هدف الكتاب المقدس الأساسي هو معالجة الجانب الروحاني لدى الإنسان
هدف الكتاب المقدس الأساسي هو معالجة الجانب الروحاني لدى الإنسان

حكايات الإعجاز العلمي للقرآن هي من أكثر الأمور توهما ومخاتلة والتي للأسف ينشغل بها الناس، وبسببها يخترعون سجالات، ونقاشات، ومعارك وهمية. وهم يستعيضون بها عن الجد والعمل والعلم الذي ينبغي أن يسود أي مجتمع حديث.

الواقع أن القرآن أو أي من الكتب المقدسة للأديان الأخرى ليس ميدانها العلم أو الاكتشافات العلمية. هي كتب إيمان ديني وكفى. 

لا يوجد دليل من خارجها (أكرر من خارجها) على أنها منزلة من الله، ولا يمكن أن يوجد أي دليل، في أي وقت من الأوقات، أنها من عند الله، لأنه لا أحد يستطيع أن يثبت بالدليل الملموس بأن الله قد قال أو أمر أو أرسل شيئا. 
لماذا؟ لأنه لو فعل ذلك لما أصبح الله. لأنه حينها يكون قد عُرف له زمان ومكان وهيئة وكيفية وما إلى ذلك من الصفات البشرية.

الواقع أنه لا أحد يعرف الله مهما بالغ في الحديث عن ذلك، بمن فيهم أولئك الذين يقولون إنهم يؤمنون به. كل ما يعرفونه عن الله هو مجرد آراء وأقوال وانطباعات قرأوها أو سمعوها عن غيرهم، الذين بدورهم سمعوها عن غيرهم وهكذا.

من يتحدث عن الإعجاز العلمي إنما يكشف عن جهل مطبق بكيفية نشأة العلوم وتطورها.

باختصار فإن معرفة الله مستحيلة ومتعذرة على البشر لأن ذلك خارج نطاق إمكانياتهم وقدراتهم البشرية. وكل ما يملكونه هو شعورهم القلبي والإيماني. وهذا شيء يستطيعون الاعتقاد به، لكن لا يمكنهم إثباته.

مع ذلك في رأيي أنه، حتى لو سلمنا جدلا بأن الكتب المقدسة هي من عند الله، بصورة من الصور، ما دام أنه يوجد من يؤمن بذلك، وأنه من الممكن القبول بهذا على سبيل الافتراض على الأقل، تبقى مسألة الإعجاز العلمي مسألة تختلف تماما عن هذا الإيمان.

لأنه، أولا، من يتحدث عن الإعجاز العلمي إنما يكشف عن جهل مطبق بكيفية نشأة العلوم وتطورها. أي علم نعرفه اليوم لم يأت إلينا جاهزا. هو صيرورة تطورية ساهمت فيها أجيال كثيرة من العلماء والباحثين وفرضيات خضعت لاختبارات نظرية وعملية، بعضها صمد في التجربة وبعضها انهار.

ثانيا، فكرة أن كلمة هنا أو جملة هناك في هذا الكتاب المقدس أو ذاك تشير إلى نظرية علمية أو اكتشاف علمي هي مجرد سخافة وتنطع، لا ينبغي أن يقع فيه أي إنسان، وبالذات الإنسان المعاصر.

الواقع أن الكتب الدينية ليس ميدانها الفيزياء، أو الكيمياء، أو الرياضيات، أو القوانين الطبيعية، لأننا لا نحتاج إلى هذا الكتاب أو ذاك في هذا الأمر، الذين اخترعوا لقاح كورونا لم يرجعوا إلى الكتب المقدسة أو يتخرجوا من كليات الشريعة، والذين صمموا الطرازات الحديثة من سيارة تسلا أو الكبسولات التي ترسل للفضاء لم يستشهدوا بأي من الآيات من هنا أو هناك.

وحتى في مجال القوانين والتشريعات، نحن لا نحتاج اليوم إلى أي كتاب ديني لكي يخبرنا أو يرشدنا إلى كيفية وضع هذه القوانين. 

التجربة البشرية وحدها كفيلة بأن ترشدنا إلى كيفية عمل ذلك، سواء القانون المدني أو التجاري أو القوانين المنظمة للاستثمار، والبورصة، والأوراق المالية، وغيرها.  

هدف الكتاب المقدس الأساسي هو معالجة الجانب الروحاني لدى الإنسان وعلاقته بالغيبي أو الميتافيزيقي أو الله، ومن ثم علاقته بغيره من البشر.

هذا الجانب هو الذي ينبغي أن تخدمه هذه الكتب. إذا فشلت في تقوية الجانب الروحاني، كما هو الحال اليوم مع قطاع كبير من المسلمين، فهي تكون قد فشلت في مهمتها، وأصبحت مجرد ملهاة يسعى كل من أراد أن يحولها إلى مصدر للعيش أو السيطرة على الجموع الغافلة والمبرمجة.

والذين يقولون إن الكتب الدينية تحوي كل شيء وأي شيء، يقعون في وهم كبير وخطير ويتعين على الدعاة الذين يقولون ذلك أن يتواضعوا قليلا ويعيدوا تفسيرها، وينبغي على السلطات أن تضع حدا لهذا الأمر. لأنه في نهاية المطاف فإن الإساءة إلى أي دين لا تأتي من الآخرين وإنما من أتباع الدين نفسه.

المطلوب أن يقال بصريح العبارة أن القرآن الكريم أو أي كتاب مقدس آخر، هو كتاب هداية روحانية لمن يؤمن به، ولا يجب أن نقحمه في البهلوانيات المسماة بالإعجاز العلمي، والتي تضع الدين وتضع الإنسان الذي يؤمن بهذا الدين موضع سخرية وتندر. 

وقد كثرت هذه في السنوات الأخيرة الى الدرجة التي جعلت فيه آينشتاين ونيوتن وتيسلا وأديسون وفاراداي وغيرهم يتقلبون في قبورهم!   

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.