مساعدات مصرية إلى غزة
مساعدات مصرية إلى غزة

وفّرت الجولة الأخيرة من المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، للدبلوماسية المصرية، ما كانت بأمس الحاجة إليه، لاستعادة وتعظيم دورها القيادي في الإقليم، بعد سنوات (وربما عقود)، من الغياب أو "التغييب"، إذ بدا لأربعة عقود من الزمن، أن هذا الدور قد "اختطف" من قبل دول عربية "طرفية" ناشئة، بحثت مستميتة عن أدوار إقليمية تتخطى الحدود التي تسمح بها الجغرافيا والديموغرافيا والإرث التاريخي و"المشروعية"...تآكل الدور الإقليمي للقاهرة، بدأ منذ أقدم الرئيس الراحل أنور السادات، على توقيع اتفاق سلام منفرد مع إسرائيل، عزل مصر عن محيطها العربي، وأفقدها حضانة جامعة الدول العربية، لتأتي بعد ذلك، سنوات الركود الطويلة في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، و"عشرية الربيع العربي" بانعكاساتها وتداعياتها على دور مصر ومكانتها، فتسهم في تسريع وتيرة القضم المتدرج لدور مصر الريادي التقليدي، وتتهدد ما تبقى من رموز زعامتها للعالم العربي، بعد أن ظنّت (وظننا) بأن لا منازع لها على هذه المكانة. 

والحقيقة أن سعي مصر لاسترداد ما هو لها: "لواء الزعامة"، لم يكن مرتبطاً بالتطورات الدامية الأخيرة على المسار الفلسطيني – الإسرائيلي، فقد سبقها ببعض الوقت، بيد أن هذه التطورات، عملت على تعبيد الطريق أمام القاهرة لتصدر صفوف الباحثين عن حلول وتسويات، إن للنزاعات الفلسطينية البينية، أو للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي...ووفقاً لأغلب التقديرات وأكثرها رُجحاناً، فإن أزمة سدّ النهضة، ربما كانت "ناقوس الخطر" الذي قُرِع بقوة في القاهرة، ورددت أصداؤها مراكز صنع القرار واتجاهات الرأي العام المصري، باعتبارها قضية وجودية، قضية حياة أو موت بالنسبة لبلد "مركزي"، لطالما وصِفَ بأنه "هِبَةُ النيل". 

وجدت الدبلوماسية المصرية نفسها، مجردة من كثير من أوراق قوتها، في مواجهة "غطرسة" أثيوبية، لا تأبه بنداءات مصر ولا بمناشدات السودان، ولا تعبأ بتهديدات البلدين، فالقارة الأفريقية لم تعد "حديقة خلفية" للنفوذ المصري منذ سنوات وعقود، والأفارقة (الاتحاد والإيغاد)، لم يوفروا العون المُرتجى للمطالب المصرية (ومعظمها محق وعادل)، فيما حلفاء مصر العرب (الخليج بخاصة)، وبالذات في سنوات الربيع العربي العشر الفائتة، لم يظهروا القدر المطلوب من "الحماسة" لتدعيم الموقف المصري، حتى أن بعضهم بدا أقرب لأديس أبابا منه إلى القاهرة، وفي أحسن الأحوال، اختار بعضهم دور "الوسيط"، أو نأى بنفسه عن هذا النزاع، تاركاً في أوساط صنع القرار المصري، إحساساً عميق بالخيبة والخذلان. 

قبل تفاقم أزمة سدّ النهضة، كانت "المراصد" السياسية والأمنية المصرية، ترقب بكثير من القلق، كيف أن مغامرات بعض من حليفاتها الخليجيات في ليبيا، تكاد تنعكس وبالاً على الأمن القومي المصري، وتُفقد القاهرة، دوراً تاريخياً، لطالما لعبته في ليبيا، فحملات التجييش والتحريض على "الحسم العسكري" واحتلال طرابلس، وسياسات "النفخ" في قدرات الجنرال خليفة حفتر، ومداعبة أحلامه السلطوية، أفقدت القاهرة القدرة على تفعيل دبلوماسيتها، في الوقت الذي جعل التدخل التركي في ليبيا، خيار الحسم العسكري، متعذراً حد الاستحالة، لتجد القاهرة، منافستها الألد: أنقرة، على حدودها الغربية، بعد أن كانت تفصلها عنها مئات الكيلومترات...هنا، ستدرك القاهرة، وإن بعد فوات الكثير من الفرص الذهبية، أن خيارها الأوحد، لإدارة وتعظيم مصالحها في ليبيا، هي انتهاج سياسة مستقلة عن حلفائها "المغامرين"، وانتزاع زمام المبادرة، بالانتقال من موقع "الطرف" إلى موقع "الوسيط"، الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويستطيع أن يتحدث مع الجميع، وأن يستقبل ويودع في القاهرة، من شاء، ومتى شاء. 

وستكتشف القاهرة، بعد سنوات من محاربة "طواحين الهواء"، أن صراعها مع تركيا وإن كانت له أسبابه الكامنة في أطماع "العثمنة" الكامنة في خطاب وأحلام الرئيس رجب طيب أردوغان، يمكن أن يُدار على نحو أنفع لمصالحها وحسابات دورها الإقليمي، إن هي انخرطت بشكل مباشر، في الحوار مع تركيا، بدل انتهاج سياسات إقصائية، استجابةً لنداءات التجييش التي أطلقتها بعض العواصم الحليفة...هذه السياسة بدأت تعطي أُكلها، والطريق بين القاهرة وأنقرة، بات سالكاً و"آمناً"، وفي الاتجاهين معاً. 

تزامنت هذه "الصحوة" المتأخرة، للدبلوماسية المصرية، مع وقوع تطورين إثنين: أولهما وأهمهما، انتخاب إدارة جديدة في الولايات المتحدة، لا تحتفظ بكثير من الود، مع "الدولة العميقة" في مصر، وسجلها الحافل بانتهاكات حقوق الانسان...هنا، تُقدم القاهرة دورها الإقليمي المتنامي على أكثر من جبهة، وبالذات الجبهة الفلسطينية، بوصفه "واقعاً" لا يمكن لإدارة بايدن تجاوزه، أو التقليل من شأنه، على أمل أن يكون ذلك سبباً في تقليل اندفاعة لتحريك ملف حقوق الانسان والحريات في مصر، وجعله مجرد قضية ثانوية لا تؤثر بشكل على كبير، على مستوى العلاقات بين الجانبين. 

والثاني؛ تخبط دول خليجية، حليفة لمصر، بعد رحيل إدارة ترامب الداعمة والحليفة، والتي أولت السعودية والإمارات اهتماماً يفوق الاهتمام الذي أولته لمصر والأردن، وفي كثير من الملفات، أهمها الملف الفلسطيني...وإذا كان هبوط الدور الإقليمي لمصر قد ارتبط وتزامن مع صعود "اللحظة الخليجية" في العالم العربي، فإن صعود هذا الدور، يرتبط اليوم، ويتزامن، مع هبوط وتراجع هذه "اللحظة"، بعد سلسلة من الأزمات والهزات الارتدادية التي تسببت بها المغامرة اليمنية والمقامرة القطرية، لبعض حكام الخليج، وفي ظل "شرخ" في العلاقات مع واشنطن على خلفية حقوق الانسان، ومع استمرار التآكل المتراكم للنفط وعائدات، وبفعل المقاربة الأمريكية الجديدة حيال إيران وبرنامجها النووي...لقد انقلب المشهد الإقليمي، وتبدلت مواقف الأطراف ومواقعها، وثمة حالة من "السيولة" بين المحاور والمعسكرات المتقابلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد أزيد من عقد من التنافس والصراع وحروب الوكالة. 

في هذه البيئة الإقليمية والدولية، تتقدم القاهرة، لاستعادة ما تعتبره "إرثاً تاريخياً" لها، واللافت للانتباه أن أحداً لم يبد اعتراضاً، ظاهرياً على الأقل، لهذا المسعى المصري، إذ لم يكن أحد ليجرؤ على زعامة القاهرة، لولا أن الأخيرة تخلت بنفسها عن هذه المكانة...الآن، وقد قررت التقدم لاستعادة ما هو لها، فإن من اللافت للانتباه، أن أول من أقر بهذا "الحق"، هم خصوم القاهرة ومنافسوها، قطر التي لا تفتأ تشيد بالقاهرة وتثمن دورها على مسارات التهدئة وحل إشكاليات غزة الإنسانية والسياسية، وتركيا التي قال رئيسها أن مصر "ليست دولة عادية"، وأن تطوير العلاقة معها هو أمرٌ يتقدم جدول أعمال انقرة. 

ومن المتوقع وفقاً لكثير من المعطيات والتقديرات، أن تسعى الدبلوماسية المصرية، لتعزيز حضورها ودورها في عدد من دول الأزمات المفتوحة في المنطقة، لبنان واحد من هذه الدول كذلك، وثمة تقارير عن دور مصري "في القنوات الخلفية"، للمساعدة في تشكيل حكومة جديدة، وثمة حراك مصري كثيف على خط الأردن والعراق، ربما لشق طريق موازٍ (لا نقول بديل) لعلاقات مصرية – خليجية، ظلت تحتل مركز ثقل الاهتمام المصري لسنوات عدة...وليس مستبعداً أبداً، أن نرى هجوماً دبلوماسياً مصرياً على امتداد القارة الأفريقية، لاستدراك ما يمكن تداركه، ولعله تطورٌ محمّل بالدلالات، أن يؤدي الرئيس عبدالفتاح السيسي زيارة لجيبوتي، هي الأولى في التاريخ لرئيس مصري، وأن توقع القاهرة اتفاقات أمنية مع نيروبي بعدها بأيام. 

على أن سعي القاهرة لاسترداد ما كان لها من دور و"زعامة" إقليميين، سيظل يواجه بسؤالين اثنين: الأول؛ عمّا إذا كنّا أمام صحوة استراتيجية مستدامة، وبعيدة الأثر، أم أننا أمام "يقظة طارئة" أملتها ردة الفعل على أزمة سدّ النهضة الخانقة...والثاني؛ ما إذا كان سعي مصر لاسترداد حضورها الإقليمي سيكون متبوعاً بانفتاح على الداخل، وتعزيز مسار الحريات والإصلاحات، لحماية هذا الحضور وتطوير هذا الدور، أم أن القاهرة ستظل تعتقد، أن تعظيم دورها الإقليمي، سيصرف الاهتمام عن "شؤونها الداخلية"، ويرفع عن عنقها سيف الضغوط الدولية لمزيدٍ من الانفتاح والانفراج الداخليين. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.