لم تكن استعراضات الفصائل المسلّحة تستهدف عنوان الحكومة
لم تكن استعراضات الفصائل المسلّحة تستهدف عنوان الحكومة

في قديم الزمان كانت الانقلابات العسكرية في بلدنا تتمّ من خلال محاصرة القصر الجمهوري والسيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون. واليوم انتهت رمزيّة الإذاعة والتلفزيون بعد أن أصبحت القنوات التلفزيونية المحليّة بعدد أحزاب السلطة، والقصر الجمهوري استُبدِل بالمنطقة الخضراء التي تضمّ أغلب أفراد الطبقة السياسية وزعامتها فضلاً عن مقرّ الحكومة. فهذه المنطقة أصبحت مقرّاً لحكم أحزاب وشخصيات المعارضة بعد أن عادت من المنفى، واتخذت قصور الطاغيّة مقرّاً لها!

تعود تسمية المنطقة الخضراء في بغداد إلى القوّات الأميركية، باعتبارها منطقة محصّنة وآمنة، في حين سُميت بقية مناطق بغداد بـ"المنطقة الحمراء". ويبدو أن المنطقة الخضراء لم تعد خضراء! بعد صواريخ الكاتيوشا التي تستهدف مقرّات السفارات والبعثات الدبلوماسية بين فترة وأخرى، وأصبحت هدفاً لحركات الاحتجاج للتضيق على الحكومة. وهذه الأيّام أصبحت مكاناً للاستعراضات العسكرية من قبل جماعات مسلّحة تتحدى الحكومة!

ليلة الأربعاء الماضية، كانت ليلة ليلاء - كما وصفها الإعلامي العراقي عدنان الطائي في مقدمة برنامجه اليومي- وهذه الليلة في لغة العرب (طَوِيلَةٌ شَدِيدَةُ السَّوَادِ) على ما تبقى من الدولة وسيادتها وهيبتها. فأرتال العجلات العسكرية التابعة لفصائل الحشد الشعبي المتمركزة بالمنطقة الخضراء وعلى مداخلها ومداخل العاصمة بغداد تستعرض قوّتها على الحكومة اعتراضاً على اعتقالها أحد قيادي فصائل الحشد بتهمة الإرهاب. فيما بقيت الحكومة صامتة حتّى انجلى الغبار وخرجت ببيان عديم اللون والطعم والرائحة، وفي اليوم التالي اجتمعت الرئاسات الثلاث لتعيد تكرار الكليشات الجاهزة التي ترفض وتستنكر وكأنّما الاضطراب الأمني حدث في بلد آخر وليس في العراق، الذي يحتاج إلى خطاب يؤكّد قوّة الدولة لا التباكي على أطلال انتهاكات هيبتها وسيادتها.

لم تكن استعراضات الفصائل المسلّحة تستهدف عنوان الحكومة، ولا رئيسها السيّد مصطفى الكاظمي، وإنما كانت رسالة واضحة وصريحة بأننا فوق الدّولة ولا صوت يعلوا على سلاحنا. وهنا تحديداً أعود إلى نقطتين مهمتين يستوجب حضورها في قراءة ما يحدث الآن، الأولى: التخادم المصلحي بين الحكومة التي تتخاذل عن القيام بمهامها الأمنية في ردع ومواجهة هذه الاستعراضات التي تتكرر بين فترة وأخرى. والثانية، لعبة معارضة الحكومة من قبل الجماعات التي تملك التمثيل السياسي والسلاح في الوقت ذاته.

مشكلة الكاظمي أنه يتّبع أسلوب المقامر برهانه على تصوير الجماعات المسلحة باعتبارها (تتنمر) على الدولة- كما يصفها-، وعلى أمل جعل الأطراف الدوليّة والأوساط الشعبية تتعاطف معه.

منطق التخادم المصلحي غير المعلن بين الفصائل المسلحة وبين الحكومة بات يثير الريبة والشك من كثرة تكراره! فالحادثة الأخيرة، جاءت إنقاذاً لحكومة الكاظمي بعد أن أصبحت بمواجهة مباشرة مع متظاهري 25 أيار (مايو)، التي قُتل فيها اثنان من المتظاهرين وجُرح العشرات بعد صدور الأوامر لقوّات (فض الشغب) بإنهاء التظاهرات. ولذلك جاءت تداعيات حادثة اعتقال القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح، بمثابة طوق النجاة للحكومة بعد أن أصبحت غارقة باتهامات قتل المتظاهرين، وعجزها عن حمايتهم من الاغتيالات والخطف طوال عام من فترة حكمها. لكنَّ الخدمة الحقيقة أتت مِمَن يسوق نفسه كعدو لهذه الحكومة عندما رفض قرار الاعتقال بطريقة استعراض قوّة ونفوذ سلاحه، ليختار الكاظمي لعب دور المتحرز بدماء الشباب المغرر بهم-كما يكرر هذا الوصف- ويظهر بمظهر المغلوب على أمره.

ويبدو أن لعبة التخادم، سواء تم رسم سيناريوهاتها أو هي نتاج تراكمات الفوضى في العراق، قد باتت تستهوي الكاظمي، فهو يريد البقاء بالسلطة ولا يريد مواجهة القوى السياسية ولا مواجهة جماعات السلاح المنفلت، حتّى وإن كان ذلك على حساب كرامته الشخصية، بعد أن أصبح وصف الضعيف والمتخاذل لصيقاً به! وبات يُنتقد بسبب مواقفه هذه من الأصدقاء والحلفاء قبل الأعداء. إذ نشر السيّد مقتدى الصدر، الحليف الأبرز للسيد الكاظمي، تغريدة يلمّح فيها إلى أن الحكومة (ضعيفة أو هزيلة).

مشكلة الكاظمي أنه يتّبع أسلوب المقامر برهانه على تصوير الجماعات المسلحة باعتبارها (تتنمر) على الدولة- كما يصفها-، وعلى أمل جعل الأطراف الدوليّة والأوساط الشعبية تتعاطف معه. لكن تخاذل الحكومة عن القيام بمهامها الأمنية ومنع التجاوز على مؤسساتها رهان خاسر؛ لأنها تصور الدولة بموقف العجز والضعف وليس الدولة القوية التي ترفض أن تتنافس معها جماعات مسلحة على احتكارها حق العنف واستخدامه. وبالنتيجة لا يمكن للجمهور أو القوى السياسية أو القوى الخارجية أن تراهن على دعم حكومة ضعيفة.

أعود إلى النقطة الثانية، لعبة المشاركة بالسلطة ومغانمها وبنفس الوقت معارضة الحكومة، هي لعبة مراهقي السياسة الذين يرفضون النضوج السياسي والارتقاء إلى مستوى الاحترافية السياسية. وفقاً لذلك عندما يريد من أتى بهذه الحكومة الهزيلة أن يتمرّد عليها فهو بالنتيجة يتمرد على الدولة وليس الحكومة. الدولة التي يسيطر على مؤسساتها ومواردها الاقتصادية بأسلوب وطريقة عمل المافيات وقوة السلاح. وهذه الدولة الهزيلة التي يريدون الإبقاء عليها ستنهار عاجلاً أم أجلاً، وهي أوهن من بيت العنكبوت.

لا يمكن أن تبقى الجماعات المسلحة مزدوجة المواقف: تارة تعلن انتمائها إلى مؤسسات الدولة الرسمية وتأتمر بأمر القائد العام للقوات المسلحة، وتارة أخرى تتحين الفرص لإعلان تمردها ورفضها لأوامر الحكومة، وتبرر ذلك بردود الأفعال وتطالب باحترام السياقات القانونية في التعامل معها. ومن يرفع السلاح بوجه الحكومة، يتقصد إهانتها، وتلك أخطر الجرائم في الأعراف القانونية والسياسية. ومن ثمَّ، لا يمكن أن تبقى الجماعات المسلّحة ترتكن إلى فتوى السيّد السيستاني باعتبارها المانحة لشرعية وجودها، ولا لرمزية منجزها في تحرير المدن من سيطرة تنظيم داعش، وإنما يجب أن تكسب ثقة الجمهور بالعمل على تقوية الدولة- التي تدّعي حمايتها من الانهيار- وليس التمرد عليها.

الصراع على الدولة بين الحكومة والجماعات المسلحة التابعة للقوى السياسية الشيعية، يجعل احتمالية الذهاب نحو خيار الصِدام المسلَّح واقعاً وليس افتراضاً. فتمركز القوة لدى الدولة ومؤسساتها الأمنية لا تقابله أي قوة أخرى، ولكن ضعف من بيده القرار السياسي وتخاذله قد يؤجل فقط توقيت المواجهة مع الجماعات المتمردة، التي مهما تغوّلت وتجبّرت لن تحسم المعركة مع الدولة لصالحها، لأنَّ المواطنين والبيئة الدولية والإقليمية تبقى رافضة لها، وهذا ما لا يدركه من يُغلّب منطقَ السلاح على منطق العمل السياسي.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.