يعرف الملك أكثر من غيره أن كل شعارات الإصلاح التي رُفعت في العقود الماضية انتهت بالفشل
يعرف الملك أكثر من غيره أن كل شعارات الإصلاح التي رُفعت في العقود الماضية انتهت بالفشل

مرة أخرى يحاول العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني فتح الأبواب الموصدة أمام عملية الإصلاح في الأردن، فقبل ما يزيد عن 4 شهور تحدث عن ضرورة الإصلاح، وأعطى أمثلة على أهمية تعديل قانوني الانتخاب والأحزاب، وحتى الآن الوضع مكانك سر، وأجهزة الدول تتخبط أحيانا، وتتنافس وتتسابق أحيانا أخرى، والأهم أنها لا تعرف ماهية الإصلاح المطلوب وحدوده، ومن سيفعل ذلك؟

عاد الملك ليقول في لقاء جمعه بشخصيات سياسية قبل أيام "عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري لا تحتاج إلى شعارات، بل تتطلب دراسة وتقسيما للأدوار؛ للوصول إلى نتائج على أرض الواقع".

ويتابع حديثه بالتأكيد على ضرورة السير بجدية وشفافية في عملية الإصلاح ضمن برامج راسخة الأهداف محددة زمنيا لمخرجات يلمس أثرها المواطن.

يعرف الملك أكثر من غيره أن كل شعارات الإصلاح التي رُفعت في العقود الماضية انتهت بالفشل، وأن تكرار الإخفاقات عمّق أزمة الثقة بالحكم، وترسخت قناعات أن الإرادة السياسية غير متوفرة، وأن كل ما يقوم به النظام شراء للوقت.

الملك يعلق الجرس من جديد بعد أن تناسلت الأزمات في الأردن، ففي الأشهر الماضية يصحو الناس في البلاد كل يوم على عنوان لمشكلة أعمق من التي سبقتها، كانت البداية مع ما سُمي "قضية الفتنة" التي اتهم بالتورط بها الأمير حمزة، وقيل إنها تهدف لإثارة الفوضى، وما زالت القضية معلقة وتداعياتها قائمة، فرئيس الديوان الملكي الأسبق باسم عوض الله مع الشريف حسن بن زيد، خلف قضبان السجن، وحتى الآن رغم كل التسريبات الإعلامية، وآخرها ما نشرته صحيفة الغارديان عن تفاصيل "المؤامرة"، فإنه لا يُعرف التهم المنسوبة لهما، ومتى سيُحاكمان؟، وآخر التطورات أن مدعي محكمة أمن الدولة أصدر قرار ظن ضدهما، وأرسل ملف القضية إلى النائب العام في المحكمة.

قبل أن يستفيق المجتمع من وطأة هذه القضية التي شكلت سابقة في وعيهم لم يعهدوه من قبل، وتتلخص في صراع يظهر للعلن داخل الأسرة الهاشمية، كانت انتفاضة القدس والعدوان الإسرائيلي تطغى على ما عداها، وتُغيّب عن المشهد قصة الفتنة، لكنها زادت من حرج الحكومة التي لم تتخذ إجراءات تتماهى مع مطالب البرلمان والشارع بطرد السفير الإسرائيلي من عمّان.

ومع إعلان وقف إطلاق النار، واتفاقية الهدنة بين إسرائيل وحماس، كانت قضية النائب أسامة العجارمة تُشعل أزمة لم تطوق حتى الآن، ورغم قرار مجلس النواب بتجميد عضوية العجارمة في البرلمان لمدة عام، فإن دعوات العجارمة للمتقاعدين العسكريين لارتداء "الفوتيك" -اللباس العسكري-، وإلى القبائل الأردنية والعشائر للزحف إلى عمّان لطرد السفير الإسرائيلي، وتطهير البلاد من خونة الداخل، كشف عن شرخ مجتمعي يتعمق، وعن بدائل شعبوية تُلفت الانتباه، وتستقطب الاهتمام في ظل غياب منظومة للعمل السياسي الحزبي، وهشاشة البناء الديمقراطي، ووأد متعمد للإصلاح.

استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية مؤخرا لا يواري أزمة الإصلاح وفقدان الثقة بالحكومات، فهو يكشف عن أن 57 بالمئة لا يثقون بالحكومة، وأن فجوة الثقة مع السلطة التنفيذية تعمقت حتى بلغت 78 بالمئة، وما يهم أن 50 بالمئة من الناس مقتنعون أن إصلاحا جديا في الأردن لن يحدث، وأن البنية الاجتماعية العشائرية تُعيق عملية التحول الديمقراطي.

في الأسبوع الماضي كنت مديرا للحوار في ملتقى "أولويات الإصلاح في الأردن" الذي نظمته هيئة تنسيق مؤسسات المجتمع المدني "همم"، وملخص النقاش أن كلام الإصلاح أصبح ممجوجا، وهو ليس أكثر من موضة تطل كل سنة دون الإحساس بجدية هذه التوجهات.

أسئلة كثيرة طُرحت على طاولة النقاش والبحث، وأبرزها، هل الإرادة السياسية متوفرة للإصلاح؟ وهل نحتاج إلى إصلاح في آليات الحكم، وتعديلات دستورية؟، أم نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي بين الشعب ومؤسسة الحكم؟، وهل المشكلة في أن منظومة المجتمع عشائرية وليست مدنية، أم أن إدارة المؤسسات العامة فاسدة ولا يمكن إصلاحها؟

تحدث في الملتقى وزير البلاط الملكي الأسبق مروان المعشر، ومصطفى الحمارنة عضو مجلس الأعيان، وهديل عبد العزيز مديرة مركز العدل للمساعدة القانونية، وجميعهم أثاروا علامات من الشك في جدية الإصلاح، وفرص تحقيقه في الأردن.

أول الاستخلاصات التي ظهرت في الحديث أن أركان الدولة يرون أن كلف الإصلاح كبيرة، ولا يمكن للأردن أن يتحملها، وأن بقاء الوضع على ما هو عليه أفضل، وأقل خطورة.

المعشر يرى أن هذه النظرة ستقود البلاد إلى نتائج كارثية، وأن من يقودون عملية الإصلاح لا يؤمنون بها أساسا، وأن الأردن يدور في حلقة مُفرغة.

المعضلة التي يتوقف عندها المعشر مطولا، سطوة المخابرات على العمل السياسي، وطالب بتنفيذ أمر الملك إلى مدير مخابراته بالتوقف عن التدخل بالسياسة، وما لم يحدث ذلك فإنه يعتبر الكلام عن الإصلاح ليس له معنى.

المعشر يدعو إلى عقد اجتماعي بين مكونات المجتمع لحسم أسئلة مرتبطة بهوية الدولة، وهواجس المواطنة، ويرى أن الناس لا يختلفون على شرعية النظام الهاشمي والملك.

مصطفى الحمارنة ينظر للأزمة من زاوية أخرى، ويُرجع أسباب التعثر والتراجع إلى مرحلة انتقالية طالت في عمر الدولة، وكرست الهويات الفرعية، وغيبت مفاهيم المواطنة وسيادة القانون.

ويقول الحمارنة "الدولة كان يجب أن تتبنى تفاهمات وتوافقات قبل بدايات التحول الديمقراطي منذ 30 عاما، حيث كانت الأمور أسهل، أما اليوم فالوصول إلى تفاهمات باتت طريقا أكثر صعوبة بعد أن غرقنا في مربع الهويات الفرعية، والحكومة وأجهزتها الأمنية ترعى وتعزز الإجماعات العشائرية في الانتخابات، والجهاز الإداري خرب، وتم اللجوء للمحاصصة لإدارة البلاد، وخلق زعامات، وشراء ذمم على حساب الموازنة العامة للدولة".

هديل عبد العزيز تساءلت، هل يمكن المضي في طريق الإصلاح في ظل تجاهل وإنكار لمنظومة حقوق الإنسان؟

الحقوقية هديل دقت الجرس إلى أن حقوق الإنسان أول ما يُذبح، وأن الدولة تتعامل مع حقوق الإنسان بشكل انتقائي، والحقوق والحريات تتراجع، وآليات المساءلة غائبة.

ما قاله المعشر، والحمارنة، وعبد العزيز ليس مفاجئا بعد سنوات من المماطلة والتسويف في إنجاز إصلاح جذري، ولا خيارات بديلة أمام الأردن للنهوض من الأزمات الغارق فيها دون مسار إجباري يمر أولا في بناء ركائز ثابتة للديمقراطية، والحكم الرشيد.

"حوار الطرشان" يجب أن يتوقف، وإعادة إنتاج الوصفات السابقة للإصلاح ستفجر بركان الأزمات، وتزيد من "كفر" الناس بالدولة، وآن الأوان لكي يقود الملك حوار يُثمر ميثاقا وطنيا جديدا، يضع آليات مُنضبطة للتحول الديمقراطي، ويضع مؤشرات محددة لإنجازها، وتعلو سلطة هذا الميثاق على الهواجس الأمنية، وقوى الشد العكسي، ولا تنحني أمام المنظومة الاجتماعية التي لا تلتزم بقيم العدالة والمساواة، وسيادة القانون.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.