احتجاج لمدافعات عن حقوق المرأة في المغرب - أرشيف
احتجاج لمدافعات عن حقوق المرأة في المغرب - أرشيف

كانوا يتحدثون عن إحدى زميلاتهم في الدفعة. الشابة كانت قد خلعت الحجاب وخصصت للموضوع أكثر من تدوينة على حساباتها على مواقع التواصل.

اعتبر الشباب الأربعة أنها بالغت وأعطت للأمر أكثر من حجمه: "لقد خلعت الحجاب.. ذلك حقها واختيارها. لكنها ضخمت الموضوع وأعطته أكثر من حجمه".

في الواقع، من السهل على معظم الرجال أن يعلقوا ويعطوا رأيهم في تفاصيل تخص النساء في حياتهن اليومية وفي قضاياهن الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية:

-    النساء يبالغن في التظاهر بالمرض خلال فترة الدورة الصحية. الأمر قد يكون مفهوما في السنوات والشهور الأولى. لكن، بعد ذلك، يفترض أن يكنّ قد تعودن على الموضوع. 
-    النساء يبالغن في الشكوى من أشغال البيت. إنها مسألة تنظيم فقط لأن الأمر ليس معقدا. لو فقط كن يدركن معاناة العمل خارج البيت.
-    النساء اللواتي يشتغلن خارج وداخل البيت يجب أن يتوقفن عن الشكوى، فهن من اخترن العمل خارج البيت (حتى حين يكن مساهمات فعليات في مصاريف الأسرة). 
-    الإجهاض هو قتل للجنين... كما أنه يشجع على الفساد. لا يجوز أبدا التشريع له.
-    النساء اللواتي يخلعن الحجاب يبالغن في الحديث عن معاناتهن المفترضة ويعطين الأمر حجما أكبر مما هو عليه في الواقع.
-    النساء يبالغن في الحديث عن موضوع التحرش الجنسي لأن الموضوع ليس بالحجم الذي يعطينه له...
-    ...

لكن، هل جربت، سيدي، الألم الفظيع الذي تشعر به بعض النساء قبل أو خلال الدورة، لكي تعطي رأيك فيه؟ هل جربت تأثير التغيرات الهرمونية على المزاج وعلى الجسد لكي تعطي رأيك في الموضوع؟  

هل جربت أن تعود للبيت بعد يوم شاق من العمل، وأن يبدأ أمامك يوم شاق جديد يعتبر الجميع أنك وحدك مسؤول عنه؟ بل هل جربت حتى أن تكون ربة بيت يعتبر الجميع أنها (تجلس في البيت) بينما هي في الواقع "لا تجلس" ولا تستفيد من العطل الأسبوعية ولا من تحديد أوقات العمل ولا من العطل السنوية؟

هل جربت، سيدي، الحمل غير المرغوب فيه، وهل جربت أن تكون بين اختيارين: أمومة\أبوة لست مستعدا لها ومجتمع يمنع عنك الإجهاض وفي نفس الوقت يحاكمك إن أنجبت خارج الزواج...؟ هل جربت إحساس الظلم حين تجد نفسك وحدك أمام المسؤولية رغم أن العلاقة الجنسية جرت بين طرفين؟

ثم، وهذا موضوعنا، هل جربت أن تأخذ قرارا يخصك، بخلع الحجاب (الذي وضعته مرغما أو تحت تأثير الإيديولوجية الدينية في البيت والمدرسة والجامعة والعمل)؛ ثم يقرر الجميع أن من حقهم التعليق على قرارك: والدك ووالدتك، الجيران، الزملاء، أصدقاؤك على السوشيال ميديا، أصدقاء أصدقائك... 

حتى وأنت تقول إن القرار يخصها... فأنت في النهاية تعلق على تفاعلها معه! فأين هي خصوصيتها وحريتها في الاختيار وفي التفاعل مع اختيارها وقرارها؟

نحن نعيش في مجتمع يعتبر ضمنيا أن الفتاة التي ترتدي الحجاب هي بالضرورة أكثر حشمة ووقارا من غير المحجبة، هذا دون الحديث عن الأوساط والمجتمعات التي تفرض الحجاب بالإكراه وعن الأسر والأزواج الذين يمارسون الضغط النفسي على بناتهم وزوجاتهم لكي يرتدين الحجاب. 

لكن، إن كانت الفتاة غير المحجبة تتعرض للوصم والمقارنة مع المحجبة ويتم تقييم سلوكها وأخلاقها بناء على هذا المعيار؛ فإن الفتاة التي ارتدت الحجاب وقررت خلعه تتعرض لوصم أبشع لأن المجتمع الذي يربط الأخلاق والحشمة بالحجاب، يعتبر أنها "لم تستطع أن تكون متخلق محتشمة"، وأنها "قررت أن تصبح فاسدة"! لذلك فهي تتعرض للضغط من طرف الأسرة (وإذا كان للأسرة انتماء إيديولوجي لتيار إسلامي، فالوضع بالتأكيد سيكون أقسى وأفظع) ومن طرف الجيران والزملاء والخطيب أو الزوج والأصدقاء وكل معارفها. 

معاناة حقيقية من السهل أن يقف شاب خارجها ويقيمها ويعتبر أن من مرت بها "تبالغ" في التفاعل معها وتعطيها أكثر من حجمها. 

تخيل أن تأخذ قرارا شخصيا كحلق ذقنك مثلا، وأن تتعرض للعنف النفسي والتنمر بسبب ذلك القرار وأن يعتبر الجميع أن من حقه انتقاد ذلك القرار أو تقييم سلوكك وأخلاقك بناء على هذا الاختيار!  تخيل أن تكون كل تفصيلة في ملابسك وصحتك وبرنامجك اليومي، موضوع تعليق من طرف الآخر الذي لا يعيش بتاتا تلك التفاصيل ولا يعرفها! تخيل أن يكون لزملائك وأصدقائك وجيرانك وأصدقاء أصدقائك رأي في ملابسك ووزنك وذقنك وبنطلون الجينز الذي ترتديه وفي عملك وفي تسريحة شعرك وفي الحقيبة الرياضية التي تحملها على كتفيك... أن يعطي الجميع لنفسه حق التعليق، وحين تعتبر أن تلك اختياراتك الخاصة، يخرج عليك من يعتبر أنك تأخذ الأمر بحساسية شديدة وأنك "تبالغ" في التفاعل مع الموضوع!
 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.