العداء للسامية، تاريخياً، ظاهرة أوروبية، القارة العجوز موطنها الأصلي وحاضنتها، وأكثر أشكالها سفوراً.
العداء للسامية، تاريخياً، ظاهرة أوروبية، القارة العجوز موطنها الأصلي وحاضنتها، وأكثر أشكالها سفوراً.

كنت في زيارة خاصة للولايات المتحدة، عندما اندلعت تظاهرات التضامن مع الشعب الفلسطيني، والاستنكار للعدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، إذ شهِدتُ مباشرة، أو عن بعد، عدداً من هذه التظاهرات، بما طُرح فيها من شعارات وهتافات، وما رافقها من خطابات وكلمات.. ولقد أثلج صدري مستوى الوعي المتقدم الذي عبر عنه المشاركون فيها، وغالبيتهم العظمى من الفلسطينيين، من أبناء الجيلين الثالث والرابع للنكبة الفلسطينية.. شباب ولِدت غالبيتهم في الولايات المتحدة، وتعلموا في مدارسها وجامعاتها، وأتقنوا فنون مخاطبة الرأي العام الأميركي بمختلف فئاته وشرائحه.. وأفترض أن ما شهدته أوروبا من تظاهرات مماثلة لم يخرج عن هذا السياق، وتميّز – ربما – بالسمات ذاتها.

خَلت التظاهرات من أية شعارات استفزازية عموماً، ولم تقع في "مطبات" الكراهية لليهود، وأسقط المتظاهرون مزاعم إيمانويل ماكرون الذي حظر التظاهر في فرنسا خشية إطلاق شعارات "معادية للسامية"، لكن عشرات ألوف المتظاهرين "كسروا" قراره، ونزلوا إلى شوارع باريس ومدن فرنسية أخرى، ولم "يُضبَطوا متلبسين" بالعداء للسامية، وهي الذريعة التي صارت سيفاً مسلطاً على رقاب المتضامنين السلميين مع فلسطين وشعبها.. باختصار: لقد بحثت عن شعار "خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود"، فلم أجده.

أردت بهذه التجربة الشخصية، أن أمهّدَ لمقالة اليوم، المنصبّة حول ظاهرة العداء للسامية، جذورها ومحركاتها والمروجين لها والمتورطين بأنشطتها والمستهدفين بها والمتضررين من نتائجها، وكيف جرى اختزال تعبير "العداء للسامية" إلى "عداء لليهود"، وكيف تستخدم هذه المسألة كوسيلة لإسكات الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية والتصدي لبعض المدارس الفكرية الصهيونية الأشد تطرفاً واستعلائية.

العداء للسامية، تاريخياً، ظاهرة أوروبية، القارة العجوز موطنها الأصلي وحاضنتها، وأكثر أشكالها سفوراً، ما زالت تعتمل في البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية الأوروبية.. الولايات المتحدة، تلقت هذه الظاهرة من وراء الأطلسي، قبل أن تجد لها ديناميتها الخاصة في السياق السياسي – والثقافي الأميركي المتعيّن.

وهي سابقة لظهور ما سيعرف لاحقاً باسم "المسألة الفلسطينية"، ولا صلة لتشكلها بالفلسطينيين أو العرب.. هي سابقة للصراع العربي – الإسرائيلي، وليست مترتبة عليه، وإن كانت تأثرت ببعض فصوله وتداعياته اللاحقة.. ويمكن القول إن هجرة اليهود من أوروبا إلى فلسطين، التي بدأت أواخر القرن التاسع عشر، كانت من ضمن نتائج تفاقم هذه الظاهرة أوروبياً.. ولم تكن سُجّلت حتى تاريخه، أية مظاهر عداء أو كراهية، اختُص بها اليهود في البلدان العربية دون غيرهم، وبسبب دينهم أو معتقداتهم، على الأقل، هكذا تروي كتب التاريخ، وبهذا نطق رواتها.

والظاهرة التي تستمد اسمها من تقسيم "خرافي" "جزافي" للأعراق البشرية واختزال سكان الأرض إلى قبائل ثلاث، تتبع أبناء نوح الثلاثة: سام وحام ويافث، ستُختزل لاحقاً، ولأسباب سياسية وعقائدية، إلى "كراهية اليهود"، مع أن العرب بمجلهم "ساميون"، والأولى بالتسمية بالنظر لعددهم وعديدهم، ونسبهم الأقرب إلى "سام"، وفقاً لتقسيمات هذه المدرسة المستندة لأساطير دينية واعتقادية.. وستتطور هذه النظرية، مع مطلع القرن العشرين، لتخدم أطماع النازية الصاعدة، وإحساسها المرضي بتفوق "العرق الآري"، في تبرير استعلائي لغزو العالم واستلابه واستعباده.

ولعله من الثابت اليوم أن الحركة الصهيونية العالمية ومشروعها في إقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين، "وظّفت" ظاهرة "العداء للسامية" أو "الكراهية لليهود" في أوروبا، لتلبية حاجتها "الوجودية" لحفز الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وهنا يمكن ملاحظة أن موجات الهجرة اليهودية الأولى، وحتى قيام إسرائيل في العام 1948 (أكثر من نصف قرن)، قد تشكلت من اليهود الغربيين "الأشكنازية"، ولم تُسجل حالات هجرة جماعية لليهود العرب، إلا بعد الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، الأمر الذي يقودنا إلى استنتاجين اثنين: الأول، أن اليهود في العالم العربي قبل قيام إسرائيل، لم يكونوا عرضة للاضطهاد، بوصفهم يهوداً، المؤكد أنهم كانوا كبقية مكونات شعوب المنطقة، عرضة لأنماط مختلفة من الاضطهاد من قبل أنماط حكم شبه إقطاعية – سلالية.. أما الأمر الثاني، فستؤكده تطورات سبعة عقود لاحقة، وهو أن انهيار فرص تعايش اليهود في مجتمعاتهم العربية، إنما كان "نتيجة جانبية" مؤلمة للصراع العربي الإسرائيلي.

يصح القول أن اليهود في الغرب هم الضحية الأولى لتفاقم ظاهرة "العداء للسامية"، لكنهم ليسوا الضحية الوحيدة لتفشي هذا "الوباء"، فالفلسطينيون، قبل غيرهم، وأكثر من غيرهم، هم ضحايا الظاهرة كذلك.. إذ لولا تفاقهما وتوظيفها المنهجي المنظم، من قبل دوائر صهيونية وغربية نافذة ومقتدرة، لما تجمع ملايين المهاجرين اليهود في بلادهم، ولما أمكن لإسرائيل أن تتوفر على قرابة سبعة ملايين مواطن يهودي (آخر التقديرات السكانية)، ولربما ما كان للصراع العربي والإسرائيلي أن يتفاقم على هذا النحو، ولما حصلت "نكبة" اللجوء والشتات، وهذا أمرٌ بدأت تتفهمه جيداً قطاعات واسعة من الفلسطينيين، وتحديداً أجيالهم الجديدة.

وثمة ما يشبه "الحساسية" في أوساط النشطاء الفلسطينيين الشباب، بالذات في الغرب، من تفاقم مظاهر "العداء للسامية"، فهم يعرفون تمام المعرفة أنهم وأنشطتهم ومنظماتهم سيكونون في قلب دائرة المستهدفين بالحرب على "معاداة السامية"، حتى من قبل جهات تدرك تمام الإدراك أنهم ليسوا مسؤولين عن تفشي الظاهرة وتزايد حدتها.. هم يعرفون تمام المعرفة أن تعاظم هذه الظاهرة إنما يضعف حركة التضامن العالمي مع شعبهم وقضيته الوطنية.. هم يدركون أن أعناقهم وأعناق أصدقائهم في أوروبا والولايات المتحدة ستظل تحت "مقصلة" التهديد والابتزاز، والمطاردة القانونية، بقضية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

إن مظاهر "العداء للسامية" تزداد تفاقماً مع تنامي حضور ونفوذ قوى اليمين المتطرف في الغرب، وبعضه لا يخفي هويته "النازية"، وهؤلاء كارهون لليهود بلا شك، ولكن ليس لليهود وحدهم، فهم كارهون كذلك للأجانب والمهاجرين واللاجئين، وكثيرٌ منهم من أصول عربية.. ولديهم عداء كامن للإسلام والمسلمين، وهم مسؤولون عن تفاقم ظاهرة لا تقل خطورة عن "العداء للسامية"، وأعني بها ظاهرة "الإسلاموفوبيا".

ولا يمكن إلا أن نحمّل إسرائيل وبعض دوائر القرار في أوروبا والولايات المتحدة، قسطاً وافراً من المسؤولية عن تفشي الظاهرة، لأسباب سوف نتوقف أمام اثنين منها فقط:

الأول؛ الربط بين نقد السياسات والممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة من جهة و"العداء للسامية" من جهة، فليس كل منتقد لإسرائيل معادٍ للسامية أو كاره لليهود، وانتقاد إسرائيل بدأ يتخطى الدوائر المعروفة بصداقتها التاريخية للفلسطينيين، إلى دوائر كانت معروفة تاريخياً بانحيازها لإسرائيل.. لقد تحولت "معاداة السامية" إلى سيف مسلط على حرية الرأي والتعبير والتنظيم والتظاهر، في عدد من دول الغرب، وبما يتناقض مع ما تنسبه لنفسها، من التزام بقيم الحرية والديمقراطية والعدالة، وثمة شواهد كثيرة، لا مجال لذكرها في هذه العجالة، لضحايا الابتزاز والربط المُختلق والمقصود، بين نقد إسرائيل وإدانتها من جهة و"العداء للسامية" من جهة ثانية.

الثاني؛ تنامي نفوذ قوى اليمين الديني والقومي في إسرائيل، المُثقل بأحاسيس التفوق ونزعات الاستعلاء، وبشهية مفتوحة للضم والزحف الاستيطاني والتهويد و"الأسرلة"، وإحساس الدولة العبرية بقدرتها على ممارسة أبشع أشكال التنكيل بالفلسطينيين في الضفة والقطاع والقدس، من دون خشية من مساءلة أو محاسبة، مستندة إلى "شبكة أمان" أميركية – أوروبية، لكن في المقابل، من دون أن يتوفر هذا اليمين على القدرة على الانتصار في حرب "الصورة والرواية"، إذ بخلاف ما كان يحدث طيلة سنوات وعقود خلت، فإن المواجهة الأخيرة، سمحت للعالم بأن يشاهد، بالصوت والصورة، أولاً بأول، وعلى الهواء مباشرة، عمليات تدمير الأبراج المدنية في غزة، وحملات اقتلاع سكان حي الشيخ جراح، وعربدة المتدينين المتطرفين اليهود في باحات المسجد الأقصى وساحاته.. هذا وضع غير مسبوق، والفضل فيه يعود لثورة الاتصالات والسوشال ميديا، ولجيل من الشباب أتقن لغة العالم وأجاد استخدام تقنياته.

لقد خسرت إسرائيل معركة "الصورة"، وفقدت روايتها مصداقيتها، وسقطت مقولة أنها "واحة الديمقراطية في صحراء العرب القاحلة"، وأنها وحدها من يشارك الغرب، منظومته الأخلاقية والقيمية، لقد سقط كل ذلك، وأنجز الشباب الفلسطيني في أيام المواجهة الأخيرة المعدودة، ما لم يتمكن آباؤهم وأجدادهم من إنجازه طيلة سنوات وعقود، بدلالة التحولات في المواقف الرسمية والشعبية العالمية، يكفي أن نشير إلى ثلاثة منها: تزايد أعداد المؤيدين للفلسطينيين في أوساط الحزب الديمقراطي الأميركي، تحذيرات جان إيف لودريان من أن إسرائيل تنزلق لنظام فصل عنصري، وتقارير لجنة حقوق الإنسان الأممية، وهيومن رايتس ووتش، وبتسيلم ومنظمة العفو الدولية وغيرها كثير من المنظمات التي أنصفت الفلسطينيين، واتهمت إسرائيل بممارسة الاضطهاد والفصل العنصري، ومقارفات ترقى إلى "جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية".

لا يمكن اتهام هؤلاء جميعاً بـ"العداء للسامية"، ولا يمكن الاستمرار في الادعاء بأن إدانة إسرائيل تعني إدانة ليهود العالم وكراهيتهم، سيما وأن فئات متزايدة من يهود المجتمعات الغربية بدأ يتبرأ من سياسات إسرائيل وممارستها، بل ويقف في صدارة الصفوف الداعمة للحقوق الفلسطينية والمنددة بالسياسة الإسرائيلية.

"العداء للسامية"، كما "الإسلاموفوبيا"، كما غيرها من النظريات والحركات والمدارس الناهضة على العداء لفئة من الناس، لأسباب تتعلق باللون، أو العرق، أو الدين، أو اللغة، أو الجنس، جميعها ظواهر كريهة – عنصرية في جوهرها، يجب نبذها والعمل على عزلها، والأهم، أنه لا يجوز بحال من الأحوال، اللجوء إليها أو توظيفها، لتحقيق أغراض سياسية، إن كان بهدف شيطنة فريق، أو درء الاتهام عن فريق آخر.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.