المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي أول مؤسسة قضائية دولية دائمة مختصة بمحاكمة الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية
المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي أول مؤسسة قضائية دولية دائمة مختصة بمحاكمة الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية

تواجه "المحكمة الخاصة بلبنان" مصير لبنان. القيّمون عليها مصابون بصدمة كبيرة. كانوا قد اتخّذوا ما يلزم من احتياطات لتجاوز عجز الدولة اللبنانية المنهارة والمفلسة، عن تسديد المساهمة المالية السنوية التي توازي 49 بالمئة من الموازنة التشغيلية للمحكمة، لكنّهم لم يتوقّعوا، أبداً، أن تتوقف كل الدول التي كانت توفّر النسبة المتبقية، ومن دون أي إنذار مسبق، عن دفع مساهماتها.

وهكذا، باتت هذه "المحكمة" التي أنشأها مجلس الأمن الدولي لإنقاذ لبنان من سطوة الاغتيالات الإرهابية، تُواجه، في آخر يوليو المقبل مصير البلد الذي وُجدت من أجله، في حال لم تغيّر الدول المانحة قرارها بالامتناع عن الدفع.

في الواقع، إنّ إعلان "المحكمة" عن وضعها المالي، وتجميد بدء محاكمة المتّهم سليم عيّاش الذي كان مقرراً في السادس عشر من يونيو الجاري، في ملفات اغتيال المناضل جورج حاوي والوزيرين السابقين إلياس المر ومروان حمادة، يحمل، في طيّاته، محاولة لاستنهاض الرأي العام اللبناني، من أجل الدفاع عن وجود المحكمة، قبل فوات الأوان.

لكنّ هذا الهدف لم يتحقّق، حتى تاريخه -وقد لا يتحقّق أبداً- فالمأساة التي يعيشها اللبنانيون تجاوزت إمكان التفكير بجدوى استمرار محكمة خيّبت، بقراراتها، الآمال المعلّقة عليها، إذ لم تستطع في ملف بحجم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبعد سنوات طويلة من العمل المُكلِف بشرياً ومالياً، سوى تجريم سليم عيّاش، وبالصورة الغيابية، سامحة بتجهيل الآمر والمموّل والمستفيد والحامي والمعرقل، على الرغم من معرفتها الكاملة بالجهة التي تقف وراء عيّاش وأمثاله من الفرق الأمنية في "حزب الله". 

وعليه، فإنّ المحكمة، من وجهة نظر غالبية اللبنانيين، لم تحقق أيّاً من أهدافها، فلا هي أوقفت الاغتيالات، ولا هي وضعت حدّاً للإفلات من العقاب، وتالياً، فهم، ولا سيّما في هذه الظروف المأساوية التي يعيشونها، لديهم هموم غيرهَمْ هذه المحكمة، لينتفضوا من أجلها، في حال وجدوا القوّة على التحرّك أصلاً.

ولكن لماذا جمّدت الدول مساهماتها للمحكمة؟

في جولة على هذه الدول يظهر أنّ اللائحة تضم كلّاً من ألمانيا، أستراليا، النمسا، بلجيكا، كندا، كرواتيا، الدنمارك، الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، فنلندا، فرنسا، المجر، أيرلندا، إيطاليا، اليابان، الكويت، لوكسمبورغ، ماسيدونيا الشمالية، المغرب، نيوزيلندا، هولندا، تشيكيا، بريطانيا، السويد، تركيا، الاتحاد الأوروبي والأورغواي.

وثمّة دولة ترفض ذكر اسمها، كانت توفّر ما يبقى من أموال تحتاجها المحكمة، هي المملكة العربية السعودية.

إنّ اتخاذ كل هذه الدول، بالتزامن، قراراً موحّداً، يعني أنّ المجتمع الدولي لم يعد يرى أيّ جدوى لاستمرارية المحكمة الخاصة بلبنان.

وهذا التوجّه الدولي يبني نفسه على تقييم الحكم الصادر في ملف الحريري ونتائجه، وعلى الواقع السياسي اللبناني. 

وقد أصبح واضحاً أنّ سقف "المحكمة الخاصة بلبنان" هو سليم عيّاش الذي صدرت بحقه، في ملف الحريري، خمس عقوبات تقضي بوضعه في السجن المؤبّد.

إنّ استمرار المحكمة للنظر في ملف اغتيال حاوي وملفي محاولتي اغتيال المر وحمادة، لن يغيّر في هذا الواقع شيئاً، إذ إنّ المتهم الوحيد في هذه الملفات هو عيّاش نفسه ووحده.

كما أنّ الحكم الذي صدر عن المحكمة بحق عيّاش، بقي من دون مفاعيل، لا على المستوى التنفيذي، ولا على المستوى السياسي، ولا على المستوى المعنوي.

إنّ القوى السياسية اللبنانية عموماً و"وورثة " الضحايا خصوصاً، تعاطوا مع هذا الحكم، كما لو كان تصريحاً سياسياً، لا أكثر ولا أقل، فلم يضغطوا، بأيّ وسيلة من الوسائل، لتنفيذه بإطلاق المساعي الحثيثة لتوقيف عيّاش، ولا اتّخذوا أيّ موقف سياسي تجاه الجهة التي ينتمي إليها عيّاش، لا بل نسّقوا معها محاولات تشكيل الحكومة الجديدة، وكأنّها لم ترتكب شيئاً، حتى بدا أنّ الدول المهتمة بالمحكمة تدفع وتدعم، والشخصيات المعنية بالأحكام "تبيع وتشتري".

وعليه، فإنّ "المجتمع الدولي" بات يعتبر أنّ الجهات التي من أجلها وُجدت المحكمة، قدّمت ما يكفي من أدلّة على أنّها لم تعد بحاجة الى العدالة الدولية لتحمي نفسها من القتلة، لأنّها استبدلت اللجوء إليهم والسير بكل ما لا يثير غضبهم بها.

ويتزامن قرار توقف الدول المانحة عن تمويل المحكمة، مع غضب عالمي على السياسيين اللبنانيين الذين "يختلفون على جنس الملائكة"، بدل أن يصبّوا جهودهم على إنقاذ اللبنانيين، من خلال تشكيل حكومة قادرة على الإصلاح، من جهة ووضع حد لسطوة "حزب الله" على القرار اللبناني، بما يسيء الى أهم علاقاته العربية والدولية، من جهة أخرى.

إنّ قرار إنهاء وجود "المحكمة الخاصة بلبنان" صادم، فهذه النهاية لا تليق بمؤسسة قضائية ذات طابع دولي تمتد ولايتها حتى مارس 2023، ولو كانت تهتم ببلد بدأ الجميع ينفضون أيديهم منه، بعدما تحوّل الى ملاذ للسياسيين الفاسدين والفاشلين والمتواطئين، من جهة وإلى مساحة حرّة لحزب ينتمي إليه قاتل محترف، من جهة أخرى.

ولكنّ مسؤولية ما انتهت إليه "المحكمة الخاصة بلبنان" من قرارات خيّبت آمال الرأي العام المعني بها، وقبلها مواقع القرار في العالم، لا تتحمّلها هذه المحكمة وحدها، إذ إنّ مجلس الأمن الدولي، وفي لحظة "مساومة دولية" قلّص صلاحياتها حتى لا تطال لا الدول ولا التنظيمات، بل تقتصر على الأفراد الذين كان واضحاً أنّ هذه الدول والتنظيمات "المحصّنة" سوف تحميهم، ليس بمنع تسليمهم فحسب بل أيضاً، بعرقلة العدالة، من خلال إخفاء الأدلة أو التلاعب بها وترهيب كل من توهّم أن المحكمة سوف توفّر له مظلة واقية. 

رسالة إنهاء أعمال المحكمة الخاصة بلبنان قد لا يقرأها كثير من اللبنانيين الذين يلاحقون خلافات زعمائهم وانهيار قدرتهم الشرائية وتفلّت الأمن الاجتماعي، ولكنّها رسالة دولية عنيفة، عنوانها: "دَبروا راسكم"!

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.