خالد الجامعي ذو تكوين فرنكفوني تابع تعليمه بمؤسسات البعثة الفرنسية
خالد الجامعي ذو تكوين فرنكفوني تابع تعليمه بمؤسسات البعثة الفرنسية

برحيل خالد الجامعي (77 سنة) تكون الصحافة المغربية خسرت أحد رموزها، وفقد المغرب واحدا من أبنائه البررة، وقامة عالية من أنبل الرجال، ومناضلا وطنياً مخلصا.  

كان القراء يحرصون على متابعة كتاباته في يومية "لوبنيون" (الرأي)، وكانت في زمن سابق الأوسع انتشارا باللغة الفرنسية في المغرب. وبعدها انتقل الجامعي للكتابة في أسبوعية "لوجورنال". ومع انتشار الإعلام الرقمي أصبح المغاربة يقبلون عبر الفيديو على أحاديثه الشيقة وتحليلاته التي تعكس مدى الخبرة الإعلامية والسياسية التي اكتسبها خلال مسيرته في مجالات الإعلام والدفاع عن حرية الرأي، تحليلات تستند على الحقائق والإحصائيات والجرأة والصراحة التي تميز بها.

كل ذلك بأسلوب بسيط بالعامية الشعبية. وتشهد له سيرته الذاتية وما كتبه عنه أصدقاؤه ومحبوه والمتابعون لحياته المهنية على ما تركه من بصمات سجلت اسمه كرقم صعب في الصحافة، وكإعلامي لا تمكن قراءة مساره وتاريخه كفرد إلا ضمن تاريخ المغرب الراهن. فتاريخ شخصية إعلامية كبيرة مثله هو تاريخنا كصحافة وصحفيين، وتاريخ لحقبة مميزة من هذه المرحلة.   

من أنت؟! 

صارت كتاباته بمثابة وثائق تاريخية، خاصة على المستوى السياسي. من أشهرها مقاله: "اشْكُونْ انْتَ؟". المقال الذي ارتبط أكثر بالراحل، وجعل الجميع يتذكرونه لحظة نعيه ويسترجعون محنة الصحافة في سنوات الرصاص. مقال يختصر سيرة الجامعي النادرة كرجل شجاع وصاحب قلم جرئ. 

تعود الحكاية إلى التسعينيات من القرن الماضي، حين كان خالد الجامعي مسؤولا عن تحرير يومية "لوبنيون"، اللسان الفرنسي لحزب الاستقلال، وبعد نشره لمقالة حول الديمقراطية المغربية، كتب فيها أن التعددية السياسية في المغرب مجرد كذبة بلقاء، وأن المغرب يحكمه الحزب الوحيد، هو حزب "المخزن". والأحزاب الباقية مجرد تزويق وتأثيث. في صباح صدور المقال تلقى الجامعي دعوة عاجلة إلى وزارة الداخلية حيث كان بانتظاره الوزير القوي إدريس البصري الذي خاطبه قائلا بالدارجة: "اشْكُونْ انت!!؟" (من تكون أنت!!؟). أو من تعتبر نفسك!؟. لكن الوزير القوي سيفاجأ أن الماثل أمامه ليس من صنف من اعتاد أن ترتعد فرائصهم أمام رهبته، إذ واجه الجامعي الوزير البصري بحدة وإيمان بكل كلمة كتبها في مقاله المشار إليه. ولحسن حظه أنه لم يلق مصيرا مشؤوما، وكان لانتمائه لعائلة وطنية معروفة ولحزب الاستقلال الدور الحاسم في نجاته.  

لما غادر الجامعي مكاتب الوزارة التي كانت في السابق مقرا للإقامة العامة الفرنسية، اتجه مباشرة إلى مقر صحيفة "لوبنيون"، وكانت يومها بشارع الشهيد علال بن عبد الله، أحد رجالات المقاومة والفداء في المغرب. جلس الجامعي إلى مكتبه وحرر مقالته الافتتاحية الشهيرة والتي تحمل الإجابة عن الإهانة التي تعرض لها من وزير الداخلية إدريس البصري.

كانت صرخة مدوية بكلمات مشحونة وشائكة، بل مغموسة بحبر الجرأة ودم التحدي. نص شديد الإثارة ونادر للشجاعة والإقدام. من يومها لم يعد في مستطاع أي كان أن يلجم لسان الصحفي خالد الجامعي أو يكسر قلمه ويغريه بحبر آخر لا يسمي الأشياء والأمور بأسمائها.  

في استعادة للذكرى، سيصرح خالد الجامعي، أن "لقاءه التاريخي" مع إدريس البصري كان سريعا لم يتجاوز دقائق معدودة. لاحقا سيعرف أن البصري تصرف على الفور بعد أن أُخْبر بمضمون المقال من طرف المستشار الملكي أحمد رضا اغديرة.  

صاح البصري في وجه خالد الجامعي:  

- من أنت حتى تكتب ما كتبته؟! إنك تعلم أن من هم أكبر وأقوى منك قمت بسحقهم.  

كان رد الجامعي إنه "مستعد أن يموت واقفا".  

هنا أمسك الغضب بالبصري فطرد الصحفي من مكتبه. 

متهم حتى تثبت براءته 

لكن هذا لا يعني أن خالد الجامعي لم يكن من ضحايا سنوات الجمر والرصاص في السبعينيات التي اقتيدت فيها أعداد من المناضلين الراديكاليين ومن شباب اليسار الذين أسسوا تنظيمات ماركسية سرية لإسقاط النظام، لم ينخرط الجامعي في صفوف اليسار رغم مواقفه القريبة من رموزه وأجوائه، إذ كان منتميا لحزب يميني يستمد شرعيته التاريخية من عمق الكفاح الوطني ضد الاستعمار، بل إن والده (بوشتى الجامعي) من الموقعين على "وثيقة الاستقلال" سنة ميلاد ابنه خالد (1944). 

في سنة 1973، أي في أوج سنوات الرصاص، سيتم اعتقال خالد الجامعي بسبب نشره على الصفحة الأولى لصحيفة "لوبنيون" صورة للأمير المولى رشيد، الابن الأصغر للملك الحسن الثاني، وبجوارها صورة لطفل مشرد. بسبب هذه الصورة "غير اللائقة" سيقضي خالد الجامعي حوالي ستة أشهر في السجن. وقد روى الجامعي حكايته مع تجربة السجن والتعذيب في كتابه بالفرنسية المعنون ب"متهم حتى تثبت براءته!" (منشورات "طارق"، الدار البيضاء 2003). 

متمرد ومزعج 

خالد الجامعي ذو تكوين فرنكفوني، تابع تعليمه بمؤسسات البعثة الفرنسية. جلبه الوزير العلامة محمد الفاسي ليعمل إلى جانبه في وزارة الثقافة، لكن رغم التزام الجامعي بارتداء البذلة الرسمية وربطة العنق، لم يرغب في التخلي عن شعر رأسه المنفوش، وكان الزمن زمن "الهيبيز" وصعود الفرقة الأسطورية "البيتلز"، وسيكون خالد الجامعي من أوائل الداعمين للنسخة المغربية من الفرقة الإنجليزية، وهي مجموعة "ناس الغيوان". وفي لجة الحراك الثقافي والفني الذي انبثق بقوة خلال فترة السبعينيات، إثر ما يعرف بنكسة حزيران 1967، وثورة الشباب العالمية التي كانت من تداعيات انتفاضة "ماي 1968" بفرنسا، سيجد الشاب خالد الجامعي أن لا صلة له ببروتوكلات الوزارة ، فقرر التنازل عن امتيازات السيارة والتحية الرسمية التي كانت تؤدى له كل صباح، لينخرط في مجرى الحياة العامة ويتحول إلى صحفي متمرد. لقد فضل أن يظل مواطنا عاديا يختلط بالناس ويمشي في الأسواق، يجالس البسطاء في المقاهي وقريبا من همومهم. وفتح باب شقته لأصدقائه حتى أصبحت ناديا يجمع الفنانين والكتاب والصحفيين، وقد مارس خالد الجامعي النقد الفني حول المسرح والسينما والتشكيل. ولعشقه للفن السابع ظهر في فيلم بعنوان" عبروا في صمت" للمخرج حكيم نوري (1997)، ويحكي قصة صحفي سجن بسبب فضحه للفساد في السبعينيات، وتنتهي الأحداث باغتياله. 

لكن خالد الجامعي، رغم المساومات، رفض التخلي عن جلده، وأصبح صحفيا مشاكسا أكثر، وهذه المرة ليس للسلطة فحسب، بل للحزب الذي يصدر الصحيفة وعينه على رئاسة تحريرها. وكان الجامعي يعتقد أن بإمكانه لعب دور ما وسط حزب الاستقلال بعد انتخابه في قيادته، بمحاولته استقطاب تيار جذري على يسار الحزب. ولأنه صحفي حر، رفض الانصياع الحزبي واختار طريق الحقيقة والصدق الفكري، فضاق صدر القيادة الحزبية ب"تنطعاته" لتقيله من منصبه كرئيس تحرير.  

مزاج متمرد  

في هذه الفترة كنت ألتقي بشكل يومي بخالد الجامعي، عندما كانت تجمعنا كل صباح رحلات مكوكية بالقطار الرابط بين الدار البيضاء والعاصمة. وقد أخبرني خالد أنه يتجه يوميا إلى مكاتب الجريدة ليؤكد حضوره من أجل تبرير راتبه في نهاية الشهر. وأنه ممنوع من الكتابة.  

خلال ساعة السفر كنا نتبادل الأخبار، وكنت أستمتع بلغته الراشحة بتعابير "أولاد الدرب" في الأحياء الشعبية القديمة لمدينة الدار البيضاء، وبلثغته الجميلة. حقا كنت من المعجبين بعفوية خالد الجامعي وسخريته، وبمزاجه المتمرد والحر. وأعترف الآن أني كنت أحيانا أتحفظ في سري عن بعض تصريحاته وتلميحاته، ويراودني شك في صدقيتها. كنت ألمس فيها بعض المبالغة. في حين كان آخرون يذهبون إلى الأبعد ويصفونه بالشعبوية والمزايدة والتهور.  

أما تحفظي فكان يأتي من متابعتي لبعض مواقف خالد الجامعي التي كنت أعتبرها متناقضة، فهو كان يساري الهوى وسط حزب يميني. وكان في فترة مقربا من فؤاد عالي الهمة، صديق الملك ووزير الداخلية المنتدب (المستشار الأول للملك حاليا)، وقد ساهم الجامعي بدور بارز في استقطاب عدد من الشخصيات اليسارية إلى صالون فؤاد الهمة، حيث ستشكل تلك الشخصيات الجمعية السياسية "حركة لكل الديمقراطيين" التي انبثق منها حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعتبر حزب القصر. لكن خالد الجامعي سيبتعد عن فؤاد الهمة لتتسع الفجوة بينه وبين السلطة تدريجيا. 

وكان خالد الجامعي أول صحافي مغربي يغطي أحداث الثورة الإسلامية في إيران بزعامة آية الله الخميني عام 1979. كما كان من المؤيدين للمقاومة الفلسطينية ومقربا من قياداتها، مثل هاني الحسن الذي كان يقيم في المغرب وتصاهر أبناؤه مع عائلات مغربية. لكن هذا لم يكن حائلا بين الجامعي ليحاور الجنرال الإسرائيلي "ميتي بيلد" في باريس، بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت عام 1982.  ويتردد اليوم أن خالد الجامعي غامر بسمعته وتحمل تبعات الهجوم عليه كأحد دعاة التطبيع، لأنه كان وقتها يلبي طلبا سريا للزعيم ياسر عرفات. لكن بعد سنوات سيسافر خالد الجامعي إلى الأراضي المحتلة ويستقر فترة بإحدى المستوطنات الإسرائيلية برفقة صديقته اليهودية الكندية، وبعد عودته صمت ولم يقل كلمة في الموضوع. كما كان خالد الجامعي من المترددين على حفلات غادي غولان أول رئيس لمكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط قبل إغلاقه سنة 2000، وقد فضحت صور نشرة "اللقاء" التي كانت تصدر رسميا عن مكتب الاتصال الإسرائيلي عددا من ضيوف غولان، بينهم خالد الجامعي، والصحفية نرجس الرغاي، والكاتبة لطيفة بنجلون زوجة المفكر عبد الله العروي. لكن بعد إعلان التطبيع المغربي رسميا مع إسرائيل سارع خالد الجامعي إلى التحذير من مخاطره. 

كان خالد الجامعي شخصية مركبة، صحافي مهني من طينة الكبار، وأحد قادة الرأي العام بالمغرب، صاحب مواقف صارمة، ومن جانب آخر رجل متمرد وبوهيمي، وإنسان عاطفي ذو حساسية. اختار أن يكون بسيطاً في حياته، طاوعت اللغة الفرنسية قلمه، وتعابيره تنهل من معين اليسار والمعارضة، اعتبر نفسه دائما "ملكيا"، لكنه ضد الحكم الفردي والمطلق، من هنا رسائله إلى الملك محمد السادس بعد توليه الحكم، وفي إحداها كتب الجامعي مخاطبا خليفة الحسن الثاني: "إذا رأيت الثورة قادمة إليك فقم بها أنت أولا". وتحدث في رسالة أخرى عن الرشوة داخل مؤسسة الجيش. لكن رسائل الجامعي بقيت من دون جواب. وقد بعث الملك محمد السادس برقية عزاء إلى عائلة الفقيد جاء فيها أن الفقيد "كان يتحلى بخصال الغيرة الوطنية الصادقة، والتشبث بمقدسات الأمة وثوابتها الوطنية، وعلى رأسها الإخلاص لشخص جلالتنا وللعرش العلوي المجيد". 

برقيات العزاء التي ودعت خالد الجامعي امتلأت بعبارات الحزن على خسارة إعلامية فادحة وفقدان رجل وطني ومناضل كبير. هشام العلوي: (ابن عم الملك محمد السادس) نعى عميد الصحفيين المغاربة "أستاذا وصديقا وهرما من أهرام الصحافة المغربية. وقال إن الفقيد "كان مثالا في المثابرة والصمود في ظروف استثنائية".  

أما الصحفي محمد العلمي المقيم بواشنطن، فنعى الراحل مقتبسا عبارة صحفي بولندي: "الصحافة أن تزعج السلطة والباقي بروباغندا!". وكان خالد الجامعي حقا صحفيا مزعجا.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.