سيدة تتنزه مع كلبها في أوتاوا الكندية
سيدة تتنزه مع كلبها في أوتاوا الكندية

من لايحلم بالهجرة إلى كندا؟      

البلاد المعلقة بحبال الجليد القطبية التي تمكن قاطنوها خلال فترة وجيزة من كسر صقيعها واستبدالها بدفء الحضور. كندا الشاسعة كصدر رحب لوافديها الذين ماإن يستقروا وينعموا في مواطنتهم، سيتحدثون عنها بإعجاب وتقدير كاستثناء مفرط، ليس لحسن طبيعتها وتنظيمها فقط، بل لحسن طبائع أفراد شعبها وحكوماتها وقوانينها وأنظمتها، وهي التي تطبع على جواز سفر مواطنها أنها ستحرك أسطولها لإنقاذه أينما كان. 

بلاد تتقدم دول العالم في مستوى تعليم شعبها والرعاية الصحية والرفاهية، والأخيرة ليست بمعناها النمطي عن الثراء والاسترخاء وإن كان متاحاً، بل بمعان تجهد الانسانية لترسيخها من العيش بسلام واستقرار وأمن وأمان، تبتدىء من الطفولة الكريمة انتهاء بالشيخوخة المطمئنة. رحلة حياة تحرص العقلية الكندية أن تجعلها ذات قيمة ومعنى أفضل، وقد استندت في تخطيطها إلى المعايير الانسانية السامية، وهو مامنحها سمتها الأبرز التي توصَّف بها، وهي الأخلاق. 

مقاييس طموحة عليا كادت تحقق مواصفات المدن الفاضلة المشتهاة، لولا أن الحدث الأخير أعاد النظر في طهرانيتها وعلى ماذا أسست هذه المدنية الحديثة، لتهتز صورة البلاد البتول وتنضم إلى قائمة دول العالم ذات الماضي المشين، بعد الكشف عن رفات 215  طفل بعضهم لم يتجاوز الثالثة من عمره تحت أرض تابعة لمدرسة داخلية قرب كاملوبس في مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية، ودفع الجميع للقول: "حتى أنت ياكندا؟". 

المدرسة واحدة من مجموع 139 مدرسة داخلية أنشئت أواخر القرن التاسع عشر لاستيعاب السكان الأصليين في كندا أدارتها الكنيسة الكاثوليكية نيابة عن الحكومة آنذاك, وقصة الابادة هذه ليست بجديدة، سبق أن تم التحدث عنها ولم يتم توثيقها أبداً، حيث قيل إن 150 ألف فتى وفتاة من السكان الأصليين لكندا أجبروا على الانخراط في هذه المدارس التي تعرضوا فيها لاساءات جسدية واعتداءات جنسية وتم تجريدهم من ثقافتهم ولغتهم. 

اكتشاف مقبرة الأطفال الجماعية، وهي الدليل المثبت للابادة ، أصابت الشعب الكندي بالصدمة والذهول، وسرعان ماخرجوا للتظاهر والتعبير عن حزنهم وغضبهم وأقاموا نصباً تذكارياً مؤقتة قرب موقع المدرسة، كما شكلوا نصباً تذكارية أخرى مؤقتة من أحذية الأطفال أمام البرلمان في أوتاوا وأمام المبان الحكومية والكنائس في عدة مدن، وغيرها من أشكال التضامن التي  تعبر عن احساسهم بالخزي وتقدم بعض الاعتذار للسكان الأصليين .  

ورغم أن حكومة جاستن ترودو منذ وصولها للسلطة جعلت المصالحة مع مايقرب من 1.7  مليون من السكان الأصليين أولوية، ودعمت بحزم جهود لجنة الحقيقة والمصالحة التي تتولى منذ عام 2008 اجراءات التسوية والتعويض لأسر الناجين من هذه الابادة الثقافية الجماعية لشعوب كندا الأصليين، إلا أن حدث اكتشاف الرفات أعاد إثارة اللوعة ودفع برئيس وزرائها إلى الاعتذار الصادق والتعبير عن خجله ونكس أعلام بلاده لثلاثة أيام وطالب الفاتيكان دون مواربة بالاعتذار. 

في ظل هذا الاكتشاف الجديد لواحدة من الابادات العرقية التي تعيد إلى الذاكرة جميع المجازر وجرائم الابادة الجماعية المرتكبة المعروفة أو المسكوت عنها، تتكرر مجموعة من الأسئلة عن قداسة تاريخ البلدان التي تمجد ماضيها وأبطاله ورموزه بصفتها مؤسسة للحاضر، فيما تؤكد الحقائق كل حين وفي أكثر من مكان، أن التاريخ ليس أكثر من تراكم مخز للعنف والكراهية وبئر عميق لدم الضحايا، فوق الجماجم تأسست مدن الحاضر، وتحت كل تراب تغفو رفات قتيل تنتظر من ينبشها ليوقظ الحقيقة. 

ولأن الجميع يعلم هذه الحقائق، حتى لو غض البعض الطرف عنها أو جرب إخفاؤها أو عرقلتها بشتى الوسائل، سيظل إشهارها مطلباً ملحاً وامتحاناً للإنسانية مهما تأخر، ومهما كان مكلفاُ وأطاح برؤوس أو رموز كبيرة، ومهما كلف مادياً من حيث حجم التعويضات المهولة وجبر الضرر وكافة الاجراءات التي تتطلبها المحاسبة والعدالة قبل الوصل إلى التسوية والمصالحة والمسامحة. 

ورغم أن التساؤل يطرح كل حين حول مسؤولية أبناء الحاضر عما ارتكبه الأسلاف من آثام وخطايا، يحضر الجواب باستمرار بأهمية مواجهة هذه المسؤولية طالما أن الأحفاد يحملون دماء الأجداد وامتدادهم في الحاضر، وعليهم دفع الثمن كقدر لامفر منه، لأجل تنقية الضمير والتطهر من وصمة العار والارث المشين ماأمكن، ولأجل عدم تكرار مثل هذه الفظائع في الحاضر أو في المستقبل. 

كندا اليوم التي  صدمت بمثل هذا الاستحقاق القاسي لضمير الأمة، ستواجهه بمسؤولية وتتجاوزه في المستقبل القريب استناداً إلى كل المعطيات الأخلاقية التي أسست دولتها الحديثة عليها، لكنها لن تتمكن من مسح النقطة السوداء التي حفرت في الذاكرة، والتي ستجعلها أقرب إلى الواقعية المريرة للبشرية، المتوازنة بين الخطايا والفضائل.  

وفي حقيقة الأمر، ودون المواربة خلف الرغبات الأخلاقية، هذه هي البشرية في حقيقتها الفاضحة، وستطالب كل حين مع اكتشاف أية فظائع جديدة بمحاسبة أصحابها والعدالة لضحاياها كي لاتتكرر مثل هذه الآثام، لكنها ستتكرر، وتتكرر إلى مالانهاية. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.