقة، كلمة scratch هنا لا تعني صفراً تماماً لكنها الترجمة الأنسب في المقابل العربي للعبارة أعلاه. أعني، في الانجليزية تأول الكلمة بعدة سياقات مختلفة، لكن الأكثر سحرية هو الخدش. أي العلامة أو الأثر الظاهر على سطحٍ ما، سواء كان هذا الخدش من فعل الأظافر "البشرية" أو مثلاً منقار طائر الفلامنكو. الاحتمال الأكثر واقعية، حافة أداة حادة كسكين تقطيع التفاح، أو طرف مرآة مكسورة خادشاً واحدة من أكياس القمامة السوداء. هنا، الخدش مرئي، مسبب الخدش يتداعى مع الوقت إلى "اللامرئية" و"الاختفاء".

فُسر الاقتباس الشعري لعالم الفلك والكاتب والفيزيائي، كارل ساغان، بعدة تأويلات وتفسيرات مختلفة، شخصياً حاولت تفسير قوله من قراءاتي المختلفة لبعض مقالته وما نشر من برامج تلفزيونية فيما بعد. 

إذا أردت صنع فطيرة تفاح من "اللاشيء" أو إذا أردت القول بأنك صنعت فطيرة تفاح من "الصفر"، فهذا الشيء مستحيل وغير منطقي. 

أنت لم تزرع الشجرة التي أثمرت التفاح. أو جمعت سنابل القمح وسحقته فيما بعد ليتحول إلى طحين أو البيض أو الماء أو النار. بمعنى أن الفطيرة صنعت من جهد الكثير من العوامل والأشخاص والسياقات المختلفة إلى أن وصلت إليك بشكل انفرادي، كل منها على حدى وقمت أنت فقط في جمعها في مزيح واحد تماماً كما حصل عندما نشأ الكون. الكون لم ينشأ من العدم أو من اللاشيء أو من الصفر. 

سلسلة "مرآة السماء"

نجد هذه الخدوش اللامرئية في أعمال الفنان البريطاني-الهندي، أنيش كابور. مثلاً في سلسلة "مرآة السماء" عمل نحتي مخصص للعرض ضمن سياق الفضاء العام، ثُبت عدد منها في الهواء الطلق في مدن مثل نيويورك ولندن وغيرها. 

الأعمال عبارة عن أطباق مستديرة، ضخمة ومقعرة، مصنوعة من الفولاذ العاكس المصقول والمقاوم للصدأ. سطحها العلوي موجه نحو السماء، ليتحول الانعكاس إلى مزيج من الغيوم السابحة في محيط من اللون الأزرق أو الرمادي اعتماداً على الطقس ومزاج سطوع الشمس من عدمه، وكأنها بوابات أرضية للدخول إلى السحب، يراها المارة دون القدرة على الشعور بملمس السماء، المراقبة وحسب. 

بينما في عروض أخرى وجه السطح ليواجه المارة ويمتلئ بوجوههم وأجسادهم والمحيط حولهم، لكن بأحجام ومقاسات وأشكال مختلفة عن ما يختبرون رؤيته يومياً أمام الانعكاسات المعتادة والمألوفة في "الواقع" ذلك بسبب التشكيل الغالب على أغلبه أعماله بين النحت المقعر والمحني والمائل حول مركزه في أعماله المتخصصة بإظهار الانعكاسات التي تحيل غالباً إلى العلاقة القوية بالأجساد البشرية المؤثرة بشكل منطقي في الهلوسات والرؤية الضبابية، جسدها أحياناً على شكل فتحات و كهوف وأنفاق ممتدة بأكثر من اتجاه، تحيل إلى الشعور بالخواء والرغبة في اكتشاف مفهوم الفراغ، فهي إما منحوتات تحتفي في الجدران والأرضيات أو تعمل على التماهي مع ما تعكس على سطحها، أو هكذا تبدو بسبب الأشكال البسيطة المستخدمة من مواد أساسية في الطبيعة مثل الغرانيت والحجر الصخري والرخام والجص. يعلق في أحد المقابلات بأنه مهتم بـ "اللا كائن" أو "اللا مادي" فهو يصنع أشياء لا تبدو بشكلها المألوف في يومياتنا. 

وُلد أنيش كابور في مومباي، الهند عام 1954، حالياً يعيش ويعمل في لندن. درس الفنون الجميلة في المملكة المتحدة. اشتهر بأعماله المكونة من المعدن المنحني، الرخام، الشمع، الفولاذ المقاوم للصدأ. يتعمق من خلال تكويناته في مفاهيم وثنائيات متضادة كـ الاختفاء/الوجود، السماء/ الأرض، المرئي/اللامرئي، المطاطي/ المتقلص وغيرها من الثنائيات التي يغلب على الكثير منها الحضور الضخم الهائل.
 

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.