أسوشيتد برس قالت: "ملك الأردن يوجه رسالة صارمة بشأن المعارضة في العائلة المالكة"
أسوشيتد برس قالت: "ملك الأردن يوجه رسالة صارمة بشأن المعارضة في العائلة المالكة"

هنالك نكتة أصلها وتركيبها أميركي، لكنها على طرافتها لها دلالات قد تجد فضاءا لها في المشهد "الإصلاحي" الأردني.

تقول النكتة أن رئيس مجلس إدارة شركة كبيرة جدا، وقف حاملاً وثيقة عمل أصلية يريد تصوير نسخة منها فتوجه بنفسه إلى مكتب السكرتاريا الخاص بجناحه المكتبي، ووقف بجانب آلة من الآلات في الغرفة وسأل السكرتيرة الأقرب إليه: لو سمحت، قولي لي كيف يمكن أن أستخدم هذه الآلة مع هذه الورقة الثمينة الأصلية والتي لا أملك منها إلا هذه النسخة فقط؟ بكل بساطة، تناولت السكرتيرة الورقة الثمينة الأصلية بنسختها الوحيدة ووضعتها في الآلة لتخرج من طرفها الآخر شرائط طولية مقصوصة ومتلفة تماما. وهنا سألها رئيس مجلس الإدارة: والآن، من أين ستخرج النسخة؟؟

..تقريبا، هذا ما يحدث في عملية صناعة القرار في الأردن، وفي غياب مؤسسي واضح وتغييب للدستور والقانون، فإن الملك - رأس الدولة- الذي يحمل أمنياته "الثمينة والأصلية" بنسختها الملكية الوحيدة ويتوجه إلى طاقم حكوماته ورجال دولته ويطلب منهم رأيهم بأمنياته ورؤيته "الشخصية" لتنتهي في ماكينة الإتلاف الرسمي (بيروقراطيا وتكنوقراطيا) على شكل قصاصات من قوانين وتشريعات ولوائح وتعليمات وسياسات كلها بشكل طولي.

الملك منذ بوحه الذي نشرته الأتلانتيك عام 2013 كتسريبات صحفية، وحتى فترة قريبة وهو ينادي - على الأقل في جلساته العامة والخاصة- بدولة فيها حياة سياسية حزبية وانتخابات تنتهي بتيارات سياسية حزبية وحكومات تخرج من رحم كل هذا الوعي السياسي المتقدم، وفي كل مرة يحمل الملك معه تلك الطموحات إلى غرفة تشبه مكتب سكرتاريا أغلبهم من "رجال الملك" يتناولها هؤلاء بالتداول والقصقصة ثم تقديمها وجبة "سباغيتي ورق" سياسية سريعة السلق صعبة البلع، وقابلة للذوبان حد التلاشي أمام واقع اجتماعي مختلف بالمطلق، وصار الاعتقاد عند أغلب رجال الملك وأصحاب الدولة ومستخدميها أن الإصلاح السياسي يكفيه فقط تغيير في قانوني الأحزاب والانتخابات فيتأهل الأردن للمنافسة على نهائيات الدوري الديمقراطي مع سويسرا!

طوال عقد وأكثر من المحاولات التجريبية والدوران بلا طائل للعودة إلى النقطة الأولى، كانت الخيبات تتراكم وتتعاظم، لا عند الملك وحسب بل عند الناس الذين وصلوا إلى مرحلة فقدان الثقة والمصداقية بالدولة وقد غابت مؤسساتها الدستورية والرسمية وتضاءلت تلك المؤسسات لنصل إلى حد وجود حكومات تستلم مهمات من سبقتها لتعيد إنتاج ذات الفشل بتركيبات إضافية، وبرلمان غرفته الأدنى الممثلة بمجلس النواب تضاءلت بنوعية ممثلي "الأمة" إلى موظفين "برواتب وامتيازات" بلا إرادة مستقلة ولا وعي سياسي فتكون ذروة المشهد إشغال الرأي العام كله بمصارعة ديوك "هزيلة" داخل المجلس وفيه، ضربا بكل قواعد الديمقراطية والمؤسسية والقانون، وانتهاكا للاحترام، وأقصى ما يقدمه المجلس هو دون دوره التشريعي المفترض، أما دوره الرقابي فمرتهن بثقافة الابتزاز "الخدماتي" والمصلحي لأعضائه.

تلك المداورة العبثية وأكوام الخيبة المتراكمة مضافا إليها عجز اقتصادي تغذيه منظومة فساد شكلت جماعات مصالح انتهازية، وجائحة كورونا ألقت بظلها الثقيل جدا على الجميع، انتهت إلى يأس جماعي ممزوج بالقهر والفقر والبطالة على مستوى قاعدة الهرم، لكن في قمة رأس الهرم فالإحباط بدأ يجد طريقه للتلاشي مع تغيرات إقليمية "كانت فيما سبق" ضاغطة بشدة، وتصور أكثر وضوحا لعملية الإصلاح السياسي، مع تأجيل "بحكم الضرورة والواقع" لأي إصلاحات اقتصادية جذرية.

تلك التغيرات بدأت بالتجلي تزامنا مع خفوت حماس الملك من دعم حكومة "مستشاره السابق" بشر الخصاونة الذي أثبت قدرته المدهشة على الغياب في الأزمات بجدارة، ثم قدرته المدهشة أكثر على الحضور بعد الأزمات من خلال صور على الفيسبوك لا تغني ولا تسمن ولا تقيم الأود في كل هذا الجوع، بل تزيد من حجم الإضرابات المعوية بالتقاطاتها الساذجة.

أولى التجليات حسب قراءات من تواصلنا معهم في العاصمة الأردنية كانت بتشكيل فريق هجوم "ودفاع" الملك المستحدث في مؤسسة ديوانه الملكي، وفي مكتبه تحديدا، حيث اختار الملك مدير مكتبه السابق الدكتور جعفر حسان مديرا لمكتبه من جديد.

مصدر مطلع وقريب في عمان أكد لي أن جعفر حسان كان خيارا شخصيا للملك تجاوز فيه طلب المشورة الأمنية، وهدف الملك الأساسي - حسب المصدر- تقوية مؤسسة الديوان التي تعرضت لاهتزازات عنيفة في السنوات الماضية، وصارت هدفا للانتقاد كمؤسسة "بديلة" عن المؤسسات الدستورية وقد شابها الترهل.

حسب مصادر كنت تحدثت إليها سابقا، فإن فكرة بعيدة تلوح في الأفق بإصلاح "مؤسسة الديوان" عبر مأسسته قانونيا وبتشريع إصلاحي يخضع الديوان للدستور بدلا من الطيران الحر المرتفع فوق الجميع.

لكن، ومع الاستحقاق الضروري لعملية إصلاح سياسي في الدولة الأردنية، لا يبدو أن الحكومة الحالية قادرة على الإيفاء بوعدها في تنفيذه، فإن مكتب الملك لم يكتف بجعفر حسان، بل استحضر فيه ومعه أيضا الكاتب الصحفي المثير للجدل في منصات "إطلاقه" المتعددة فهد الخيطان، مديرا لإعلام الملك في الديوان الملكي، وهي وظيفة مهمتها إدارة دائرة شابها الكثير من القصور في السنوات الماضية حين دخلت لعبة الإبهار البصري دون محتوى حقيقي يقدم للمتلقي إعلاما يحترمه، وشخصيا على رغم فتور العلاقة الشخصية حد النفور بيني وبين الزميل الخيطان، إلا أنني أجد فيه كفاءة مهنية يحتاجها مطبخ إعلام الملك، خصوصا أن الزميل له خبرة احترافية في مطبخ الصحافة اليومية أكثر أهمية من خبرته في تلفزيون المملكة والذي ترأس مجلس إدارته قبل منصبه الأخير في مكتب الملك.

وحسب الوارد، فإن الفريق في مكتب الملك ينضم إليه أيضا السيد معاذ الزعبي مديرا لدائرة السياسات في الديوان، وهو شخصية - كما يصفها معارفه- متمكنة في التقاط التفاصيل وتأطيرها القراءات الممكنة لتلك التغييرات في محيط الملك من مسافة صفر حوله، وحسب الراشح من عمان، ما هي إلا مقدمة - كما يقولون- لانتفاضة على "قوى الوضع الراهن" التي حاولت دوما إقناع الملك بفلسفتها حماية لأمن الدولة، وهو الأمن الذي يشكل نقطة حساسة عند الملك المرتاب في كل ما هو حوله إقليميا، وهي ريبة لم تولدها الصدف بقدر ما ولدتها عواصف وأزمات الإقليم التي عانى منها الملك الأردني سنوات عجاف في إدارة ترامب، لتتكشف بعض خيوطها على صيغة مؤامرات "إقليمية" مزروعة في مجال الملك الحيوي في مملكته تحديدا، بل وفي محيطه الأسري كذلك.

الإصلاح السياسي الذي يبدو أنه يتحرك بتثاقل شديد باتجاه معاكس لرغبة "قوى الوضع الراهن" من أجهزة وأشخاص ومؤسسات قبلية يجد صداه عند الملك كحالة ضرورة تتجاوز طموحه الشخصي هذه المرة، وبحسابات الأمن الغريزية عند الملك، فإن تأخير استحقاقات الإصلاح السياسي هي الأخطر وهي الخاصرة الرخوة للمملكة التي تحتفل بمئويتها الثانية في سياق إقليمي مرتبك، ووضع محلي لا يحتمل المغامرات على الإطلاق.

وهنا أجدني أقتبس كلمات مكثفة وبسيطة للناشط السياسي محمد الزواهرة حيث يقول: ".. المشهد السياسي في البلد مركب، هناك مشهد داخلي يظهر فيه ضعف في الإدارة العامة ومن حقنا جميعًا انتقاده والسعي إلى إصلاحه فورًا، وهناك مشهد خارجي يظهر فيه بوضوح أن ثمة دول في المنطقة وخارجها تستهدف النظام السياسي بالتالي تستهدف البلد، من وجهة نظري ليس من الوطنية أن نخلط بين المشهدين، المعارضة حق لنا وكفلها الدستور، والحفاظ على بلدنا من اي استهداف خارجي هو أيضًا واجب علينا جميعًا).

تلك قراءة متخمة بالوعي السياسي والفهم البعيد عن الإنشاء الأجوف أو الغضب الأعمى، وهي كثيرة وموجودة ومتوفرة لكن تحتاج من يلتقطها في مركز صناعة القرار.. والحوار.

لذا، أميل "بكثير من التمني" إلى تصديق ما تم تسريبه لي من مصادر "مقربة" ومعنية ببرنامج الإصلاح السياسي في العاصمة الأردنية عمان، أن مكتب الملك بدأ بنفسه يقود مشروع عصف ذهني مكثف وبلا تباطؤ للخروج بآليات حوار حقيقية "ونوعية غير مسبوقة" لوضع برنامج للتحديث السياسي حيث يتم - حسب المصادر المقربة- الاستماع اليومي لكافة الأفكار المطروحة والجريئة لتأطير خارطة طريق إصلاحية جذرية محددة بأهداف مرحلية، وفي سياق "جهد تشاركي" لا يقتصر على مكتب الملك وحده. المصادر ذاتها أنبأتني بأن طبيعة تلك الآليات المعدة لبرنامج التحديث السياسي قد تكون مبلورة بشكلها النهائي في غضون أسابيع قليلة.

أميل إلى تصديق ذلك لأن القرار فعليا في يد الملك وهو الوحيد "واقعيا" القادر على المبادرة وتحريك العملية الإصلاحية، والسلطة للتطبيق والتنفيذ وحتى في رسم السياسات فعليا هي في مجال الملك الحيوي والمقرب، فالمصداقية بين الناس وحكومات الملك تآكلت إلى حد عدم الثقة بجدية الحكومات ومؤسسات الدولة بالمجمل، التي استنفذت كل رصيدها السياسي وهذا انسحب أيضا على الأجهزة الأمنية التي تبرر "سيطرتها " باسم الملك أيضا. لكن الناس "المحكومة بالأمل" بطبعها لا يزال عندها ثقة بمؤسسة العرش وقناعة ان تلك المؤسسة التي يمثلها الملك وتمثله هي صمام الأمان الأخير والوحيد المتبقي.

وهذا واقع لا يمكن إنكاره، كما انه واقع لن يكون مريحا للملك نفسه فمؤسسة العرش لا تحتمل مطلقا فقدان تلك الثقة والمصداقية.

وما سبق ذكره من تحركات ثقيلة الخطوة على غموض تفاصيلها حتى الآن، تحمل سمات الواقعية والجدية بعيدا عن الاستعراض السياسي والإبهار، وهذا الاستعراض "الحكومي" والإبهار كان واضحا في تسريبة أخرى تناقلتها صالونات عمان السياسية والإعلامية "ووصلتني من خلال مكالمتين" عن بداية تحرك "حكومي" للتنسيب بلجنة حوار ملكية نوعية غير مسبوقة حسب وصف تلك المصادر التي أكدت أن رئيس الوزراء نفسه تحدث عن تلك اللجنة والعمل الجاري حاليا على صياغة أسماء أعضائها من خارج قائمة الأسماء التقليدية في النخب السياسية المعروفة!

شخصيا، ورغم "الإغراء" الذي تحمله التسريبة الحكومية، إلا إنني لا أعتقد بواقعيتها، وهي في حدود معرفتي وخبرتي لا تتجاوز إبر التخدير الموضعي لا أكثر وربما أقل.

لكن تلك التسريبة على ضعف مصداقيتها إلا أنها تحمل إضاءة بضرورة تغيير جذري بحثا عن رجال للدولة وفيها يسندون رأس الدولة، لا رجال للملك يسندهم الملك دوما. (واستخدام الرجال هنا فضفاض يشمل الجنسين).

--

خلاصة القول:

فالإصلاح السياسي لا ينجزه وجود تشريعات قانونية وحسب، الإصلاح السياسي في الأردن يتطلب عملية إعادة بناء جادة وحقيقية وطويلة الأمد لاستعادة دولة المؤسسات والقانون التي غابت طويلا.

التشريعات أدوات تعبد الطريق الطويل للإصلاح، وهو إصلاح بات ضرورة للدولة أمام مئويتها الثانية، وأمام تغيرات إقليمية وعالمية لا تحتمل "الوضع الراهن" بكل مفرداته.

دولة المؤسسات والقانون والديمقراطية مفهومان مختلفان لكن يسيران بالتوازي لا بالتماهي، وورشة الإصلاح "الوطني" الشامل تحتاج دفعة قوية لتسير الدولة من جديد على سكتها الدستورية.

ومن طريف الاستطراد.. أنني كلما تحدث أحد عن الإصلاح في الدولة تذكرت العبقرية الرحبانية في الترميز ( وكانت الحالة لبنان حينها) ومن مسرحيتهم "ميس الريم" حيث تغني السيدة فيروز عن سيارتها "اللي مش عم تمشي" وتبحث عمن "يدفشها دفشة" للوصول إلى "ورشة تصليح" لا يعرف مكانها وعنوانها الصحيح أحد.

لكن في الأردن.. فعنوان ورشة التصليح لم يعد مخفيا على أحد، المشكلة كل المشكلة في تلك "الدفشة" التي تحرك كل شيء.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.