الكثيرون اكتشفوا أن البلاد تسير بسرعتين متفاوتتين
الكثيرون اكتشفوا أن البلاد تسير بسرعتين متفاوتتين

قبل اجتياح وباء "كورونا" ووصوله إلى المغرب، تصدرت اهتمامات الإعلام الوطني لفظة "فشل النموذج التنموي في المغرب"، وتقدمت على ما دونها من الكلمات والمواضيع.

بقدرة قادر، تحول المطبلون والمزمرون لنجاحات التنمية الوطنية منذ الاستقلال (1956)، من أحزاب وهيئات وجمعيات وكتائب إعلامية، إلى عازفين وراقصين على نغمة "الفشل التنموي" وإلى كورال متحمس يردد "الكوبلي" ذاته . كيف لا والإقرار بالفشل صادر عن أعلى سلطة في البلاد، عن الملك محمد السادس.

تسمية الأمور بمسمياتها

في أكتوبر 2017، جاء الملك إلى البرلمان وأعلن في افتتاح الدورة التشريعية عن نهاية صلاحية النموذج التنموي الذي يتبعه المغرب. قائلا: "إذا كان المغرب حقق تقدما ملموسا، يشهد به العالم، إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية".

ودعا الملك إلى "تسمية الأمور بمسمياتها دون مجاملة أو تنميق واعتماد حلول مبتكرة وشجاعة، حتى وإن اقتضى الأمر الخروج عن الطرق المعتادة أو إحداث زلزال سياسي".

شكل هذا الخطاب حدثا نادرا، وغير مسبوق في المنطقة العربية، لم يُسمع به من قبل بهذا القدر من الصراحة والوضوح، اعتراف بفشل الرهانات الاستراتيجية للدولة، ومن رئيسها. يحدث الآن في المغرب. لكنه خطاب لم يسقط فجأة من سماء، بل أتى في سياق تراكمات وتفاعلات اجتماعية وسياسية، على رأسها الحراكات الشعبية التي اندلعت في عدد من المدن والجهات، تتقدمها الانتفاضة الشعبية لحركة "20 فبراير 2011" التي انبثقت من عمق "الربيع العربي". وبعد "حراك الحسيمة في الريف" بشمال البلاد (2016)، وما تلاه من حراكات مماثلة في جرادة وإيمزرون وأوطاط الحاج وزاكورة وغيرها من المدن، وإثر فشل المشروع الملكي الذي أطلق عليه اسم "الحسيمة منارة المتوسط".

هي الخلاصة الصادمة، التي ظلت المعارضة المغربية في عهد الحسن الثاني، منذ الستينيات والسبعينيات، إلى حدود نهاية التسعينيات، تجهر بها، بل إن أعدادا من ضحايا سنوات الرصاص، ممن أزهقت أرواحهم تحت التعذيب، أو ممن تعرضوا للاختفاء القسري، أو اقتيدوا إلى المعتقلات السرية والسجون والمحاكمات، كانت تهمتهم هي التجرؤ على انتقاد "النموذج" الذي تدار به شؤون البلاد والعباد، وهو ما يُعنى به اليوم "النموذج التنموي". ومن بين هؤلاء معتقلي "حراك الريف" الذين نالوا أحكاما قاسية بالسجن وصلت إلى 20 سنة لعدد منهم، وأيضا صحفيون وأصحاب أقلام حرة.

فجأة، فتحت الأعين المغمضة، واكتشف الكثيرون أن البلاد تسير بسرعتين متفاوتتين. الأولى يضاهي بها المغرب بلدانا متقدمة على مستوى قطاعات معينة، والثانية يتدنى فيها البلد بشكل كبير نحو قعر رتب البلدان المتخلفة، خصوصا ما يتعلق بمستوى عيش الفئات الأوسع من المواطنين في المجتمع، حيث تكمن الاختلالات التنموية وتنعدم العدالة الاجتماعية ولا يتحقق التوزيع العادل للثروة، بل يسود الفساد وتنتشر الرشوة وتتسع مساحات الظلم الاجتماعي.

كورونا تعلق عمل اللجنة

في ديسمبر 2019، أعلن الملك عن إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي. وعين على رأسها السيد شكيب بنموسى (السفير الحالي للمغرب بفرنسا، ووزير الداخلية السابق).

وانطلاقا من طابعها الاستشاري، تم الإعلان أن اللجنة ستقوم "بتشخيص دقيق وموضوعي للوضع الحالي، بكل صراحة وجرأة وموضوعية، بغية رصد الاختلالات التي يجب تصحيحها وتحديد معالم القوة من أجل تعزيز المكتسبات، في أفق صياغة مقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ".

إلا أن جائحة كورونا أخرت عمل اللجنة وحالت دون تقديم رؤيتها في الأجل المرسوم. بل إنها فرضت تمديد فترة المشاورات والمزيد من النقاش. خصوصا وأن الأزمة الوبائية لم تسمح بتوسيع نقاش عمومي مفتوح لبلورة نموذج جديد يستجيب لتطلعات المواطنين. والأكثر من ذلك، هو أن جائحة كورونا كشفت عن أن الدور الأساسي في مواجهتها يعود للدولة. وأن الإلحاح يزيد ويتعمق أكثر على تطوير وتعزيز القطاعات العمومية في الصحة والتعليم وتعميم التغطية الاجتماعية، وتقليص التحديات الاقتصادية والتفاوتات الاجتماعية والمفارقات مجالية. إذ مست ظروف الحجر الصحي فئات واسعة من العاملين في القطاعات غير المهيكلة التي تعيش على مدخولها اليومي. فسنة 2020 اعتبرت الأسوء بالنسبة للاقتصاد المغربي، حيث شهدت توقفا شبه كلي للاقتصاد الوطني، ولم يتجاوز معدل النمو نسبة 1%. ما تسبب في تعليق مؤقت لبرامج "اللجنة المكلفة ببلورة النموذج التنموي الجديد".

فيما اعتبر بعض المحللين الاقتصاديين أن على المغرب استغلال أزمة كورونا وتحويلها إلى فرصة حقيقية من أجل إحداث "رجة حقيقية والتأسيس لمرحلة جديدة، تحدث قطيعة مع الماضي وتفتح آفاقا جديدة". فالمعطيات التي وصلت إليها "اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد" تطلبت إعادة النظر فيها وفق الوضعية الراهنة التي تعيشها البلاد تحت وطأة انتشار الوباء ومخلفاته السلبية التي طالت العديد من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

قبلة الموت!

خلال هذه المدة التي طالت، تم تسريب أخبار عن وجود خلافات وتوترات بين أعضاء اللجنة، نجمت عن تجاوز الموعد النهائي وضغط الرأي العام، وأن التقرير النهائي يحتاج إلى تعديلات. وكان التسريب الأكثر إثارة هو أن السفير المغربي بباريس، رئيس اللجنة، قام باطلاع نظيرته هيلين لوغال السفيرة الفرنسية بالرباط على محاور النموذج التنموي. وهو ما خلف جملة من الانتقادات من كل حدب وصوب. وصلت حد شن رواد المواقع الاجتماعية حملة للمطالبة بإقالة بنموسى من مهامه الدبلوماسية والاستشارية، بسبب قيامه بتقديم الحصيلة المرحلية لعمل اللجنة إلى سفيرة فرنسا، قبل تقديمها إلى العاهل المغربي، ما اعتبر مساسا بسيادة المغرب واستقلاليته.

من جملة الانتقادات الحادة التي وجهت إلى "اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد"، ما أدلى به المفكر الاقتصادي نجيب أقصبي، حول سماح المغرب لصندوق النقد الدولي بالمساهمة في عملية صياغة مشروع النموذج التنموي الجديد، إذ وصف أقصبي تصريح السيدة كريستينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، ب"القبلة المميتة" حسب التعبير الفرنسي الذائع. وكانت المسؤولة الدولية أعلنت خلال ندوة صحفية بالرباط، صادفت تاريخ 20 فبراير 2020 (!)، استعداد صندوق النقد الدولي لمساعدة لجنة صياغة مشروع النموذج التنموي في تشكيل رؤيتها الجديدة للمغرب.

وأوضح نجيب أقصبي أن اختيارات صندوق النقد الدولي هي التي كانت وراء إفشال النموذج التنموي، وأن السماح بدخوله في عملية صياغة مشروع النموذج التنموي الجديد سيسمح بتكرار الفشل الذريع الذي أرسته سياساته بالبلاد منذ منذ 50 سنة". وأكد أقصبي، أن "المطلوب من لجنة بنموسى، إذا كانت ستقوم بعمل جدي، هو أن تتخلى كليا عن الاختيارات التي أرستها الدولة بإشراف الصندوق الدولي، مشددا على أن "مصدقية لجنة بنموسى رهين بعملها على القطع مع إملاءات الصندوق التي كانت أحد الأسباب الرئيسية في ضياع غايات التنمية المنشودة ببلادنا".

حقوق الإنسان والتنمية البديلة

كما أحيطت تشكيلة اللجنة (35 عضوا)، ومشاوراتها بانتقادات متفاوتة الحدة. بل إن هناك من أكد مسبقا أنها لجنة فاشلة، وسيكون الفشل مقرونا بنتيجتها، ولن تبلغ تحقيق التطلعات المرجوة من ورائها.

ونظراً لأهمية موضوع حقوق الإنسان وارتباطه بمخطط التنمية، استقبلت لجنة شكيب بن موسى، ممثلين عن "الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان" برئاسة النقيب المحامي عبد الرحمان بنعمرو، حيث سلم الائتلاف مذكرته الخاصة حول الحريات العامة بالمغرب. وتضمن تقريره لجملة النواقص والاختلالات الموجودة في وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، التي تشهد - حسب الائتلاف - العديد من الانتهاكات الخطيرة، وأن ما عرفته البلاد من إصلاحات تشريعية تصطدم بالممارسة التي تذكر أحياناً بسنوات الرصاص. وركزت المذكرة على "خطورة التراجعات التي مست الحقوق والحريات بالمغرب في السنوات الأخيرة". دون إهمال تأكيد الأوساط الحقوقية على أهمية التطور الإيجابي لحقوق الإنسان في الاستقرار السياسي والأمني وفي التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

مع العهد الجديد لم تتوقف ممارسات انتهاكات حقوق الإنسان، بدءا من "الهجوم على الحركة الحقوقية والديمقراطية، عبر المنع والحصار والتضييقات المتعددة، والقمع العنيف للحراكات الاجتماعية التي عرفتها بعض مناطق المغرب وما تعرض له نشطاؤها من اعتقالات ومحاكمات جائرة".

اغتنم الائتلاف المناسبة للتعبير بأن الإقرار الفعلي بفشل النموذج التنموي يعود إلى فشل الاختيارات السياسية والاقتصادية للدولة منذ عقود وفشلها في تحقيق التنمية الحقيقية. وهو ما يطرح ارتباط ذلك بفشل الدولة في تنفيذ التزاماتها في مجال حقوق الإنسان. حيث لا تنمية دون احترام الحقوق الأساسية. وأن "البحث في أسباب فشل النماذج التنموي يطرح سؤال الإرادة السياسية التي بغيابها تفقد اللجنة جدوى وجودها ويجعلها رقماً في لائحة اللجان السابقة، فاقتصاد الريع يعد اختياراً للسلطة منذ عقود، سيادة الإفلات من العقاب اتجاه ناهبي المال العام، انتشار الرشوة والفساد المالي في مختلف مناحي الحياة، تشجيع التهريب وغياب المراقبة الفعلية. احتكار كمشة من المنتفعين لمختلف المجالات الاقتصادية والاستحواذ على الثروات الوطنية والاستفادة منها عبر الاغتناء غير المشروع دون حسيب ولا رقيب".

الثقة المفقودة

ولأن القضية تتصل بمسألة استرجاع الثقة الشعبية، ولأن متطلبات التنمية تستدعي إحداث تحولات عميقة في البنيات والمؤسسات والعقليات، يقتضي أولا بناء الثقة بين الدولة والمواطنين وسيادة القانون. وكان من الممكن تصفية الجو السياسي بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وجعل حدّ للاعتقال بسبب الرأي، وعرض ملفات النهب وسوء التدبير على القضاء ورفع كل أشكال التضييق على المجتمع المدني وتحريك الشكايات المرفوعة ضد المسؤولين الأمنيين في قضايا التعذيب وسوء المعاملة وفتح تحقيق في كل القضايا الحقوقية التي التزمت الدولة بفتح تحقيقات بشأنها دون أن يتم ذلك".

أما الأكثر تشاؤما، فرأوا أن تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، لا جديد فيه سوى الإلهاء والتلهية، ما لم يتم إسقاط الفساد الذي يمثل ركنا أساسيا من أركان الدولة. وأن "الفساد لا يقوم إلا بتنمية الفساد". ويعطون الأمثلة بما يُمارس من فساد في استغلال وتوزيع الثروات الطبيعية، وشراء الذمم والولاءات وإفساد الحياة السياسية.

تزامنا مع نشر تقرير شكيب بنموسى، أطلق أحد قادة اليسار والمعارضة في المغرب، الأستاذ الجامعي محمد الساسي صرخة إحباط ويأس، طالب فيها بتصفية الجو السياسي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وأنهاها ب: "نحن الذين منذ منتصف السبيعينات راجعنا أفكارنا وأطروحاتنا وقمنا يإسقاط أطروحة إسقاط النظام السياسي كشرط للعلمية الديمقراطية... والله لقد أصبحنا ومواقفنا المعتدلة في حرج بكثرة هذه القضايا المسيئة للبلد".

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.