العراق-ميليشيات-ايران
مخاوف من انهيار الدولة بسبب انتشار السلاح.

القَتَلة في العراق شفافون. يريدوننا أن نعرف هوياتهم. لا يكترثون لما تخلفه وجوههم المكشوفة بأهل الضحايا من طلبٍ مباشر للعدالة وللاقتصاص، ذاك أن الأخيرة أُمنية مستحيلة في ظل "جمهورية الحشد الشعبي". 

والدة المختطف سجاد العراقي قالت إن ابنها خُطف من بين أصدقائه، وهؤلاء يعرفون الخاطفون، وأعطوا أسماءهم للأجهزة الأمنية، ومنذ أكثر ثمانية أشهر والأم المكلومة لا تعرف أين ابنها. أهل إيهاب الوزني يعرفون أيضاً من قتل ابنهم وأمه تستغيث وتستغيث وتقول هؤلاء من قتل ابني، وناشطو البصرة نشروا بالأسماء والصور هويات قتلة الناشطين هناك. تحقيقات صحفية حددت تفاصيل الجرائم ورسمت وجوه منفذيها واستقت معلوماتها من الأجهزة الأمنية، والأخيرة صار بحوزتها وثائق كافية لتحدد وتعلن عن الجهات والفصائل التي تقف خلفها!  

اذاً لا جدال حول هوية القَتَلة في العراق، الجدال هو على سياق الجريمة. فالفصائل المسلحة والمشرع سلاحها بقانون صادر عن مجلس النواب، والمحصنة بفتوى "الجهاد" الصادرة عن المرجع علي السيستاني، هي سياق الجريمة. 

والمهمة "الأهلية" لهذا السلاح تندرج ضمن منظومة الوعي الميليشيوي الممتد من لبنان إلى اليمن، مروراً بدمشق وبغداد. والمعارك كلها تخاض على ضفاف هذا الشقاق الناجم عن "المعجزة المشرقية" المتمثلة بتعطيل السلاح العدالة، وحؤوله دون قيام الدولة. الحرس الثوري في إيران ابتلع الجيش هناك وصار المؤسسة صاحبة الأمر والنهي في كل شيء. في السياسة الخارجية وفي الاقتصاد وفي نفوذ طهران الإقليمي وفي البر والبحر. هذا ما صار عليه حال لبنان مع حزب الله، وهو أيضاً طريق العراق نحو دولة ولاية الفقيه!

والحال أن لكل دولة شروطها المختلفة في هضمها ظاهرة السلاح، والعراق قد يمثل ذروة شفافية وظيفة السلاح. فخطاب الحشد انتقل من "محاربة الإرهاب" إلى "سلاح المقاومة"، وهنا علق العراق في فخ "المقاومة"! من هي المقاومة، وما هي مهمتها؟ مقاومة من، ومقاومة ماذا؟ ومن يستطيع أن يقول إن سلاح العصائب ليس سلاحاً مقاوماً، وأن سلاح حزب الله العراقي هو سلاح مقاوم؟ هذه دوامة لا نهاية لها، ولا وظيفة سوى الإبقاء على العراق ساحة مفتوحة للحروب، وحديقة خلفية لدولة ولاية الفقيه. وفي العراق تفصيل آخر هو أن الفصائل المسلحة تمولها الحكومة، أي أن الضحية تدفع ثمن الرصاص الذي تقتل به.

لكن المآسي التي يخلفها السلاح بيد "فصائل المقاومة" لا تقف عند حدود التسليم بقضاء الله وقدره عند كل جريمة، ذاك أن القتل اليومي سيحول العراق إلى بلد الأمهات الثكالى، وصاحب الفتوى سيجد نفسه أمام أصواتهن الصادحة بوجه فتواه. وإذا كانت بعض فصائل العتبات الحشدية قد أعلنت عن حل نفسها واندماجها بالجيش العراقي، فإن هذا مدخلاً لنقاش الفتوى، ذاك أن خطوة هذه الفصائل تؤشر إلى قناعة لدى المرجعية باستنفاد فتوى الجهاد مهمتها بعد هزيمة "داعش"، لكن ثمة شيء يؤخر قرار العودة عن تلك الفتوى، والأرجح أن ما يؤخره ليس سوى ضغط من طهران. وإلا كيف لنا أن نفهم خطوة الفصائل التابعة للعتبات بحل نفسها.

عمليات القتل والخطف الممتدة من البصرة إلى بغداد هي مشهد العراق اليوم، وأي محاولة للمحاسبة ستواجه بانتشار مسلح للفصائل الولائية في قلب بغداد، وتحت أنظار العالم، وفي محيط السفارات الغربية. هذا ليس تفصيلاً، وليس رد فعل غير مخطط له. طهران تريد أن تقول إن سلاح الحشد مقدساً، مثلما قالت إن سلاح حزب الله في لبنان مقدساً. السياسة بالنسبة إليها هي صنو السلاح. والعراق إذا ما أبكر في مقاومة هذا الميل يمتلك فرصة سبق أن بددها لبنان حين تحول السلاح فيه إلى حقيقة ثابتة. الفرصة تتمثل في أن تعود المرجعية عن فتواها وبعدها يمكن تأمين نصاب برلماني للعودة عن قانون الحشد، وبعدها يتم دمج ما يمكن دمجه من الفصائل في الأجهزة الأمنية والعسكرية. 

لا سبيل لنجاة العراق إلا بصدمة يحدثها قرار بالعودة عن فتوى الحشد. الحكومة محاصرة بالفتوى وبقانون الحشد الصادر عن البرلمان، والصدام بين الجيش والفصائل لن يكون محمود النتائج، والخطوات الميدانية التي اتخذها رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي غير كافية لردع القتلة ولمحاسبتهم طالما أنهم محميين في قواعد الحشد وفي جزره الممتدة على مساحة الجغرافيا العراقية وصولاً إلى العمق الإقليمي في سوريا وايران.

وفي هذا الوقت ما على أمهات الضحايا إلا مواصلة الصراخ، علهن يوصلن الصوت إلى النجف فتلتفت إلى حجم الجريمة.      

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.