سلام رشحته ثورة 17 أكتوبر لترؤس حكومة انتقالية
سلام رشحته ثورة 17 أكتوبر ليترأس حكومة انتقالية

في مقدمة كتابه الصادر حديثاً، لبنان بين الأمس والغد، والذي جمع فيه أبحاثا ودراسات كانت نشرت في مراحل سابقة، يؤكد نواف سلام، رجل القانون والدبلوماسي والأستاذ الجامعي والقاضي حاليا في محكمة العدل الدولية في لاهاي، والذي رشحته ثورة 17 أكتوبر لترؤس حكومة انتقالية، لنزاهته وثقتهم بقدرته على إدارة حكومة انتقالية تكون موضع ثقة الجهات الدولية وصندوق النقد الدولي لمساعدة لبنان ووضعه على سكة التعافي الطويل.

تعالج أجزاء الكتاب مشكلة هيمنة الطوائف التي فقدت محركها الديني الذي كان سبب نشأتها، وصار عامل محركها الأساسي العصبية وأصبحت غايتها السلطة. وصارت تُخضع الديني لمصالحها وغاياتها السياسية.

واعتمدت في ذلك مؤسسات كرستها كيانات سياسية تتوحد مقابل بعضها البعض، بالرغم من واقع انقساماتها الداخلية، وتتصارع فيما بينها بعد أن تمسك زمام أمور الطائفة والهيمنة عليها للوصول إلى السلطة باسمها.
وهذا ما جعله يستنتج أن المواطن اللبناني "مكبّل"؛ فمع أن الدستور يتوجه إلى اللبنانيين "كمواطنين"، يظل السؤال مطروحا إلى أي حد تحققت فعلاً هذه المواطنية.

يعدد بعض الشروط، سواء الأيديولوجية، التي يشير إليها "باللبنانوية" غامزاً من قناة ميشال شيحا وغيره، كما الاجتماعية والاقتصادية، التي  ساهمت ببروز الفرد. لكن حقوقه فيما يخص الوظائف العامة الرئيسية السياسية والإدارية (والتي وسّعها العهد الحالي لتطال أصغر الوظائف)، تظل رهن انتمائه لمجموعة طائفية. كذلك الأمر فيما يتعلق بالأحوال الشخصية. فصلة المواطن بالدولة في لبنان لم تكن مباشرة في يوم من الأيام، بل تمر عبر العلاقات الطائفية المرتبطة بالنظام السياسي؛ ويمكن القول عبر زعاماتها المتحالفة فيما بينها للسيطرة على هذا النظام وتشغيله بما يتناسب مع مصالحها الخاصة. وتجعل الفرد نفسه ممزقا بين نظامين متعارضين للقيم واستراتيجيات العمل المختلفة العائدة لهما. وهو الآن يدفع ضريبة ارتهانه لهم.

يعيد ذلك إلى أنها دولة "غير مكتملة"، حيث بقي الاختلاف على تحديد هوية لبنان، حتى لحظة الاتفاق على ميثاق 1943 بين بشارة الخوري ورياض الصلح تحت شعار "لا غرب ولا شرق". فتخلى المسلمون عن الوحدة العربية وقبلوا لبنانيتهم، وتخلى المسيحيون عن الالتحاق بفرنسا وقبولهم بعروبة لبنان.

رغم ذلك اندلعت الحرب الاهلية، على خلفية شعور المسلمين بالظلم؛ إذ كلما اقتربوا من اللبننة كان مسيحيو السلطة يتجاهلونهم ولا يقومون بأي إصلاحات. وهذا ما حصل مع الحركة المطلبية الطلابية والحركة الوطنية المعارضة حينها. ما رمى بهؤلاء في أحضان المقاومة الفلسطينية المسلحة التي كانت أُعطيت الحق باستخدام الجنوب كمنطلق لكفاحها المسلح ضد إسرائيل في اتفاق القاهرة بتواطؤ لبناني مسيحي وتشجيع شعبي مسلم.

التعديلات التي حصلت في دستور الطائف، والتي يشرحها بتوسع، لو طبقت لما وصلنا إلى هنا ولما احتاج المؤلف لوضع شرطه للإصلاح

نجد المؤلف الذي كان ينتمي إلى تيار الحركة الوطنية، ينحاز إليها ضمنياً، ويغفل انتقاد مسؤوليتها عن الحرب من خلال دعم منظمة التحرير غير المشروط على حساب السيادة. كما يتبنى خطابها اليساري في نقده للنظام الليبرالي "المتوحش". بينما كان اقتصاد لبنان قبل انفجار الحرب من أقوى الاقتصادات مع صفر دين عام ووفّر نمطاً من العيش المشترك الهني، والتعليم العام بكفاءة عالية.. لم تكن المشكلة حينها في نمط الاقتصاد السائد، بل في عدم إعادة توزيع الثروة والاعتناء بإنماء المناطق.

الأمر الذي كان حققه فؤاد شهاب بنجاح واستعاد الولة المناطق الخارجة عن كنف الدولة ووضع أسس المؤسسات الرقابية التي حفظت توازن لبنان إلى أن قُضي عليها جميعها مؤخراً. واستطاع بمساعدة عبد الناصر، في اجتماع الخيمة الشهير على الحدود، تحييد لبنان.

لم يخترع شهاب نظاماً جديداً، بل حكم كرجل دولة نزيه ومسؤول ومحب لوطنه، من خلال آليات النظام السياسي نفسه، المشكو منه!!

ولقد أشار الكاتب إلى إصلاحات شهاب وممارساته ودورها في تعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للمسلمين في الكيان اللبناني، الأمر الذي شجع تنامي طموحاتهم السياسية. لكن ورثة شهاب انقلبوا على سياساته وتجاهلوا مطالب المسلمين.

المشكلة إذن ليست في النظام السياسي، بل رجاله وفي تطبيقهم المنحاز والزبائني وتبعيتهم للخارج.

فالتعديلات التي حصلت في دستور الطائف، والتي يشرحها بتوسع، لو طبقت لما وصلنا إلى هنا ولما احتاج المؤلف لوضع شرطه للإصلاح، قيام دولة قادرة وعادلة بعد القيام بالإصلاح السياسي ومركزيته، من أجل جمهورية ثالثة، تتحقق في العمل في تنفيذ أحكام الطائف التي لم تنفذ بعد. الآن لم يعد يكفي تنفيذ ما لم ينفذ، المطلوب أكثر من ذلك، المطلوب تقويم الممارسات التي شوهت دستور الطائف وكرست أعرافاً غير قانونية وغير دستورية. المطلوب "الاستقلال الثالث" بحسب أنطوان مسرة.

من هنا ما يطالب به السياديون في ثورة 17 أكتوبر وما ورد في مبادرة بكركي من تحرير الشرعية وتطبيق دستور الطائف وقرارات الشرعية الدولية، كشروط للبدء باستعادة سيادة وحياد الدولة ووقف الانهيار.

لأن الشرط الثاني الذي وضعه هو "تصحيح اختلالاته بالاستناد إلى تعزيز دور مؤسسات الدولة وتحسين أدائها، مع احترام التوازنات الطائفية التي  تعكسها بنى المؤسسات الكبرى للدولة"، دون أن يشير إلى توفير شروط السيادة. أن أي مس بالدستور في ظل هيمنة طرف يمتلك سلاحاً خارجاً عن شرعية الدولة مرفوض.

ثم إن استعجال إصلاح الطائف "بانتظار بروز ميزان داخلي يسمح بوضع لبنان على طريق فعلي لتجاوز الطائفية"؛ يجعل المشكلة تقنية يمكن معالجتها بانتظار تغير ميزان القوى. بينما اختلال ميزان القوى نفسه هو لمصلحة القوى الحاكمة التي تعمل على ديمومته لتمكين سلطتها بفضل قوة ضاغطة تعتمد على سلاح خارجي. ومعنى ذلك إغفال دور اللبنانيين، بانتظار تغير الظروف الخارجية! مع أن تجربة انتفاضة 2005 علمتنا أن وحدة اللبنانيين السياديين هي التي سمحت بالضغط الداخلي، الذي لاقاه الضغط الخارجي لإخراج السوري.

لا تكمن المشكلة في "هشاشة النظام السياسي اللبناني"، بل في موقعه كوطن صغير محاط بجيران طامعين ومحكوم من "طبقة سياسية" لم تطبق الدستور مرة واحدة بالروح المسؤولة وبالمواطنية التي أكد عليها المؤسسون الأوائل، وفي طليعتهم ميشال شيحا!!

يعلق ريمون آرون على ما يظهره توكفيل من بعض التشاؤم حيال إمكانية استمرار وجود أمم صغيرة لا تملك قوة الدفاع عن نفسها، إنه موقف يثير بعض الغرابة، بحيث نتساءل ماذا كان سيقول كاتبه أمام العدد الكبير من الأمم الصغيرة التي تبرز وغير القادرة على الدفاع عن نفسها؟ إن الأمم الصغيرة تكون قادرة على البقاء إذا ما توفرت لها الحماية اللازمة من النظام الدولي. من هنا مطالبة البطريرك بالمؤتمر الدولي .

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.