هنالك نكتة أصلها وتركيبها أميركي، لكنها على طرافتها لها دلالات قد تجد فضاءا لها في المشهد "الإصلاحي" الأردني.
تقول النكتة أن رئيس مجلس إدارة شركة كبيرة جدا، وقف حاملاً وثيقة عمل أصلية يريد تصوير نسخة منها فتوجه بنفسه إلى مكتب السكرتاريا الخاص بجناحه المكتبي، ووقف بجانب آلة من الآلات في الغرفة وسأل السكرتيرة الأقرب إليه: لو سمحت، قولي لي كيف يمكن أن أستخدم هذه الآلة مع هذه الورقة الثمينة الأصلية والتي لا أملك منها إلا هذه النسخة فقط؟ بكل بساطة، تناولت السكرتيرة الورقة الثمينة الأصلية بنسختها الوحيدة ووضعتها في الآلة لتخرج من طرفها الآخر شرائط طولية مقصوصة ومتلفة تماما. وهنا سألها رئيس مجلس الإدارة: والآن، من أين ستخرج النسخة؟؟
..تقريبا، هذا ما يحدث في عملية صناعة القرار في الأردن، وفي غياب مؤسسي واضح وتغييب للدستور والقانون، فإن الملك - رأس الدولة- الذي يحمل أمنياته "الثمينة والأصلية" بنسختها الملكية الوحيدة ويتوجه إلى طاقم حكوماته ورجال دولته ويطلب منهم رأيهم بأمنياته ورؤيته "الشخصية" لتنتهي في ماكينة الإتلاف الرسمي (بيروقراطيا وتكنوقراطيا) على شكل قصاصات من قوانين وتشريعات ولوائح وتعليمات وسياسات كلها بشكل طولي.
الملك منذ بوحه الذي نشرته الأتلانتيك عام 2013 كتسريبات صحفية، وحتى فترة قريبة وهو ينادي - على الأقل في جلساته العامة والخاصة- بدولة فيها حياة سياسية حزبية وانتخابات تنتهي بتيارات سياسية حزبية وحكومات تخرج من رحم كل هذا الوعي السياسي المتقدم، وفي كل مرة يحمل الملك معه تلك الطموحات إلى غرفة تشبه مكتب سكرتاريا أغلبهم من "رجال الملك" يتناولها هؤلاء بالتداول والقصقصة ثم تقديمها وجبة "سباغيتي ورق" سياسية سريعة السلق صعبة البلع، وقابلة للذوبان حد التلاشي أمام واقع اجتماعي مختلف بالمطلق، وصار الاعتقاد عند أغلب رجال الملك وأصحاب الدولة ومستخدميها أن الإصلاح السياسي يكفيه فقط تغيير في قانوني الأحزاب والانتخابات فيتأهل الأردن للمنافسة على نهائيات الدوري الديمقراطي مع سويسرا!
طوال عقد وأكثر من المحاولات التجريبية والدوران بلا طائل للعودة إلى النقطة الأولى، كانت الخيبات تتراكم وتتعاظم، لا عند الملك وحسب بل عند الناس الذين وصلوا إلى مرحلة فقدان الثقة والمصداقية بالدولة وقد غابت مؤسساتها الدستورية والرسمية وتضاءلت تلك المؤسسات لنصل إلى حد وجود حكومات تستلم مهمات من سبقتها لتعيد إنتاج ذات الفشل بتركيبات إضافية، وبرلمان غرفته الأدنى الممثلة بمجلس النواب تضاءلت بنوعية ممثلي "الأمة" إلى موظفين "برواتب وامتيازات" بلا إرادة مستقلة ولا وعي سياسي فتكون ذروة المشهد إشغال الرأي العام كله بمصارعة ديوك "هزيلة" داخل المجلس وفيه، ضربا بكل قواعد الديمقراطية والمؤسسية والقانون، وانتهاكا للاحترام، وأقصى ما يقدمه المجلس هو دون دوره التشريعي المفترض، أما دوره الرقابي فمرتهن بثقافة الابتزاز "الخدماتي" والمصلحي لأعضائه.
تلك المداورة العبثية وأكوام الخيبة المتراكمة مضافا إليها عجز اقتصادي تغذيه منظومة فساد شكلت جماعات مصالح انتهازية، وجائحة كورونا ألقت بظلها الثقيل جدا على الجميع، انتهت إلى يأس جماعي ممزوج بالقهر والفقر والبطالة على مستوى قاعدة الهرم، لكن في قمة رأس الهرم فالإحباط بدأ يجد طريقه للتلاشي مع تغيرات إقليمية "كانت فيما سبق" ضاغطة بشدة، وتصور أكثر وضوحا لعملية الإصلاح السياسي، مع تأجيل "بحكم الضرورة والواقع" لأي إصلاحات اقتصادية جذرية.
تلك التغيرات بدأت بالتجلي تزامنا مع خفوت حماس الملك من دعم حكومة "مستشاره السابق" بشر الخصاونة الذي أثبت قدرته المدهشة على الغياب في الأزمات بجدارة، ثم قدرته المدهشة أكثر على الحضور بعد الأزمات من خلال صور على الفيسبوك لا تغني ولا تسمن ولا تقيم الأود في كل هذا الجوع، بل تزيد من حجم الإضرابات المعوية بالتقاطاتها الساذجة.
أولى التجليات حسب قراءات من تواصلنا معهم في العاصمة الأردنية كانت بتشكيل فريق هجوم "ودفاع" الملك المستحدث في مؤسسة ديوانه الملكي، وفي مكتبه تحديدا، حيث اختار الملك مدير مكتبه السابق الدكتور جعفر حسان مديرا لمكتبه من جديد.
مصدر مطلع وقريب في عمان أكد لي أن جعفر حسان كان خيارا شخصيا للملك تجاوز فيه طلب المشورة الأمنية، وهدف الملك الأساسي - حسب المصدر- تقوية مؤسسة الديوان التي تعرضت لاهتزازات عنيفة في السنوات الماضية، وصارت هدفا للانتقاد كمؤسسة "بديلة" عن المؤسسات الدستورية وقد شابها الترهل.
حسب مصادر كنت تحدثت إليها سابقا، فإن فكرة بعيدة تلوح في الأفق بإصلاح "مؤسسة الديوان" عبر مأسسته قانونيا وبتشريع إصلاحي يخضع الديوان للدستور بدلا من الطيران الحر المرتفع فوق الجميع.
لكن، ومع الاستحقاق الضروري لعملية إصلاح سياسي في الدولة الأردنية، لا يبدو أن الحكومة الحالية قادرة على الإيفاء بوعدها في تنفيذه، فإن مكتب الملك لم يكتف بجعفر حسان، بل استحضر فيه ومعه أيضا الكاتب الصحفي المثير للجدل في منصات "إطلاقه" المتعددة فهد الخيطان، مديرا لإعلام الملك في الديوان الملكي، وهي وظيفة مهمتها إدارة دائرة شابها الكثير من القصور في السنوات الماضية حين دخلت لعبة الإبهار البصري دون محتوى حقيقي يقدم للمتلقي إعلاما يحترمه، وشخصيا على رغم فتور العلاقة الشخصية حد النفور بيني وبين الزميل الخيطان، إلا أنني أجد فيه كفاءة مهنية يحتاجها مطبخ إعلام الملك، خصوصا أن الزميل له خبرة احترافية في مطبخ الصحافة اليومية أكثر أهمية من خبرته في تلفزيون المملكة والذي ترأس مجلس إدارته قبل منصبه الأخير في مكتب الملك.
وحسب الوارد، فإن الفريق في مكتب الملك ينضم إليه أيضا السيد معاذ الزعبي مديرا لدائرة السياسات في الديوان، وهو شخصية - كما يصفها معارفه- متمكنة في التقاط التفاصيل وتأطيرها القراءات الممكنة لتلك التغييرات في محيط الملك من مسافة صفر حوله، وحسب الراشح من عمان، ما هي إلا مقدمة - كما يقولون- لانتفاضة على "قوى الوضع الراهن" التي حاولت دوما إقناع الملك بفلسفتها حماية لأمن الدولة، وهو الأمن الذي يشكل نقطة حساسة عند الملك المرتاب في كل ما هو حوله إقليميا، وهي ريبة لم تولدها الصدف بقدر ما ولدتها عواصف وأزمات الإقليم التي عانى منها الملك الأردني سنوات عجاف في إدارة ترامب، لتتكشف بعض خيوطها على صيغة مؤامرات "إقليمية" مزروعة في مجال الملك الحيوي في مملكته تحديدا، بل وفي محيطه الأسري كذلك.
الإصلاح السياسي الذي يبدو أنه يتحرك بتثاقل شديد باتجاه معاكس لرغبة "قوى الوضع الراهن" من أجهزة وأشخاص ومؤسسات قبلية يجد صداه عند الملك كحالة ضرورة تتجاوز طموحه الشخصي هذه المرة، وبحسابات الأمن الغريزية عند الملك، فإن تأخير استحقاقات الإصلاح السياسي هي الأخطر وهي الخاصرة الرخوة للمملكة التي تحتفل بمئويتها الثانية في سياق إقليمي مرتبك، ووضع محلي لا يحتمل المغامرات على الإطلاق.
وهنا أجدني أقتبس كلمات مكثفة وبسيطة للناشط السياسي محمد الزواهرة حيث يقول: ".. المشهد السياسي في البلد مركب، هناك مشهد داخلي يظهر فيه ضعف في الإدارة العامة ومن حقنا جميعًا انتقاده والسعي إلى إصلاحه فورًا، وهناك مشهد خارجي يظهر فيه بوضوح أن ثمة دول في المنطقة وخارجها تستهدف النظام السياسي بالتالي تستهدف البلد، من وجهة نظري ليس من الوطنية أن نخلط بين المشهدين، المعارضة حق لنا وكفلها الدستور، والحفاظ على بلدنا من اي استهداف خارجي هو أيضًا واجب علينا جميعًا).
تلك قراءة متخمة بالوعي السياسي والفهم البعيد عن الإنشاء الأجوف أو الغضب الأعمى، وهي كثيرة وموجودة ومتوفرة لكن تحتاج من يلتقطها في مركز صناعة القرار.. والحوار.
لذا، أميل "بكثير من التمني" إلى تصديق ما تم تسريبه لي من مصادر "مقربة" ومعنية ببرنامج الإصلاح السياسي في العاصمة الأردنية عمان، أن مكتب الملك بدأ بنفسه يقود مشروع عصف ذهني مكثف وبلا تباطؤ للخروج بآليات حوار حقيقية "ونوعية غير مسبوقة" لوضع برنامج للتحديث السياسي حيث يتم - حسب المصادر المقربة- الاستماع اليومي لكافة الأفكار المطروحة والجريئة لتأطير خارطة طريق إصلاحية جذرية محددة بأهداف مرحلية، وفي سياق "جهد تشاركي" لا يقتصر على مكتب الملك وحده. المصادر ذاتها أنبأتني بأن طبيعة تلك الآليات المعدة لبرنامج التحديث السياسي قد تكون مبلورة بشكلها النهائي في غضون أسابيع قليلة.
أميل إلى تصديق ذلك لأن القرار فعليا في يد الملك وهو الوحيد "واقعيا" القادر على المبادرة وتحريك العملية الإصلاحية، والسلطة للتطبيق والتنفيذ وحتى في رسم السياسات فعليا هي في مجال الملك الحيوي والمقرب، فالمصداقية بين الناس وحكومات الملك تآكلت إلى حد عدم الثقة بجدية الحكومات ومؤسسات الدولة بالمجمل، التي استنفذت كل رصيدها السياسي وهذا انسحب أيضا على الأجهزة الأمنية التي تبرر "سيطرتها " باسم الملك أيضا. لكن الناس "المحكومة بالأمل" بطبعها لا يزال عندها ثقة بمؤسسة العرش وقناعة ان تلك المؤسسة التي يمثلها الملك وتمثله هي صمام الأمان الأخير والوحيد المتبقي.
وهذا واقع لا يمكن إنكاره، كما انه واقع لن يكون مريحا للملك نفسه فمؤسسة العرش لا تحتمل مطلقا فقدان تلك الثقة والمصداقية.
وما سبق ذكره من تحركات ثقيلة الخطوة على غموض تفاصيلها حتى الآن، تحمل سمات الواقعية والجدية بعيدا عن الاستعراض السياسي والإبهار، وهذا الاستعراض "الحكومي" والإبهار كان واضحا في تسريبة أخرى تناقلتها صالونات عمان السياسية والإعلامية "ووصلتني من خلال مكالمتين" عن بداية تحرك "حكومي" للتنسيب بلجنة حوار ملكية نوعية غير مسبوقة حسب وصف تلك المصادر التي أكدت أن رئيس الوزراء نفسه تحدث عن تلك اللجنة والعمل الجاري حاليا على صياغة أسماء أعضائها من خارج قائمة الأسماء التقليدية في النخب السياسية المعروفة!
شخصيا، ورغم "الإغراء" الذي تحمله التسريبة الحكومية، إلا إنني لا أعتقد بواقعيتها، وهي في حدود معرفتي وخبرتي لا تتجاوز إبر التخدير الموضعي لا أكثر وربما أقل.
لكن تلك التسريبة على ضعف مصداقيتها إلا أنها تحمل إضاءة بضرورة تغيير جذري بحثا عن رجال للدولة وفيها يسندون رأس الدولة، لا رجال للملك يسندهم الملك دوما. (واستخدام الرجال هنا فضفاض يشمل الجنسين).
--
خلاصة القول:
فالإصلاح السياسي لا ينجزه وجود تشريعات قانونية وحسب، الإصلاح السياسي في الأردن يتطلب عملية إعادة بناء جادة وحقيقية وطويلة الأمد لاستعادة دولة المؤسسات والقانون التي غابت طويلا.
التشريعات أدوات تعبد الطريق الطويل للإصلاح، وهو إصلاح بات ضرورة للدولة أمام مئويتها الثانية، وأمام تغيرات إقليمية وعالمية لا تحتمل "الوضع الراهن" بكل مفرداته.
دولة المؤسسات والقانون والديمقراطية مفهومان مختلفان لكن يسيران بالتوازي لا بالتماهي، وورشة الإصلاح "الوطني" الشامل تحتاج دفعة قوية لتسير الدولة من جديد على سكتها الدستورية.
ومن طريف الاستطراد.. أنني كلما تحدث أحد عن الإصلاح في الدولة تذكرت العبقرية الرحبانية في الترميز ( وكانت الحالة لبنان حينها) ومن مسرحيتهم "ميس الريم" حيث تغني السيدة فيروز عن سيارتها "اللي مش عم تمشي" وتبحث عمن "يدفشها دفشة" للوصول إلى "ورشة تصليح" لا يعرف مكانها وعنوانها الصحيح أحد.
لكن في الأردن.. فعنوان ورشة التصليح لم يعد مخفيا على أحد، المشكلة كل المشكلة في تلك "الدفشة" التي تحرك كل شيء.

