مذبحة تولسا
مذبحة تولسا

قبل مئة عام، اعتدت جموع من «البيض» على منطقة تجارية وسط مدينة تالسا، في ولاية أوكلاهوما، حطّمت مبانيها وأحرقت محالها، وفتكت بمن تمكنت من الإمساك به من «السود»، فخلّفت وراءها قتلاً ودماراً، وقضت على تجربة رائدة، هنالك في تالسا، كان من خلالها أصحاب الأعمال من «السود» قد حقّقوا درجة عالية من الازدهار، استحقت منطقتهم معه اسم «وول ستريت السوداء»، بمحاكاة لاسم سوق الأوراق المالية في نيويورك.

الأسباب العلنية التي زعمها المعتدون لاعتدائهم واهية متهاوية، ضعيفة مرتكبة، لا تستحق أن تفنّد. في المقابل، ثلاثة أوجه لهذه الحادثة وامتدادتها تستوجب أن تستعرض.

الوجه الأول هو أن هذه الحادثة ليست فريدة من نوعها. والمقصود هنا حالات الاعتداء «الجماهيري» الأبيض على أحياء السود، على عمق الزمان والمكان في الولايات المتحدة من قبل قيامها إلى ما يتجاوز أواسط القرن الماضي، بأسباب معلنة مشابهة، وهي حالات غالباً ما تنضوي على مزاعم بالية حول اعتداء من رجل أسود على أعراض وممتلكات، ونتائج مماثلة، عقاب جماعي وتدمير كبير للأملاك والأموال، وطرد وترحيل.

الوجه الثاني هو أن هذه الحادثة، وكافة مثيلاتها، لم تحظَ بالعناية والاهتمام لنقلها من مقام المأساة الخاصة بالقلة السوداء القادرة على استذكارها، إلى الوعي العام الذي يدرك وجوب تحمل عواقبها على المستوى الوطني الجامع. بل أن الرواية السائدة حول الواقع والتاريخ هنا هي أنه كان ثمة سوء دون شك بالعبودية التي كانت أمراً متحققاً يوم قامت الولايات المتحدة، ولكن تاريخ هذه البلاد هو سجل ارتقاء نحو الأفضل. وبالتالي فإن التركيز يجب أن يكون على الإيجابي اللطيف، لا السلبي المزعج.

أما الوجه الثالث، فهو هذا التشكي الصامت غالباً، والذي يسير منذ أن باشر الرئيس السابق بحملته الانتخابية قبل زهاء خمسة أعوام باتجاه بعض «الشجاعة» ليخرج إلى العلن، والمتأفف من أن هؤلاء «السود» قد نالوا الدعم والمساندة والتمويل من البرامج الحكومية على مدى العقود، دون أن يحققوا أي تقدم على ما هم عليه من بدائية وتخلف. بل يكاد أصحاب هذا الرأي، ومنهم بعض الجهابذة من المعلقين بلسان عربي على مقالات سابقة هنا في هذا الموقع، أن يقطعوا بأن «السود» لا طاقة لهم إلا في السرقة والشغب، وإن تحفظ عموم المجتمع عن التصريح بهذه «الحقائق» لياقة وأدباً وصواباً سياسياً.

«نظرية الأعراق النقدية» هي القائلة أنه لا جدوى من التهليل للجوانب الإيجابية للرواية السائدة، والتي ترى أن الولايات المتحدة ترتقي وإن تدريجياً والأجدر بالتالي إبراز التقدم، وإن دون إهمال كامل للفصول المظلمة، لأن هذه الرواية هي تمكين وحسب لإعادة انتاج للظلم اللاحق بالسود، وغيرهم من الأعراق المغبونة، وإن بأشكال وأساليب مستجدة، سواءاً بالتحقيق الفعلي لظلم دائم ومتعاظم، من خلال حرمان السود من إمكانية الإنجاز وتراكم رأس المال (كما في الوجه الأول لحالة «وول ستريت السوداء، أعلاه، وفي كل حالة طرد وترحيل)، أو بالامتناع عن التقييم الصادق لأسباب التفاوت بين الأعراق، من خلال التغاضي عن كشف معالم الظلم واتساعه (الوجه الثاني)، وكذلك في إتاحة المجال للقراءات التجريحية، سرّاً وجهاراً (الوجه الثالث).

لا تقف «نظرية الأعراق النقدية» عند ملاحظة أن هذه الأوجه الثلاثة تؤسس لتأطير متواصل وتعميق متعاظم للتفاوت بين الأعراق، بل تعلن، بناءاً على استقراء مسهب للتاريخ الفكري، في الولايات المتحدة وخارجها، أن البدائل الفعالة لم تبصر النهور قد بل هي في واقع الأمر مستحيلة، وما يطرح كبديل هو إما واهم، يسقط الرغبات على التوقعات دون جدوى، أو خبيث، يقصد الضعضعة والتمييع.

القراءة النقدية لواقع الأعراق هي بالتالي التي تلتزم موقف أن الانتماء العرقي هو العامل الحاسم في مسار المجتمعات ومصيرها، ولا بد من الإقرار به وإبرازه لتجاوز الظلم القائم، وذلك من خلال رفع تصوير الطرف المظلوم لإبراز قدراته وإنجازاته، ولكن أيضاً من خلال خفض تصوير الطرف الظالم، عبر الكشف عن كذب مزاعمه الاستعلائية واستنسابه ما ليس له من إنجازات.

واقع الأمر أن «نظرية الأعراق النقدية» لا تختلف عن القراءات القومية في مشارق الأرض ومغاربها. «الجماعة» (قومية، عرقية، لغوية) مغبونة بحكم ذاتيتها، ماهيتها، هويتها، لا لمجرد موقعها وظروفها. فلا يكون الرفع إلا باستنهاض صورتها الذاتية مقروناً بالطعن بصورة من يدعي التفوق عليها. هذا، عند الحدود القصوى، أي بالإجمال لا التعميم المانع، ما فعلته القومية العربية بـ «الغرب»، وهو ما تفعله القومية الكردية والقومية الأمازيغية بـ «العرب». وهذا  ما فعلته الصهيونية بمعظم التاريخ اليهودي.

ربما أن الأوساط الفكرية «السوداء» في الولايات المتحدة تميل إلى اعتبار أن «نظرية الأعراق النقدية» تنضوي على الزخم الذي من شأنه أن يقاوم التمييز الممنهج، والذي أهمل ما تعرّض له السود على مدى القرون من مظلوميات مركّبة، ولا يزال إلى اليوم يحرمهم من تكافؤ الفرص في العمل والسكن والصحة والقضاء والحقوق السياسية. ربما أنه لا سبيل إلى التقدم في كافة هذه المسائل دون تفكيك الاستعلائية البيضاء والكشف عن أن التاريخ الذي تعتمده هو تاريخ مزوّر، لا بد إسقاطه واستبداله بما يمنح الفئات المغبونة حقوقها المغيّبة.

غير أنه لا بد من حساب دقيق هاهنا. الملاحظة المبدئية هي أن الافتراض أن العامل العرقي هو الحاسم في تشكيل التاريخ وتأطيره وتصويره، لا يصحّ أن ينتهي مع إسقاط الاستعلائية القائمة. بل إن توقع استبدال هذه الاستعلائية بأخرى مناقضة لها هو الراجع، بل المتوقع.

عندما تفترض «نظرية الأعراق النقدية» أن الاستعلائية البيضاء هي نتيجة حتمية لمركزية الأعراق في التاريخ، فإنها، دون التصريح عن ذلك، لا تدعو إلى عالم يخلو من الاستعلائيات، بل توظّف السعي إلى إسقاط الاستعلائية البيضاء في اتجاه طرح استعلائية جديدة.

الحالات القومية المشابهة متعددة. القومية العربية قاومت الاستعمار الاستعلائي الغربي، لتفرض على كردستان العراق أعتى أشكال الاستعمار والقهر. الصهيونية نشأت في مواجهة اللاسامية، ولكنها ارتضت بما زعمته اللاسامية بأنه لا تمازج سليم بن اليهود والأغيار، إنما مع استبدال مواقع القوة.

في الولايات المتحدة ثمة من يرفض «نظرية الأعراق النقدية» لأنها تهدد امتيازات «جماعته» البيضاء، بتحديها للتاريخ وبدعوتها إلى الإقرار بأن الاستعلائية البيضاء هي زعم قائم على السرقة والكذب والظلم. وثمة من يتحمّس لهذه النظرية لأنها، إذ تفكك مزاعم الاستعلائية البيضاء، فإنها تتيح المجال لمواجهة الظلم المتواصل بحق السود في كافة المجالات.

ولكن هذه النظرية ليست محصنّة إزاء الانتقال من تمكين المظلوم رفع الظلم اللاحق به إلى تمكين من كان مظلوماً للتوّ أن يمسي ظالماً بدوره. وفي حين لا يجوز مطالبة المظلوم بالامتناع عن استعمال الأدوات التي من شأنها معاونته لرفع ما يتعرّض له من الظلم، فإن التنبه إلى أن لهذه الأدوات مضار كما أنه لها منافع من شأنه أن يحضّر للانتقال في المواقف من التأييد إلى النقد.

«نظرية الأعراق النقدية»، كما كل القوميات، ضبابية بشأن السعي إلى خير الإنسانية جمعاء، فيما هي جلية في عنايتها بجماعتها المغبونة. وهي بالتالي لا تطرح أية إشكالية لمن كان التزامه صالح هذه الجماعة، من منطلق الولاء والانتماء. أما إذا كان المبدأ العدل والإنسانية، فإن الموقف إزاء هذه النظرية لا بد لا بد أن يكون مشروطاً بالدور الموضعي المتحقق لها، تأييداً عند الدفاع عن المغبون، تحذيراً عنذ تحقيق المبتغى، ورفضاً عند الانتقال من موقع المظلوم إلى موقع الظالم.

الحقيقة المؤسفة هي أن الولايات المتحدة تعاني اليوم من استقطاب يقارب الانفصام الفكري والاجتماعي والسياسي، تتعذر معه المواقف المتحفظة. وعليه فإما المرء أسود (أو «ملوّن») مؤيد لنظرية الأعراق النقدية أو أبيض معارض لها في كلتا الحالتين بحكم عرقه، أو المرء أسود معارض لها أو أبيض مؤيد لها، وهو في كلتا الحالتين خائن لعرقه. أما النظرية بحد ذاتها، فهي وفق هذه المواقع، إما كلها مضار أو كلها منافع. عسى أن يعود الحال إلى الإقرار بمضارها ومنافعها في القول الواحد.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.