الدواء مفقود وأكثر من 700 صيدلية أقفلت أبوابها في لبنان
الدواء شبه مفقود وأكثر من 700 صيدلية أقفلت أبوابها في لبنان.

فوجئ رولان.ن، اللبناني المقيم في فرنسا، وهو يحاول شراء كمية كبيرة من أدوية الضغط والقلب وغيرها، بالصيدلانية التي راحت تخاطبه باللغة الإسبانية. لم يفهمها. أبلغها أنّه لا يجيد هذه اللغة، فسارعت الى الاعتذار منه، قائلة له: "حسبتك من فنزويلا، لأنّنا اعتدنا أن يشتري الفنزويليون المقيمون في فرنسا، هذه النوعية وبهذه الكمية، حتى يرسلوها إلى ذويهم الذين لا يجدون ما يحتاجون إليه في بلادهم".

ليس في هذه المقارنة ما يُسِر القلب، لا بالنسبة إلى الفنزويليين ولا بالنسبة إلى اللبنانيين، فهم، في هذه المصادفات التي تحصل معهم، يفهمون، بشكل أكثر جدية حجم المأساة التي تورّطوا فيها.

المأساة الفنزويلية سبقت المأساة اللبنانية. كان كثيرون يحذّرون من مغبّة أن يصل لبنان إلى الحالة الفنزويلية إذا لم يتدارك المسؤولون الانهيار الذي كان يُنبئ به التعفّن الذي ضرب كلّ أوجه الحياة في لبنان، على مختلف المستويات السياسية والسيادية والقضائية والأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية.

لكنّ أحداً لم ينصت إلى هذه التحذيرات. كان كل طرف يحسب أن بوادر الانهيار تخدمه وتؤذي خصومه، فاجتهدوا في تجهيز الحملات الإعلامية وتقوية "جيوشهم الدعائية" التي أوكلت إليها مهمّة تبرئة الذات، من جهة وتوريط الخصوم، من جهة أخرى.

في هذه العملية التدميرية، لا يمكن العثور على بريء واحد. الجميع شاركوا فيها من موقع التوهّم بجني أرباح، في السياسة واستحقاقاتها النيابية والرئاسية المرتقبة.

وعلى الرغم من سوداوية الأوضاع اللبنانية، إلّا أنّ هناك من لا يزال يعتقد بإمكان "وقف النزيف"، على اعتبار أنّه يمكن تفادي كامل "السيناريو الفنزويلي"، فالحد الأدنى للأجور، على سبيل المثال لا الحصر، لم يصبح بعد بمستوى دولارين ونصف الدولار الأميركي، والمجتمع الدولي لم ينقسم، حيال لبنان، كما هو منقسم حيال فنزويلا العائمة على ثروة نفطية، بحيث يشد بها الغرب في اتجاه والشرق في اتجاه آخر.

إنّ لبنان حتى تاريخه لم يصل بعد إلى حيث وصلت فنزويلا، ولكن إذا استمرّ المسار السياسي على ما هو عليه، فإنّ "جبل الجليد" بات قريباً جداً من السفينة التي يقودها قبطان بلا كفاءة، ولا همّ له سوى الإطاحة بكل من يريد أن يشاركه في اتّخاذ القرارات.

ثمّة من يعتقد بأنّ الحلّ يكمن في "تبريد العقول" و"تهدئة الخواطر" وتشكيل حكومة جديدة، بأسرع ما يمكن.

الساعات المقبلة سوف تشهد محاولة جديدة لتوليد حكومة جديدة، عملاً بـ"أمر" أصدره الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، في خطابه الأخير، ووفقاُ لخارطة الطريق التي رسمها: الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري، سوف يرسل إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، مسودة حكومية جديدة، على أن يتولّى برّي إيصالها إلى رئيس الجمهورية ميشال عون والاطلاع على موقفه منها. إذا وافق عون عليها، تتشكّل الحكومة، وإذا رفضها، تعود الأمور إلى الطريق المقطوع.

لكن هل يؤتي تشكيل الحكومة الحل المنشود؟

لو كان ذلك ممكناً لتشكّلت الحكومة، منذ أشهر، حين كان مصرف لبنان لا يزال قادراً على دعم الدواء والمواد الغذائية الأساسية والوقود. الجميع كانوا، ومنذ مدّة كافية يعرفون أنّ قدرة مصرف لبنان على الدعم سوف تصل إلى نهايتها مع وصول شهر مايو الحالي الى أيّامه الأخيرة. 

من الواضح أنّ المعضلة اللبنانية التي جرى إقحامها في مسائل إقليمية عدّة، أصبحت، حالياً، أكثر تعقيداً، إذ تعمّقت الانقسامات بين الأطراف المعنية بتشكيل الحكومة، فانتقلت العلاقة بين ميشال عون وسعد الحريري، من مجرّد اختلاف، إلى خصومة تلامس العداء. واقترب جميع اللاعبين السياسيين من استحقاق الانتخابات النيابية، وباتت "القرارات الصعبة" المطلوب منهم اتخاذها أو الموافقة عليها أو دعمها، مكلفة شعبياً. ودقت ساعة تجهيز القوى السياسية نفسها للاستحقاق الرئاسي، ممّا يعني أنّ كلّ طرف يمكن أن يتضرّر من أيّ طرف آخر، سوف يجد نفسه، في وضعية المعرقل هنا والمزايد هناك. و"حزب الله" الذي زاد منسوب نفوذه في لبنان، بعدما سهر على رعاية "توازن القوى" المعطّل لتشكيل الحكومة، وفي حمأة الهجوم العربي والدولي المتصاعد ضدّه، سوف يكون أحد أبرز عوامل حجب المساعدات المالية المجزية التي لا يمكن من دونها الصعود بلبنان إلى مستوى الأرض، بعدما هبط إلى مستويات عميقة في الحفرة الملتهبة، وهذا يعني أنّ لبنان، بدل أن يزيل أحد أبرز أسباب الانهيار، ذهب إلى تعزيزه وتقويته.

إنّ الحل الكلاسيكي الذي كان يمكن أن يُعطي، في شهر سبتمبر الماضي، تاريخ إسقاط "المبادرة الفرنسية"، نتائج "معقولة" لم يعد، حالياً يجدي نفعاً، فالطبقة السياسية اللبنانية ضيّعت على اللبنانيين فرصة الاستفادة من عاطفة المجتمع الدولي الجيّاشة التي أعقبت انفجار مرفأ بيروت، وبدل أن تسارع إلى توفير الفرص للملمة أشلاء الوطن، حرصت على أن تكون، بخلافاتها وتبعيتها وأنانيتها وفسادها وتفاهتها، أكثر ضرراً على البلاد من "نِترات الأمونيوم".

ما الحل، إذن؟

كاذب من يزعم أنّه يحتكر الجواب، انطلاقاً من "عقيدته" أو من "تجاربه" أو من "أحلامه". 

إنّ الحل يقتضي أن يجد من يبتدعه، من خلال الإسراع إلى فتح ورشة لا توفّر أيّ اختصاصي أو خبير في أيّ مجال، وهذا يفترض، بادئ دي بدء، أن يستعيد لبنان ما أخسرته إيّاه الطبقة السياسية: الشجاعة، من جهة واحترام العقول، من جهة أخرى.

في المرحلة الراهنة، هناك طرحان على الطاولة. الأوّل محلي والثاني دولي.

الطرح المحلي قدّمه البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، ويقوم على معادلة "تدويل الإنقاذ" و"تحييد لبنان".

الطرح الدولي، تبلوره فرنسا، بعد فشل مبادرتها الأصلية، بمعونة شركائها تتقدّمهم الولايات المتحدة الأميركية. يقوم هذا الطرح، في صورته الأوّلية، على "معاقبة" الطبقة السياسية، ومساعدة المجتمع المدني الذي كان في صلب "ثورة أكتوبر"، وتزخيم دور الجيش اللبناني الذي أصبح آخر مؤسسة لبنانية "محترمة". وينطلق هذا الطرح من تجارب شهدتها دول عدة في السنوات القليلة الماضية، بحيث نجح "زواج" المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني، ولو بالإكراه، في التخلّص من العبء الكبير الذي راكمته الطبقة السياسية على الدولة.

مشكلة هذين الطرحين، حتى الآن، أنّهما يفتقدان الى محرّكات تنفيذية. الطرح البطريركي لم يحظ بالدعم الكافي لبنانياً ودولياً، في ظل عدم نضوج ظروف المواجهة المطلوبة مع رافضه الأوّل والأهم: "حزب الله".

أمّا الطرح الفرنسي، فلم يوفّر لنفسه بعد الوضوح اللازم، إذ لا يزال "إيحائياً"، في ظل "انقسام" المجتمع المدني على نفسه، من جهة أولى، وخوف الجيش من نفسه، من جهة أخرى. وفي الإنتظار، إنّ جلّ هدف اللبناني، في المرحلة الراهنة، ألّا يصبح اقتصادياً، نسخة فنزويلية "طبق الأصل".

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.