تقرير: السعودية تشدد إجراءات الزواج بأجنبيات
ارتفاع نسبة زواج الأقارب في الخليج على وجه الخصوص

نظّمت قبل أيام الجمعية السعودية للطب الوراثي ندوة بيّنت فيها أن زواج الأقارب هو أحد أسباب إرتفاع نسبة الأمراض الوراثية في السعودية، وأوضحت ضرورة زيادة الوعي الصحي عند المقبلين على الزواج لمواجهة هذا الواقع، خاصة فقر الدم المنجلي والثلاسيميا وحالات الإعاقة الذهنية والأمراض الإستقلابية وغيرها، كما بيّنت دراسة أخرى أن هناك تشوّه خلقي عند واحد من كل 24 ولادة في السعودية بينما النسبة العالمية هي واحد من كل 33 ولادة. 

وذلك لأن زواج الأقارب يسمح للصفات الوراثية السلبية والمتنحية أن تعبّر عن نفسها بسهولة أكبر، فإذا كان الزوج مثلا مصابا بفقر الدم المنجلي وابنة عمّه تحمل هذا المورّث فإن نصف أولادهما سيكون مصابا بالمرض ونصفهم سيكون حاملا له، أما إذا كان الطرفان حاملان للمرض دون الإصابة به فإن نصف الأولاد سيكون حاملا للمرض وربعهم سيكون مصابا به وربعهم خالي منه، وفقر الدم المنجلي من الأمراض التي قد تؤدي لحدوث مضاعفات خطيرة، وفي السعودية 4.2 من السكان يحملون سمة المنجلي وتصل هذه النسبة في المنطقة الشرقية إلى 17 في المئة. 

كما أن هناك أمراض أخرى غير مشمولة بتحاليل ما قبل الزواج رغم أنها قابلة للانتقال من جيل إلى آخر، مثل السمنة والسكّري والتي تتواجد في دول الخليج بمعدلات عالية، حتى أن 50 في المئة من السعوديين فوق سن الثلاثين من العمر يعانون من مرض السكري أو ما قبل السكري، ومن الطبيعي أن تنتقل القابلية للوزن الزائد والسكري للأبناء عند الزواج بين الأقارب الذين يشتركون في هذه الصفات، وكذلك هناك دور للعوامل الوراثية في قابلية الإصابة ببعض حالات السرطان مما يضيف محاذير جديدة لزواج الأقارب.  

وتكاد أن تقتصر ظاهرة زواج الأقارب في الوقت الحالي على الدول العربية حيث أن نسبتها في السعودية 57.7 في المئة، وهي الأعلى عالميا، بل تصل في بعض المناطق داخل السعودية حتى 80 في المائة، وفي الكويت تصل حتى 55 في المئة والسودان 60 في المئة وفي الأردن 40 في المئة وفي مصر انخفضت مؤخرا حتى 30 في المئة. وقالت سيدة أردنية واصفة هذه الحالة: "لدينا في العائلة قانون عرفي بعدم الزواج من خارج العائلة حتى أصبح الجميع يشبهون بعضهم مما جعل مستوى تعليمهم وذكاء أطفالهم أقل وكثير منهم يعاني من "الفوال" وهو نقص في أحد الأنزيمات يؤدي إلى فقر دم انحلالي. 

وسلّطت هذه السيدة الأردنية في تعليقها العفوي الضوء على تأثير آخر لزواج الأقارب يتعلّق بإنخفاض مستوى الذكاء والتحصيل العلمي، فقد وجد باحثون في بريطانيا أن الأشخاص يكونون أكثر طولا وذكاء وتحصيلا علميا كلما كان الأبوان أكثر بعدا من ناحية القرابة بعد واحد من أكبر الأبحاث في مجال التنوع الجيني شمل 110 دراسات جينية ضمّت أكثر من 350 ألف شخص من أربع قارات، وكانت النتيجة أن الأطفال المولودين نتيجة زواج أولاد عم من الدرجة الأولى أقصر ب 1.2 سم، وأقل بالمستوى التعليمي مقارنة مع الذين ولدوا من خلفيات متنوعة، وخلصت هذه الدراسة إلى أن إرتفاع مستوى الذكاء من جيل إلى جيل، والذي تم توثيقه في القرن العشرين، يعود إلى تطوّر وسائل التعليم وطبيعة التغذية بشكل أساسي ولكن التنوع الجيني لعب دورا في ذلك أيضا. 

فقد اختفى زواج الأقارب تقريبا في أوروبا، وفي الولايات المتحدة انخفضت نسبة حدوثه إلى ما بين 1 و2 في المئة من عدد الزيجات، لأن الثقافة الغربية تعتبر أبناء العم والخال أخوة تجمعهم علاقة مودة أخوية تعود للطفولة بما لا يفرقهم كثيرا عن الأخوة الحقيقين، كما تعتبر هذه الثقافة أن الزواج من الغرباء يكسر جدران العائلة ويقوي العلاقات داخل المجتمع الأوسع، وتم تمرير النظرة السلبية لزواج الأقارب من جيل إلى آخر لتتكيف معها الأجيال منذ الصغر، بينما في بعض المجتمعات العربية يتم تمرير فكرة زواج الأقارب عبر اعتبار الأطفال والطفلات من أبناء العم والخال مخطوبين منذ الصغر على سبيل الدعابة أو الجد ولكن ذلك في المحصلة يجعل طبيعة العلاقة مختلفة عن الأخوّة. 

ولا تقل الآثار الإجتماعية لزواج الأقارب أهمية عن الآثار الصحية، فقد قال عالم الأنثروبولوجي في جامعة هارفارد جوزيف هنريتش أن الغرب تقدّم وهيمن على العالم ليس بسبب جينات أبنائه أو لون بشرتهم ولا نتيجة الدين أو المذهب البروتستانتي بل نتيجة تجنّب زواج الأقارب، وتابع أن الكنيسة الرومانية التي شنت حملة متواصلة منذ القرن السابع الميلادي لمحاربة زواج الأقارب القريبين والبعيدين قد أدّت إلى تغيير التنظيم الداخلي للمجتمعات الأوروبية وأنهت بنيتها القبلية، وقال الكاتب البريطاني جيمس كرابتري إنه بعد أن كانت الأسرة الكبيرة أو العشيرة عماد المجتمعات الغربية أصبحت العائلة المصغّرة المكونة من الوالدين والأبناء هي الأساس وبدأ الناس يشكلون تجمعات حسب المصالح والمعتقدات المشتركة بدل القرابة مما أدى لولادة المجتمعات الحديثة. 

ولم يكن الإسلام بعيدا عن التوصية والحضّ على تجنّب زواج الأقارب الذي كان منتشرا بشكل واسع نتيجة التركيبة القبلية للمجتمعات العربية، وهناك أحاديث تشجع على زواج الأباعد مثل: "غرّبوا النكاح"، أو "لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا"، كما قال الغزالي: "وأن لا تكون من القرابة القريبة لأن ذلك يقلل الشهوة" وقال إبن قدامة: "يختار الأجنبية فإن ولدها أنجب، ولهذا يقال إنكحوا الغرائب حتى لا تضعف أولادكم"، أي أن المسلمين الأوائل كانوا سبّاقين في اكتشاف ما أكده العلم الحديث بعد ذلك بقرون عديدة، ولكن بعض رجال الدين المعاصرين أصروا على إقحام نفسهم بهذا الموضوع في محاولة لإعطاء غطاء ديني لتقليد قبلي، فشكّكوا في صحة هذه الأحاديث وتجاهلوا ما قاله رجال دين كبار قبل ألف سنة من اليوم. 

فقال موقع الإسلام سؤال وجواب "وعلى ذلك، فإن منع زواج الأقارب أو القول بأنه يسبب الأمراض أو وجود جيل مشوه أو مريض كلام غير صحيح"، وفي موقع الإمام الباز "لا ينبغي للمؤمن أن يلتفت إلى أقوال الأطباء أو غيرهم في كل ما يخالف الشرع المطهّر، فالشرع مقدّم على الأطباء وعلى غير الأطباء والزواج من الأقارب أمر مطلوب وفيه فائدة كبيرة في صلة الرحم"، لتعطي هذه الفتاوى مثالا جديدا حول كيف يسيء رجال الدين إلى الدين نفسه حين يتكلمون بإسمه ويفتون في أمور لا يملكون ما يكفي من المعرفة حولها. 

أي أن محاذير زواج الأقارب لا تقتصر على إنتقال بعض الأمراض الوراثية من جيل إلى آخر بل تؤثر على طول وذكاء وتحصيل الأفراد العلمي، ويساعد تجنّبه على تغيير بنية المجتمع من قبلي إلى مجتمع حديث، وحسب تجارب الشعوب فإن للتوعية من مخاطر زواج الأقارب دور رئيسي في مواجهة هذا التقليد ولكن ذلك لوحده من الصعب أن ينجح دون وجود جو إجتماعي مناسب يعطي فرصة للشباب والفتيات للتعارف، ففي المجتمعات المغلقة لا يجد الشباب أمامهم سوى أقربائهم مما يجعل من الصعب تجنّب هذا النوع من الزواج، لذلك يجب أن يقترن ذلك مع انفتاح إجتماعي يسمح للشباب والفتيات بأن يستكملوا تحصيلهم العلمي في الجامعات والدخول في سوق العمل مما يتيح لهم فرصة التعارف من خارج المحيط العائلي الضيق، فالموضوع بالغ الأهمية ولا بد من البدء بخطوات جدية نحو التخلص تدريجيا من هذا الإرث القبلي الذي لم يعد يتناسب مع عالم اليوم.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.