كان الهدف من نشر الحجاب هدفاً بغاية الذكاء، فمن خلاله كان يتم ربط الناس بفكرة الانتماء للدين بدلاً من الوطن.
كان الهدف من نشر الحجاب هدفاً بغاية الذكاء، فمن خلاله كان يتم ربط الناس بفكرة الانتماء للدين بدلاً من الوطن. | Source: Social Media

لا يزال الكثيرون يتذكرون كيف لم يطلب مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، من الزعيم الراحل، جمال عبد الناصر، حينما قابله بعد ثورة 23 يوليو عام 1952 شيئا سوى "إقامة الحجاب"، كما ذكر الزعيم الراحل في إحدى خطبه المسجلة صوتاً وصورة وهي متاحة على اليوتيوب في عدة مواقع.

وسخر الرئيس جمال عبد الناصر من هذا الطلب حينذاك ورآه الكثير من الحاضرين طلباً ساذجاً أثار سخريتهم!

ولنا هنا وقفة لنسأل: كيف يكون المطلب الأساسي لزعيم جماعة بحجم جماعة الإخوان المسلمين هو جعل النساء تلبس الحجاب. وكان لبس الحجاب أمر لم يكن معروفاً حينذاك حتى أن زوجات وبنات شيوخ الأزهر وطالبات جامعة الأزهر لم يكنّ محجبات على الإطلاق، فلو كان الحجاب أمراً أساسياً في الإسلام، لماذا لم يتكلم عنه شيوخ الأزهر ولماذا لم يطبقوه في حياتهم قبل تصاعد حركة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية المتفرعة منها بداية من أواخر السبعينات من القرن الماضي؟

من حقنا أن نتساءل؛ لماذا لم يطلب مرشد الإخوان في فرصته التي قد تكون وحيدة للقاء زعيم مصر ورئيسها أن يفرض على الناس إقامة الصلاة أو دفع الزكاة أو معاملة الناس بالعدل والإحسان أو بالحج إلى البيت الحرام بدلاً من "الحجاب"؟ أو بمعنى آخر، لماذا كان الطلب الأوحد في فرصة - ربما لن تتكرر بلقاء زعيم مصر- هو "الحجاب" ولاشيء غير الحجاب؟

هل كان مرشد الإخوان ساذجاً أم كان لديه رؤية لم يرَها الكثيرون!

ودعونى أنقل لكم من تجربتي الشخصية حينما انضممت إلى الجماعة الإسلامية في كلية الطب بجامعة القاهرة، في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، كيف كان أهم شيء لديهم هو تحقيق حلم مرشد الإخوان بأن تلبس النساء "الحجاب" في كل ربوع مصر، بل وفي جميع أنحاء العالم إن أمكن!

واستخدمنا كجماعات إسلامية كل الوسائل حتى تلبس النساء الحجاب ويخضعن لإرادة "فضيلة المرشد" في نظرته للمجتمع.

بدأنا دعوتنا باستخدام حديث ضعيف، هو "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لا يصح أن يُرى (بضم الياء) منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه"، وكنا نعلم ضعف الحديث، فمن رواه عن عائشة هو خالد بن دريك وهو لم يدرك عائشة (أي لم يرها على الإطلاق لأنها ماتت قبل أن يولد هو) ولكننا استخدمناه (أي الحديث) لأنه سيقوم بالواجب أو الغرض وسيقنع الملايين بلبس الحجاب بل وضرورته. وبعد فترة من الزمان أدرك الكثير من الناس وكنا نسميهم "العوام" ضعف هذا الحديث، فقررنا أن نغيّر (بتشديد الياء) حجتنا باستخدام بعض المعاني والآيات من القرآن لإقناعهم بالحجاب بدلاً من الحديث مثل "يَٰا أَيُّهَا اٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ اٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" وباختصار فقد "فبركنا" الأدلة الشرعية بطريقة جديدة حتى نحقق حلم الإخوان في نشر الحجاب، وكان في ذلك رغبة دفينة منا بهزيمة التيار التقدمي الذي يمثله عبد الناصر والذي كان يدعو فيه إلى تمكين المرأة ودعم حريتها.

واستخدمنا أساليب سيكولوجية متعددة ومعقدة لنشر الحجاب، منها تخويف النساء الشديد بعذاب القبر والثعبان الأقرع وتعليقهن من أثدائهن يوم القيامة - كما جاء في العديد من أحاديث الآحاد والخبر - قبل العذاب اللانهائي في جهنم بسبب عدم ارتداء الحجاب. وحاولنا أن نقنع البسطاء أن غلاء الأسعار سيختفي حينما تلبس النساء الحجاب، وأن عدم لبس الحجاب هو سبب التحرش بالنساء في الشارع، والذي كان حينذاك – ويا للعجب - قليلاً للغاية بالمقارنة بانتشاره الرهيب بعد أن لبست النساء الحجاب!

والآن، علينا أن نعيد السؤال مرة أخرى؛ ماذا كان يدور في عقل وذهن مرشد الإخوان حينما لم يطلب من الزعيم الراحل جمال عبد الناصر إلا هذا الطلب!

كان الهدف من نشر الحجاب هدفاً بغاية الذكاء، فمن خلاله كان يتم ربط الناس بفكرة الانتماء للدين بدلاً من الوطن. فقبل الحجاب كان من المستحيل معرفة إن كانت المصرية على سبيل المثال مسلمة أم مسيحية أم يهودية أم بهائية أم ملحدة! فكلهن كنّ مصريات، وفقط مصريات. أما بعد الحجاب، فقد تمت تفرقة المجتمع، وأصبح الارتباط الفكري ليس من خلال الوطن، بل من خلال زي تلبسه المسلمات في كل بقاع الأرض. وكان مبدأنا أن الارتباط من خلال الدين، لا الوطن، هو قمة غايتنا، فهو يحقق ما قاله ملهمنا الفكري، سيد قطب، عن الوطن أنه "ليس أكثر من حفنة من تراب". وتجلى هذا المعنى، أي الانتماء للدين وتدمير معنى الوطن، في قول مهدي عاكف مرشد الإخوان "طز في مصر"، وتجلى أيضاً حينما قال "أنه يقبل أن يحكم مصر "ماليزي" مسلم ولا يقبل أن يحكمها مصري مسيحي.

وكان الحجاب أيضاً أحد وسائلنا لنشر الكراهية ضد غير المسلمين وخلق حالة عداء دائم لهم، لأنهم - كما كنا نقول – يريدون نشر الفساد والرذيلة بعدم ارتداء الحجاب. وكانت حالة الكراهية لغير المسلمين وقوداً هاماً لدعم حركتنا الإسلامية وخلق تعصب يصب في مصلحتنا.

ومن الأشياء التي لم أزل أذكرها، كيف كان الكثير منا يختار أجمل النساء والفتيات كي يدعوهن للحجاب كوسيلة للتقرب منهن، وعلى أمل أن تنظر إليه إحداهن على أنه "المنقذ المخلص" الذي أنقذها من جهنم، فتقبله زوجاً لها حتى تضمن "الجنة"!

وتحقق حلم مرشد الإخوان في زمن عبد الناصر، ولبست معظم النساء الحجاب كما أردنا لهن، ولكن للأسف لم يختفِ الغلاء، ولم يقل التحرش بالمرأة، بل ازداد بضراوة وباتت الناس تُعرّف (بضم التاء وبتشديد الراء) بدينها بدلاً من وطنها! وكان هذا أهم حلم لمرشد الإخوان!

وللحديث بقية!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.