مسلحون اقتحموا المنطقة الخضراء بعد اعتقال قاسم مصلح
مسلحون اقتحموا المنطقة الخضراء بعد اعتقال قاسم مصلح

صباح يوم الأربعاء الفائت، وبينما كانت أفواج فصائل الحشد الشعبي "العراقية" تحاصر مكتب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المُسلحة العراقية، مُصطفى الكاظمي، تهدم الأسوار المنيعة التي تحمي مؤسسات الحُكم العُليا في المنطقة الخضراء من العاصمة بغداد وتهدد علناً باجتياحها، كان الشخص المُستهدف منهمكما بإعداد بيان تعقيبي على الحدث، كان يتطابق في مضامينه مع ما يصدر عن الموظفين البيروقراطيين في منظمة الأمم المُتحدة: "ما شهدته المنطقة الخضراء يُعد انتهاكا خطيرا للدستور العراقي والقوانين النافذة"!!. 

طبيعة فعل الفصائل وما صدر عن قائدها المُفترض، هي شيء بالغ التكرار والدورية في الوقائع العراقية، منذ أكثر من عام، مع تولي الكاظمي لرئاسة الوزراء، وحتى الآن. فدائما ثمة سعي خجول ومُرتبك من قِبل الأجهزة والمؤسسات الرسمية التي تحت إمرة الكاظمي لتطبيق بعض أوجه القانون والسلطة الرسمية بحق الأشخاص والكيانات التي تنتمي للسلطة الحقيقية في البلاد، من مرتكبي أفظع الأفعال، مثلما كان الحال مع القيادي في الحشد الشعبي، قاسم مُصلح، الذي على أثر اعتقاله جرت أحداث، الأربعاء، وهو المتهم بصفقات فساد واغتيالات لناشطين وصحافيين وتجار، وحتى سرقة أموال المنتسبين للحشد الشعبي!

ما يحاول رئيس الوزراء العراقي والقائد الأعلى- المُفترض- للقوات المُسلحة إغفاله عن قصد، كان عناصر وقادة الحشد، ومنهم رئيس أركان الحشد، عبد العزيز المحمداوي، الذي من المفترض أن يكون تحت إمرة الكاظمي، يُعلنونه جهاراً أمام مكتبه: يُمزقون صور الكاظمي، ويرفعون صور قاسم سليماني!

بغض النظر عما يؤمن به الكاظمي في قرارة نفسه، لكن دون شك ثمة رغبة كبيرة من قِبله لضبط سُلطة وجبروت الفصائل المُسلحة، لتكون موازية وتحت إمرة مؤسسات الدولة. ربما ليس لأسباب سياسية أو عقائدية، بل لجنوح طبيعي من قِبل الرجل لتحويل سُلطته الرسمية الشكلية الوظيفية إلى سُلطة فعلية، قد ترسم له ملامح سياسية ما، ذات دور حاضر العراق ومُستقبله. 

يرى الكاظمي بأن ذلك الأمر يُمكن تحقيقه تماشياً مع ثلاثة تحولات سائلة تحيط بالمزاحمة بينه وبين فصائل الحشد الشعبي: يتعلق الأول بنتائج الحوار الإيراني مع القوى العالمية، والتي قد تُغير من مستويات وأشكال دعم إيران لتلك الفصائل. والثاني بالخلافات التي قد تنشأ بين إيران وبين قادة تلك الفصائل، الذين تدفعهم طموحاتهم الشخصية للتفكير بتجاوز من اختلقهم، إيران. والثالث يكمن في الخلافات التي قد تنشأ فيما بين الفصائل نفسها، بين تلك التي تسمي نفسها بـ"فصائل العتبات المُقدسة" أو الفصائل العراقية، ونظيرتها التي تُعبر صراحة عن ولائها لإيران، المُسماة بـ"الفصائل الولائية". 

أي أن الكاظمي يُمني النفس بأن معايشة ما بين سلطاته وأدواته وأجهزته وما ينظرها من السلطات والأدوات والأجهزة التي تملكها وتستعملها جهات السلطة الحقيقية في البلاد ممكنة تماماً، وأن سياق التاريخ وتحولاته ستسمح له بـ"انقلاب" ما ضدها في لحظة مناسبة.  

استراتيجية الكاظمي هذه كان قد طبقها العديد من "القادة" السياسيين في منطقتنا، الذين حاولوا كل مرة الوصول والبقاء في السُلطة الرسمية البيروقراطية الوظيفية في دولة ما، عبر مهادنة ومعايشة سلطة حقيقة في تلك الدولة، ثم انتظار اللحظة المناسبة للانقلاب عليها دون المبالاة بأن تلك السلطة الحقيقية إنما تكتنز كل أشكال العنف والمركزية والهيمنة، لكنها لا تريد الظهور للمتن العام وممارسة وظيفة السلطة الظاهرة، بل توكلها لهؤلاء المكلفين.

كان هؤلاء "القادة" السياسيين يجربون ويقبلون تلك المعايشة، ويعتقدون في قرارة أنفسهم بأن الظروف والتحولات قد تتيح لهم فرصة الانقلاب على تلك السلطة الحقيقة، والحلول مكانها، ولا ضير في الظهور كقادة ثوريين، لكن، وليس فقط لسوء طالع هؤلاء المُجربين، فإن جميع تجاربهم انتهت ببحر من الدماء.

تجربة رفيق الحريري في لبنان جربت معايشة الطفرة والتنمية الاقتصادية مع سلاح حزب الله، الموظف/الوزير السوري عبد الله الدردي كان يوعد نفسه بأن الليبرالية الاقتصادية التي يتبعها قد تتعايش مع غابة الأجهزة الأمنية السورية. الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي كان قد آمن لوقت بإمكانية الموازنة بين الثوريين المدنيين اليمنيين والميليشيات الحوثية وبقايا نظام الرئيس صالح. رئيس الوزراء الليبي، محمود جبريل، جرب حظه مع الفصائل الليبية. ومثلها أعداد لا تحصى من التجارب، التي انتهت كلها بمزيج تراجيدي من العنف والحروب الأهلية والشروخ والكيانات الفاشلة. 

كان ذلك يحدث لسبب بسيط، يتعلق بغريزة هذه السلطة الحقيقية، حسها الدفين بخطورة وسوء نوايا السلطة الوظيفية الرسمية وما تحمله من تطلعات دفينة، ما تستبطنه عبر طبقات من التقية السياسية والخطابية. تعرف السلطة الحقيقية أكثر من غيرها طبيعة الوشائج غير المُعلنة بين السلطة الوظيفية والطبقات المدنية والوسطى والأكثر تعليماً والبيروقراطية من المجتمع، وكيف أن تلك الوشائج بين الطرفين يمكن أن تتحول في أية لحظة إلى تحالف انقلابي على النواة الصلبة للسلطة الفعلية، وتاليا، تسعى هذه السلطة الحقيقة لتحطيم تطلعات السلطة الوظيفية من المهد. فوق الأمرين، فإن القائمين على السلطة الحقيقية متخوفون على الدوام من "قوة الشرعية" التي تتمتع بها السلطة الظاهرة، لذا يسعون لتفكيك بنيان تلك الشرعية دون هوادة، عبر تحطيم أسس القانون العام وهيبة الدستور وأدوار المؤسسات الحكومية.     

لكن السؤال الكبير الذي بقي ويجب يُفتح في هذا السياق، يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية فيما يقدمه "القادة" الوظيفيين من خدمات للسلطة الحقيقية/الشمولية/العنيفة طوال هذه التجارب، ما يقدمونه من تغطية قانونية وسياسية وشرعية لهذه السلطات، التي ما كان لها أن تحقق هذه المستويات من السطوة والفاعلية دون تلك الأنماط من التغطيات.         

لأي أحد أن يسأل عن سؤال بديهي: لكن ما الحل!!. ليس من جواب ناجز على ذلك، لكن ترك المسؤولية كاملة وواضحة على عاتق السلطة الفعلية أفضل بكثير من تحمل الجزء الأكبر منها، تره السلطويين الفعليين ليغرقوا في تبعات أعمالهم وتوجهاتهم، عدم تغطيتها وتجميلها. فالسلطة الحقيقة في لبنان مثلاً في مأزق كبير جدا في زمن حسان دياب، بشكل لا يُقارن بما كانت عليه في زمن رفيق حريري، ومثل لبنان هي أحوال باقي النماذج.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.