حوكمة الأمن أولاً وأخيراً يجب أن تبدأ من الأعلى، أي أن تقوم الحكومة بإدارتها.
حوكمة الأمن أولاً وأخيراً يجب أن تبدأ من الأعلى، أي أن تقوم الحكومة بإدارتها.

عجزُ الدولة في إدارة الملف الأمني هو من أهم الدلالات على هشاشتها، ويبدو أن هذا الموضوع هو تراكمات الأزمة المستدامة للدولة في العراق مع اختلاف التحديّات، سواء أكانت مواجهة الجماعات الإرهابية ونشاطاتها، أو فشل هذه المؤسسة في العمل على أسس مهنية، أو وجود قوى تحمل السلاح وتريده أن يكون أعلى من سلاح الدولة، وتشرعن وجودها بصيغة الأمر الواقع، وتتحوّل إلى قوى موازية للدولة.

هذا الواقع الذي تعيشه دولتنا الهشّة أنتج تجربة هجينة للأمن، تجمع بين المؤسسات الأمنية الرسمية التي تقوم بوظيفة احتكار العنف المنظّم، وبين جماعات مسلحة أنتجتها فترة الانتقال من نظام إلى آخر.

وعموماً، جميع تجارب تهجين الأمن اتجهت حتماً نحو الحرب الأهلية، أو التصادم مع الحكومات التي تأتي عن طريق المؤسسات الشرعية وتريد ضبط الأمن.

من تجارب تهجين الأمن في العراق وجود مؤسستين تابعتين رسمياً للدولة، لكنهما لا تخضعان تماماً لإدارة الحكومة، الأولى: قوات البيشمركة، أو حرس اقليم كردستان؛ والثانية: الحشد الشعبي. كلاهما نتاج لظروف وحاجة أمنية محددة، لكن التوظيف السياسي لهما جعلهما تعملان بمنطق متناقض: فهما قانونياً ودستورياً يفترض أن تكونا تحت إمرة القائد للقوات المسلحة، وتموّلان من الميزانية العامة للدولة. لكنهما عمليا نجدهما مؤسستين تخضعان لزعامات سياسية وقيادات تريد تثبيتهما كقوى موازية للدولة، وأحياناً فوق الدولة.

قد تختلف تجربة تشكيل البيشمركة، كونها ترتبط بمرحلة ما قبل 2003، وجرى التعامل معها كونها واقع حال، حالها حال فيدرالية إقليم كردستان. أما تجربة الحشد الشعبي، فيجب النظر إليها من منظور الجماعات الصاعدة في فترة الانتقال السياسي، ولذلك يجب التفكير بمعالجة وضعها من خلال ضمان مصالح الجماعات المرتبطة بالحشد، سواء أكانوا زعامات أصبحت سياسية بعنوان الحشد الشعبي، أو أفراداً ينتمون لهذه المؤسسة.

وهذه النقطة تحديداً هي الإطار الواقعي الذي يفترض في دائرته عن طرح مستقبل الحشد، بعيداً عن سجالات شرعيته التي يسوقها زعمائه بأنها تستمد من منجز تحقيق النصر ضد تنظيم داعش الإرهابي؛ لأن جميع صنوف القوات الأمنية ساهمت بتحقيق النصر، ولا يمكن أن يختزل بتشكيل أمني دون آخر، أو مرتبط بفتوى المرجع الشيعي الأعلى، السيد علي السيستاني، التي كانت واضحة وصريحة، إذ نصت الفتوى على دعوة "للمواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم، إذ عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية"، وليس ضمن تشكيل أمني مستقل يراد من خلاله تثبيت وتهجين الأمن لغايات سياسية تنعكس الآن على العلاقة بين الزعامات السياسية التي تمثل فصائل مشاركة بالحشد وبين القائد العام للقوات المسلحة.

معضلة الأمن الأولى في العراق هي الصراع بين رؤيتين، الأولى مركزيته، وهي الأضعف، وهي كانت ولا تزال رغبة من دون أن تكون هناك إرادة لتنفيذها. والثانية تجزئته، وهنا تجتمع رغبات متناقضة في الغاية، لكنها متفقة بالوسائل.

والأمن في العراق متداخل في ملف الصراعات والتجاذبات السياسية، ولذلك يستحيل ويستعصي ويصبح بعيد المنال عندما تركن القوى السياسية الفاعلة وصاحبة الأمر إلى مخاوفها، ومن ثم الأطر السياسية الحاكمة للبلد باتت تثبت كل يوم عجزها وعقم آفاقها، وأحسن ما تستطيع عمله هو التساكن والتعايش مع الفوضى الأمنية التي يعبر عنها السلاح المنفلت، ومحاولة ضبطه من أن يصل للحظة اللاعودة، دون أن يكون هناك مشروع حقيقي لحوكمته ووضع حد لتهجينه. 

تهجين الأمن بات يؤثر على الأداء المهني للمؤسسات العسكرية والأمنية، لأن هذه المؤسسات تدار بطريقة المزاج الشخصي للقائد العام للقوات المسلحة وتأثيرات التفكير المأزوم لمنظومة السلطة وهواجسها ومخاوفها، التي تكون أسيرة الشكوك وعدم الثقة المتبادلة، وتحسب أي فعل بمقدار خسارتها وربحها وليس بما يربحه الوطن من الاستقرار الأمني. لذلك عملت الطبقة السياسية على إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية بطريقة التهجين، سواء أكان ذلك بعملية دمج أتباع أحزابها أو زبائنها برتب عالية، أو تشكيلات تنتمي ظاهراً لمؤسسات الدولة وتمول من ميزانيها، لكنها عملياً تأتمر بأوامر زعاماتها وتشكل واقعاً قوى موازية للدولة.

للقوى الموازية للدولة في العراق منطق مزدوج، يجمع بين الاستقلالية والتبعية؛ فهي تتأسس وتنمو وفق مبدأ الانشطار من تشكيل مسلح قديم، ويتم ذلك بدعم من إرادة خارجية تريد تفكيك المنظمة الأم حتى لا تسمح لها بالاستقواء، ومن ثم تبقى خيوط اللعبة بأيديها وتبقى بيادق النفوذ الخارجي. وبعد صعود هذه الجماعات تبدأ بالهيمنة على منافذ الاقتصاد الريعي التي تؤمن ديمومة بقائها وزيادة قوة نفوذها المالي، الذي يسمح برفع الدعم الخارجي على المستوى المالي وابقاء الدعم السياسي.

إذاً، عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج قد تكون خيارات مطروحة للنقاش، لكنها لن تنتج الاستقرار السياسي والأمني، فصراع الإرادات بين زعماء الفصائل والحكومة الحالية ومن يدعمها قد أصبح واضحاً ويمكن أن نصفه ببراميل بارود تنتظر الشرار لتنفجر معلنةً صداماً عسكرياً بين الفصائل المسلحة والحكومة، ومن ثم قد يتطور إلى صدام بين فصائل وأخرى تدعم الحكومة. ومن جانب آخر تُستثمر سياسياً من قبل حكومة إقليم كردستان باعتبارها ضمن سياسات تستهدف المكون الكردي. وقد تكون حكومة الكاظمي عاجزة عن إدارة ملف حوكمة الأمن، فهي عملية صعبة ومعقدة وتواجه الاعتراضات السياسية تفوق قدرة الكاظمي في إدارة هذا الملف.

رغم ذلك، فإن حوكمة الأمن أولاً وأخيراً يجب أن تبدأ من الأعلى، أي أن تقوم الحكومة بإدارتها وأن تكون من أولويات الحكومات القادمة، التي يجب أن تحقق التوازن بين الخيارات السياسية لإعادة الهندسة الأمنية والمواجهة المسلحة لفرض سيادة الدولة وقوانينها. والبداية الصحيحة تكون من إعادة النظر بالتشكيلات الأمنية وفك التشابك بينها، كما يحدث في إعادة النظر بقيادة العمليات التابعة لمكتب رئيس الوزراء.

أما التشكيلات الأخرى التي تكون مصدراً للتجاذب السياسي (كالحشد الشعبي والعشائري والبيشمركة الكردية)، فتحتاج إلى اتفاق سياسي يتبنى رؤية استراتيجية تقوم على أساس المساومات بين المصالح والمكاسب السياسية وبين امتلاك السلاح الذي يشكل قوة موازية لسلاح الدولة. وهذه الاستراتيجية لحوكمة الأمن لن تتحقق إلا بتوفير الدعم السياسي من القوى التي تؤمن بحصر السلاح بيد الدولة، والاستفادة من الإسناد الجماهيري لها، واقناع التدخلات الخارجية بأن حكومة قوية أفضل من حكومة متنازع على قدرتها في فرض الأمن والأمان.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.