البشير قاد انقلابا عام 1989.
البشير قاد انقلابا عام 1989.

تشهد العاصمة السودانية الخرطوم هذه الأيام محاكمة بعض رموز جماعة الإخوان المسلمين من المدنيين والعسكريين بتهمة تقويض النظام الدستوري، حيث نفذت الجماعة في 30 يونيو 1989 انقلابا عسكريا على الحكومة الشرعية المنتخبة، التي كان على رأسها رئيس الوزراء الصادق المهدي.

تُلقي السطور التالية بعض الأضواء الكاشفة على موقف جماعة الإخوان المسلمين من موضوع الانقلاب العسكري واستخدام القوة للوصول للسلطة، إذ أشاعت الجماعة لسنوات طويلة أن دافعها للقيام بالانقلاب لم يك هو إيمانها المبدئي بضرورة استخدام السلاح لاستلام الحكم، بل أجبرت عليه حتى تتفادى تحركات جهات أخرى معادية كانت تدبر للقضاء على الإخوان واستئصالهم من الوجود.

أوضح مؤسس الجماعة حسن البنا أنهم يخططون للوصول للسلطة بعد أن يعدوا عدتهم من جميع النواحي، وقال: "الإخوان المسلمون يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك".

طرح البنا السؤال التالي: "متى تكون خطوتنا التنفيذية؟". وأجاب بالقول: "في الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين 300 كتيبة قد جهزت كل منها نفسيا وروحيا بالإيمان والعقيدة، وفكريا بالعلم والثقافة، وجسميا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لحج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء. وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله، وصدق رسول الله القائل: ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة".

الإجابة أعلاه تؤكد أن الخطوة التنفيذية تأتي بعد إعداد 300 كتيبة من "جيش الإخوان", ومن المعلوم بداهة أن أعداد الكتائب ليس الغرض منه استخلاص الحكم عبر صناديق الاقتراع، بل عن طريق استخدام القوة والعنف بما في ذلك الانقلاب العسكري.

أما فيما يخص الحركة الإسلامية (فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان)، فقد أوضح مؤرخها والعضو القيادي فيها، حسن مكي، أنهم وضعوا خطة متكاملة للاستيلاء على السلطة بالقوة منذ سبعينيات القرن الماضي، وفور دخول الجماعة في المصالحة الوطنية مع نظام الرئيس الأسبق جعفر النميري.

قال مكي في كتابه "لمحات من مسيرة الحركة الإسلامية" إن الحركة "اتخذت لنفسها خطا وجدول أعمال حسب ما عرف داخليا أي داخل أجهزة الحركة باستراتيجية التمكين. والتي قامت على تنمية القدرات الذاتية وتنمية أجهزة الشوكة في الحركة بحيث تستطيع وحدها حينما تجيء اللحظة التاريخية المناسبة الاستيلاء على السلطة السياسية بقدرتها الذاتية".

العمود الفقري لاستراتيجية التمكين التي أشار إليها مكي هو "تنمية أجهزة الشوكة" أي السلاح والقوة وليس العمل الجماهيري الدؤوب الهادف لخلق شعبية يمكن الاستناد إليها لكسب الانتخابات في العملية الديمقراطية، وبالتالي يمكننا القول باطمئنان إن هدف الجماعة الأساسي كان الوصول للحكم بالقوة، وليس عن طريق صندوق الاقتراع.

لتحقيق ذلك الهدف، وكما يقول مكي: "طورت الحركة قدرات المجاهدة القتالية وتدبير القوة وبنت على رصيدها من المجاهدين الذين تدربوا في ليبيا ما قبل المصالحة الوطنية وبشتات خلايا الإسلاميين في الجيوش والأجهزة العسكرية، حيث أصبح للجنود وضباط الصف وحداتهم وكذلك للضباط، وكان تنظيما مستحكما ليس فقط لا يعرفه عامة وصفوة الإخوان، بل أن جماعات هذه الخلايا العسكرية لا يعرف بعضهم بعضا الا اجتهادا".

نحن هنا بإزاء تنظيم عسكري محكم ودقيق قامت بتطويره الجماعة في إطار تنفيذ إستراتيجيتها للاستيلاء على السلطة، وبالتالي فإن أي حديث عن أن القيام بالانقلاب العسكري في 30 يونيو 1989 كان بسبب تضييق الخناق على الجماعة ومحاولة إقصائها من العملية السياسية، يعتبر مجرد ادعاء لا تسنده الوقائع.

من المعلوم أن الجماعة كانت حينها جزءا من النظام الديمقراطي، وقد مثلتها كتلة معتبرة من النواب داخل البرلمان ومع ذلك كانت تتآمر في الخفاء لإجهاض النظام والانقضاض عليه، وهو الأمر الذي أوضحه مكي بالقول: "ظل ممثلو الإخوان يؤدون قسم الولاء للأجهزة الموجودة في الدولة، ولكن يبدو أن من واردات الفقه غير المعلن أو ربما الاعتبارات العملية الذرائعية جعلهم لا يعطون هذه العهود أولوية، إذ استقر في وعي الكثيرين منا أن العهد الأول هو مع التنظيم الذي هو جماعة المسلمين وبذلك فان سلطان الولاء للتنظيم يجب كل سلطان آخر".

ازدواجية الولاء "للنظام/الدولة" أو الجماعة تظل تمثل أحد وجوه المأزق الفكري العميق للإخوان، وهو يمثل حجر الزاوية في التضارب الذي يتسم به خطاب الجماعة فيما يخص نظرتها للعديد من القضايا والمفاهيم وعلى رأسها قضية الديمقراطية ومفهوم الوطن. هذا المأزق لا يتجلى على صعيد الخطاب فحسب، بل ينعكس في واقع الممارسة عندما تسيطر الجماعة على الحكم، حيث تعمل على احتكار وتوجيه موارد الدولة لخدمة أهداف التنظيم كما لا تتورع عن التفريط في أجزاء من أراضي الوطن خدمة مصالح الجماعة.

من أجل تحقيق أهداف استراتيجية التمكين، عقد مجلس الشورى اجتماعا وقام بتفويض الأمين العام للجماعة، حسن الترابي، لاتخاذ التدابير اللازمة للقيام بالانقلاب العسكري، ومن جانبه أصدر الأخير التوجيهات لتنظيم الضباط داخل الجيش لتنفيذ خطة الاستيلاء على السلطة.

لم يقتصر أمر تنفيذ الانقلاب على الضباط المحترفين داخل الجيش السوداني، بل قامت الجماعة بتجهيز عدد من أعضائها (حوالى 300 شخص) لإسناد الانقلاب العسكري، وهو الأمر الذي أوضحه مكي بالقول: "أما على المستوى الشعبي فقد ظاهرت تكوينات الإسلاميين شبه العسكرية الانقلاب وقامت بمهام تتعلق بالتأمين والاستطلاع في كفاءة وخفض مظهر بحيث لم تبرز في واجهة الأحداث الا أذرع العسكريين المحترفين".

يتضح من خلال هذا السرد أن حديث قيادة الجماعة المتكرر حول قيامهم بالانقلاب العسكري إضرارا وبسبب نوايا الآخرين لاستئصال شأفتهم من الوجود ليس سوى ادعاءات فارغة المضمون ولا تسندها الحقائق التي توضح بجلاء أن الجماعة قد وضعت استراتيجيتها للاستيلاء على السلطة بالقوة منذ سنوات طويلة، وظلت تسعى لتحقيق هدفها بشتى السبل، ومن بينها مشاركتها المضللة في النظام الديمقراطي بينما كانت في واقع الأمر تعمل على إجهاضه من الداخل.   
    

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.