صدام حسين - العراق
إن خيارات المحبة أو الكراهية هنا ليست مجرد خيارات تقف عند حدودها. إنها خيارات إيديولوجية تُحّدد مستقبل أجيال وأجيال

ماذا تعني الإجابة على سؤال من نوع: هل تُحِب صدّامَ حسين ؟ السؤال قد يبدو ساذجا من جهة، وشخصي ـ بدرجة ما ـ من جهة أخرى. وإذا كان كذلك؛ فماذا يعني طرحه في السياق الثقافي العام الذي يتجاوز الخيارات الشخصية ؟ أي طرحه على أناسٍ لا علاقة مباشرة لهم بصدام حسين، ولا بنظام صدام حسين، فهم لم يلتقوه يوما، لم يَنالوا منه خيرا، ولم يُلاقوا منه شرّا، فما معنى أن تنشأ بينهم وبينه علاقة وجدانية ولو مُتَخَيَّلَة، سواء في الاتجاه السلبي أو الاتجاه الإيجابي ؟ 

أزعم أن السؤال هنا هو من نوع "السؤال الخاص" الذي له طابع "السؤال العام"، أو الذي يتضمّن ـ بالضرورة ـ معنى عاما؛ هو المراد في نهاية المطاف. السؤال هنا ـ في سياقنا العربي ـ عن صدّام، هو مِثْل أن تسأل الإنسان الغربي اليوم: هل تحب هتلر ؟ هل تحب ستالين ؟ الأسئلة هنا تبحث ـ ظاهريا ـ في طبيعة العلاقة الوجدانية التي تربط فردا ما بشخصية عامة. لكنها ـ في حقيقتها ـ ليست كذلك، أي ليست وجدانية، ومن قبل: ليست خاصة، بل هي فكرية ـ مَبَادئية: أسئلة مواقف/ مبادئ، وأسئلة خيارات أخلاقية قبل كل شيء؛ وبعد كل شيء أيضا.

إن هذه الشخصيات: "صدام حسين"، "ستالين"، "هتلر"، "الحَجّاج بن يوسف"، يزيد"، "هولاكو"...إلخ، هي شخصيات تجاوزت حدودها الفردية الواقعية، بل تجاوزت حتى حدودها العامة؛ لتكون رموزا لأخلاقيات حاسمة، ولأنماط إدارية، ولرؤى حياتية (تستبطن في النهاية ـ شَعَرَت أم لم تَشْعُر ـ رُؤى فلسفية عامة)، وهي ـ هنا ـ أخلاقيات وأنماط ورؤى، تتكاثف رمزيتها متمحورة حول الطغيان الاستبدادي الشمولي المُلغي لكل تمظهرات الحرية: الفردية والعامة، والإجرام المطلق؛ المتجرد من كل الاعتبارات القانونية والأخلاقية، بل والإنسانية العامة، وصولا إلى مستوى ترميزي يتجاوز الحضور العيني للفرد الطاغية، أي رفع كل هذا ترميزا؛ ليكون مَنْهَجَا مُنَمْذَجا يُرَاد له البقاء والنماء في ذات الاتجاه السلبي.   

قليل هم المجرمون الذين وصلوا إلى هذا المستوى من الرمزية الباذخة، التي غاب عنها الأشخاص من حيث تفاصيل وجودهم المادي، بينما حضرت الصفات التي يشتغل عليها فعل الترميز. ليس المهم ماذا كان "هولاكو" حقيقة، ولا ماذا كان "الحجاج بن يوسف"؛ وإنما المهم ماذا بقي منهم على مستوى الحضور الرمزي في المخيال العام؟ 

الذين يحبونهم أو يكرهونهم، لا يحبونهم أو يكرهونهم بناء على حقيقتهم في تحقّقهم التاريخي (فهذه حقيقة لا وجود لها، حقيقة أصبحت ـ كما أصبحوا ـ في قبضة العدم)، وإنما يفعلون ذلك (حبا أو كرها) بناء على وجودهم الراهن، الذي هو وجود رمزي خالص، أي بناء على محبّتهم أو كرههم للصفات/ الممارسات التي وصل بها هؤلاء إلى مستوى الفاعلية الرمزية، الفاعلية المؤثرة ـ بشكل مباشر/ صريح، أو غير مباشر/ غير صريح ـ في الواقع.    

طبيعي أن تُحِبَّ أمُّ ستالين ابنها/ ستالين، وطبيعي أن تُحِبَّ ابنة صدّام أباها/ صدّام، وطبيعي أن يُحِبَّ أحفادُ الحجاج جدَّهم الأكبر/ الحجّاج، كما أيضا من الطبيعي أن يحب المستفيدون من هؤلاء من كان سببا في فائدة مادية أو معنوية ظفروا بها؛ دونما استحقاق ذاتي أو دونما استطاعة ذاتية. 

كل هذا هو نوع من المحبة الوجدانية المُسَبَّبة بأسبابٍ خاصة، ولا علاقة لها ـ لا سلبا وإيجابا ـ بالرمزية الطغيانية الإجرامية التي يُمَثّلونها أكمل تمثيل. فإذا أحبَّ حفيدُ الحجاج جدّه الحجاج مثلا، فلا يعني هذا أنه يحب ـ بالضرورة ـ المذابحَ التي مارسها الحجاج بحق الأبرياء، ولا أنه يراها مشروعة من الأساس. 
لكن، أن يُحِبَّ تاجر أو معلم أو إعلامي أو كاتب في تونس أو المغرب أو اليمن أو مصر أو لبنان صدّام حسين، بل وأن يَتَكنّى بعضُهم به (أي يُسَمّي ابنَه على اسمه حقيقة أو مجازا)، فهذا يعني ما هو أكثر من إعجاب فرد بفرد، إنه عشق لكل ما يُمثّله صدام من رمزية. الاسم هنا: صدام، ليس اسما محايدا، ليس مجرد شخص وُجِدَ حقيقية في حقبة تاريخية ما، بل هو مجموع الصفات التي حضر بها ترميزا في الفضاء العام. ومَن يُعبِّر عن إعجابه به، فإنما يُعَبِّر ـ وَاعيًا أو غير واعٍ ـ عن إعجابه بهذه الصفات تحديدا، لا بالفرد العابر في وجوده الحقيقي.   

إن خيارات المحبة أو الكراهية هنا ليست مجرد خيارات تقف عند حدودها. إنها خيارات إيديولوجية تُحّدد مستقبل أجيال وأجيال. الاستهانة بمثل هذه الخيارات الفردية يعني تجاهل طاقتها الرمزية الهائلة المؤثرة في المخيال العام، ومن ثَمَّ دورها في رسم معالم المستقبل. 

ثمة فرق هائل بين أن يرفع مجموعة من الشباب في بلد أوروبي ـ مثلا ـ صورة  أدولف هتلر أو يرفعوا صورة نيلسون مانديلا. انتشار مستوى الإعجاب بهتلر يعني شيئا خطيرا، يعني شيئا مُخْتلفا تماما عن انتشار مستوى الإعجاب بمانديلا. المعجب هنا بهتلر لا يُعْجَب بزعيم ألماني عابر للتاريخ الألماني، كما أن المعجب بمانديلا لا يُعْجَب بزعيم أفريقي. ليس ثمة رجلان هنا، بل اتجاهان متضادان على مستوى التصورات الكلية: في رؤية طبيعة علاقة الإنسان بالإنسان، وما يتفرع عن هذه الرؤية من سلوكيات قد تكون دافعة باتجاه الحروب والدمار والإبادات الجماعية وانتهاك حقوق الإنسان، وقد تكون على الضد من ذلك: داعمة للمحبة والسلام.

لهذا يستحيل أن يجتمع الإعجابُ بالرموز المتضادة على نحو حاد في وجدان شخص واحد. مثلا، يستحيل أن يعجب إنسان ما (ما لم يكن مصابا بانفصام مرضي)، بهتلر ومانديلا، أو بستالين وغاندي، أو بالحجاج وعمر بن عبدالعزيز في الوقت نفسه، كما لا يُمكن أن تُعْجَب بكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، في الوقت نفسه. خيارات الإنسان الشخصية هنا، هي خياراته المَبَائدية والأخلاقية التي تُحَرِّكه ـ من أعماقه ـ في تعاطيه مع العالم من حوله. وما لا يظهر من هذه الخيارات على نحو واضح، لا يعني أنه غير موجود، بل يعني ـ فقط ـ أن صاحبه لا يملك الإمكانيات التي تجعله قادرا على نقله من مستوى الإرادة إلى مستوى الفعل.

طبعا، حديثي هنا هو حديث عن الشخصيات الواضحة في تَمَثّلاتها الرمزية، وليس عن الشخصيات المشهورة التي تتداخل فيها كثير من الرمزيات: الرمزيات الثانوية في الغالب. أقصد أن هناك شخصيات جدليّة في مستوى حضورها الرمزي، فمثلا، رمزية نابليون بونابرت، ليست كرمزية هتلر وستالين وصدّام والحجّاج وهولاكو...إلخ، نابليون لا يمكن تحديده رمزيا بالطغيان فحسب؛ لأن ثمة رمزيات أخرى تتنازع هذه الرمزية فيه. ما يعني أن المعجبين به لا يُحْسَبون ـ بالضرورة ـ على خط أخلاقي/ مبادئي واحد، إذْ قد يكون إعجابُهم به يَتوجّه إلى رمزية مُحَدّدة فيه، رمزية حاضرة بقوة؛ دون سائر الرمزيات الأخرى المُصَاحِبة/ المُزَاحِمة، والعكس صحيح. 

أخيرا، تَذَكّر أن إجابتك عن سؤال: هل تحب صدام حسين ؟ ليست خِيارا عاطفيا. أنْتَ حُرّ أن تحب أو تكره شخصا ما، كجارك كمال، أو كزميلك سعيد، أو كقريبك سمير...إلخ صور العلاقات الفردية الشخصية الخالية من أي بُعْدٍ رمزي. لكنك لست حُرّا (حرا من الناحية الأخلاقية) أن تحب صدام أو تكرهه. اختيارك الذي تطرحه هنا كخيار شخصي وجداني، هو ليس كذلك، هو ليس شخصيا، هو خيار أخلاقي/ مبادئي، حضاري/ إنساني في مؤداه النهائي. 

ومؤكد أن ما ينطبق على موقفك الوجداني من صدّام حسين كنموذج، ينطبق أيضا على كل نماذج التاريخ التي أصبح حضورها الرمزي حاسما. فالتاريخ ليس رفاتَ أمواتٍ، التاريخ يحضر بك، مَحَبّتُك أو احترامُك لنموذج الحجّاج (ولِمَن وَلّى/ صَنَعَ الحجّاج) يعني أنك أنت الحجّاج في طور الكمون، أنك الحجّاج العاجز الذي ينتظر سيّده: عبد الملك بن مروان ليكتب له "فَرَمانا" بولاية العراق، وليمنحه صلاحية أن يفعل ما يشاء، كيفما يشاء؛ باسم أمير المؤمنين !
 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.