كل ما نحتاجه أن نؤمن بالاختلاف.. وأن الآخر هو نحن من وجهة نظر مقابلة أيضا.
كل ما نحتاجه أن نؤمن بالاختلاف.. وأن الآخر هو نحن من وجهة نظر مقابلة أيضا. | Source: abouna.org

أستميحكم عذرا بطلب رأيكم حول الجملة التالية: 

الأرض يرثها الوديعون، والشعور بالسلامة هو لذة.

هل جرحت العبارة أعلاه بأي معنى لها مشاعرك أو انتهكت منظومتك الأخلاقية في محتواها؟

حسنا،

تلك العبارة أعلاه تصرفت بها لكنها بالضبط هي كما وردت في النص من الكتاب المقدس لكافة مسيحيي الكرة الأرضية وبلغات العالم كله:

(أما الودعاء فيرثون الأرض، ويتلذذون في كثرة السلامة- مزمور ٣٧:١١).

وفي نصها "المزموري -الإنجيلي" تبقى العبارة سامية ونبيلة ولطيفة في معناها، لكن هناك بلدية عاصمة شرق أوسطية، رأت في العبارة إساءة للأخلاق العامة وتنكرت لها ورفضت تبنيها كيافطة في احتفالات الدولة الأردنية في عيد الاستقلال.

العبارة اعتمدتها مؤسسة غير ربحية أردنية مسجلة في وزارة الثقافة اسمها "جمعية الكتاب المقدس"، كيافطة تشارك فيها الأردنيين احتفالاتهم بعيد الاستقلال، والجمعية درجت على عادة تقديم آية من الكتاب المقدس مطبوعة على يافطة، منذ عام ٢٠١٦، وطبعا الجمعية تقوم بأخذ الترخيص مثل أي مؤسسة أو فرد حسب الأصول من أمانة عمان، وهي التسمية "العملاقة" لبلدية العاصمة الأردنية، والتي تطلبت أيضا، ضمن تلك التسمية، أن تضع لنفسها وظائف ثقافية واجتماعية وتنويرية، لكنها أخفقت في كل ذلك حين انحنت أمام أول هجمة "مسعورة" من عقليات التطرف والإقصاء التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي، فأنكرت اليافطة والجمعية بل واعتبرت ما ورد عن الكتاب المقدس عند المسيحيين إساءة للأخلاق العامة.

كان الأجدى بالأردن، ومؤسساته الثقافية التي تشمل فيما تشمل - على كثرتها وقلة بركتها- وزارة للثقافة بمديريات ثقافة منتشرة، ودوائر ثقافية في البلديات غير الدائرة الثقافية الضخمة في أمانة عمان نفسها، أن تحتفل بثقافتها الوطنية المسيحية كمكون أساسي من مكونات الوجود الحضاري الأردني في العالم. الأردن، وهو الواجهة الجنوبية لبلاد الشام، يتميز مثلا بأن مواطنيه المسيحيين ( وهم بأقصى تقدير يشكلون ٦٪ من مجمل السكان) هم أقدم المجتمعات المسيحية في العالم، بمعنى أنهم "بغالبيتهم المعروفة طبعا" المجتمع المسيحي الذي ورث المسيحية وتواترها منذ القرن الأول للميلاد! تلك احتفالية تستحق التأمل والتمعن والإشهار بفخر واعتزاز كحالة ثقافية وتاريخية نادرة الوجود.

وحسب المؤرخين الثقات، وعلى رأسهم العلامة الأركيولوجي، الدكتور محمد وهيب، فإن المغطس تم تحديده بدقة علمية على الطرف الشرقي من نهر الأردن، ويحلو لبعض الأردنيين أحيانا المبالغة بالحب والود فيقولون أن يوحنا المعمدان ( يحيى بالأدبيات الإسلامية) هو من عشائر أردنية تسكن البلقاء.
المسيحيون في الأردن ليسوا ملح الأرض، تلك عبارة إنشائية سخيفة تفضي إلى عبارة أكثر سخفا تقول بالتعايش، وتلك بدورها تقودنا إلى مفهوم أكثر تضليلا وهو "التسامح"، وكلها تحمل في داخلها التفضل والتمنن على أهل الأرض الأصليين، أقدم المجتمعات على تلك الجغرافيا منذ بيلاطس البنطي وقبله.
مؤسف أن كل الدوائر الثقافية في أمانة عمان لم تقف موقفا "ثقافيا" مستنيرا في وجه قرار قيادتها المتعجرف بالتنكر لجمعية الكتاب المقدس، بل والتمادي بالإساءة لكتاب المسيحيين المقدس.

واستطرادا، لمن يجهل.. ( وهذا تاريخ تلك الجغرافيا أساسا).
فالمزامير هي جزء من العهد القديم، والعهد القديم هو أكبر الجزئين من الكتاب المقدس، والعهد الجديد ليس الإنجيل، بل الأناجيل الأربعة التي اعتمدتها الكنيسة عن الرسل الأربعة المبشرين، متى ولوقا ومرقس ويوحنا، بالإضافة إلى أعمال الرسل ثم الرسائل. وهذه تقسيمات اعتمدها المجمع الكنسي وحسب الاعتقاد المسيحي "وهو إيمان مطلق"، فإن الأناجيل كانت وحيا من الروح القدس على الرسل والمبشرين.
وهذه معرفة ضرورية لا بد من تعليمها في المدارس تماما مثلما يتعلم الطلاب أن للقرآن أجزاءا وسورا مدنية ومكية وأحزابا وآيات تفصل الشرائع وآيات تحث على الأخلاق.

من الضروري حين يتم تدريس الحروب الصليبية مثلا في دروس التاريخ في المشرق العربي، أن يذكر المدرسون والمعلمون حقيقة دفاع مسيحيي المشرق عن الشرق كله، في حروب دافعوا فيها عن أوطانهم وجغرافيتهم من احتلال "غربي وغريب"، لم يروا فيه شريكا في المواطنة مثل شركائهم الآخرين من ذات الجغرافيا على اختلاف مللهم وعقائدهم.

إن ما حدث في الأردن خلال الأسبوع الماضي "بين كل المشاهد السوريالية الأخرى فيه" يعكس تمدد داعش في جيوب مجتمعية تتمدد وتؤثر حتى تصل إلى قرار "سياسي و إداري" لواحدة من أكبر مؤسسات الحكم المحلي لمدينة في الشرق الأوسط، فتجبرها على الانكفاء لا خطوات بسيطة إلى الخلف، بل نحو القرن السابع الميلادي، وتجعل تلك الإدارة المرتدية ربطة العنق على جهلها تسيء لتاريخ تلك الجغرافيا وأهلها، وتبتلع بتعصب أعمى فكرة الإقصاء عبر الإساءة.

في آذار من عام ٢٠١٩، كان الملك الأردني، عبد الله الثاني، في دير القديس فرنسيس الأسيزي في إيطاليا، يتسلم مصباح السلام المُهدى إليه باسم القديس المسيحي الذي كان يرى في عقيدته وإيمانه بالمزامير جزءا من الكتاب المقدس، وربما كان يرى في المزمور ذاته الذي اعتمدته جمعية الكتاب المقدس على يافطتها الوطنية مصباحا للسلام مثل الذي ناله الملك نفسه، وهو المزمور نفسه الذي رأت فيه أمانة عاصمة الملك الأردني إساءة للأخلاق العامة.

في دولة تحترم تاريخها - بعد أن تعيد قراءته بشكله الصحيح والمنصف- فإن الأولى أن تكون جوائز الأردن لمفاهيم السلام نابعة من أسماء عديد من قديسين ورجال دين مسيحيين عاشوا قرن المسيحية الأول في تلك الجغرافيا، وكانت أسماؤهم مثل باقي أسماء تلك المعمورة ذلك الزمان، وقد صارت غريبة عنه اليوم.

أنا من جيل لم يعتد في الأردن رؤية التصحر الوهابي يتمدد بهذا الشكل المرعب، وأنا كنت محظوظا بأن عشت سنوات في مدينة أردنية جنوبية أهلها "أقدم المجتمعات المستقرة" في جغرافيتها، منذ القرن الأول الميلادي، فانقسموا إلى مسيحيين ومسلمين، وأقصد مدينة الكرك التي أدين إليها بما أدعيه من وعي.
تلك المدينة التي منها ينحدر القانوني المحامي الصديق، أسامة الطراونة، الذي يقول في تعليق حقيقي وأصيل: "لا أدري ولا أفهم لماذا يغضب البعض من نشر بعض عبارات من الكتاب المقدس، العهد القديم أو الجديد ولماذا لا يغضبه كل مظاهر النفور والعشوائية في شوارع العاصمة وباقي المدن".

ويستطرد الطراونة بقوله: "في عواصم أوروبا تجوب الشوارع باصات عمومية ووسائط نقل عامة وخاصة ويوجد مساحات إعلانية في الميادين والشوارع الرئيسية وتقوم جمعيات إسلامية هناك باستئجارها بأوقات محددة تضع فيها إعلانات من كافة الأنواع والأشكال عن الإسلام وعن النبي محمد عليه الصلاة والسلام وينشرها الناس هنا تحت عبارات مثل افخر بنبيك أو دينك.. لكنك لا تنسى أن تفخر بالحرية التي سمحت لك بذلك هناك ولا تنسى أيضاً أن عليك التخلص من العقلية التي جعلتك ترفض هذا هنا؟!".

الطراونة من مدينة الكرك، تلك المدينة التي فيها قرية نصفها مسلمون ونصفها مسيحيون، ويحكى أنه في بدايات القرن الماضي أعلم النصف المسيحي في القرية النصف المسلم عن نيتهم بناء كنيسة جديدة، فمازح شيخ العشيرة المسلمة شركاءه "الأنداد" في القرية بشرطه أن الكنيسة لن تبنى إلا إذا كان الخوري من العشيرة المسلمة.

وكثير من حكايات، عليها أن تتوالد في واقع يبقى ويكون، لا أن تكون مرويات متحفية طريفة للدلالة فقط على ما كان.

أزمتنا في المشرق منذ بدايات التصحر الوهابي تكمن في تلك العجرفة والفوقية المتغطرسة تجاه كل ما لا يشبهنا، فنخلق منه طواحين هواء نستل سيوفنا عليها بعصبية عمياء.

أزمتنا أننا -وتحت وطأة قهر يعاني منه الجميع- لا نعطي أنفسنا وقتا للتفكير بكل ما هو آخر، وكسر الثنائيات المغلقة في طريقة تفكيرنا.

كل ما نحتاجه أن نؤمن بالاختلاف.. وأن الآخر هو نحن من وجهة نظر مقابلة أيضا.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.