يتردد كثيرا على ألسنة الإسلاميين والمتأسلمين مقولة: "لا كهنوت" في الإسلام. وهي مقولة مجانية مُخَادِعة، إذ لا دين بلا كهنوت؛ قَلَّ ذلك أو كَثُر؛ نَصيبًا مفروضًا. فكل الأديان وكل المذاهب تنشأ وتبقى من خلال اشتغال السلك الكهنوتي، الذي قد يكون واضحا وصريحا، ومُقِرًّا بصفته الكهنوتية ذات الطابع المؤسساتي، وقد يكون واضحا وصريحا، ولكنه غير مُعْتَرِف بها، أي بذات الصفة: الكهنوت، بل يهرب منها إلى صفات أخرى، يزعم أنها أوضح دلالة وأكثر خصوصية، وأبْيَن في التعبير عن واقع الحال، سواء في الراهن المعاش، أو في الماضي؛ عبر تاريخ الإسلام الطويل.
على أي حال، المُسَمَّيات الكهنوتية على اختلافها، وتنوّع شكّل المؤسسة الكهنوتية، والصورة النمطية لرجل الدين، والتباين في درجة "الكَهْنتة"، وما يَتفرّع عليها من ادعاء عصمة أو شبه عصمة، ومن ادعاء العلاقة المباشرة ـ وغير المباشرة ـ بالمتعالي، وبالحقائق المطلقة...إلخ؛ كل ذلك لا يُغَيّر من الحقيقة شيئا، وهي/ الحقيقة أن ثمة مُخْتصيّن بتدبير الشأن الديني ـ حقيقة أو زعما ـ يدّعون أنهم الأعلم من بين جميع الناس بما يجب على الناس في السياق الديني.
يقوم الوُعّاظ (وأحيانا يُطْلق عليهم: "العلماء" مجازا) والمتطوعة في تدبير الشأن الديني بالمُهِمّة الكهنوتية في الإسلام، منذ بداياته الأولى، خاصة بعد اتساع حركة الفتوحات في القرن الهجري الأول: الاستعمار العربي. آنذاك، أصبح المسلمون بحاجة إلى "مرشد ديني"، حيث الأغلبية الساحقة من المسلمين لم يتعرّفوا على الإسلام إلا حديثا، منذ بضع سنوات على الأكثر، إذ بمجرد إسلام القبائل العربية المتناحرة، أو بمجرد إعادة المُرْتدّ منها عن رِدّته، جرى الدفع بهم خارج جزيرة العرب في حركة شاملة ترمي لكثير من الأهداف (التي ليس هذا مجال تفصيلها). و ما حدث في النهاية هو أن المسلمين الجدد لم يكونوا قد استوعبوا الدين/ شرائع الإسلام في حدود الفترة القصيرة جدا؛ ما بين إسلامهم وانخراطهم في العمل المسلح، ذلك العمل الطموح والشامل الذي كان يُرَاد به مناطحة أكبر امبراطوريتين في عَالم القرن السابع الميلادي.
إذن، ثمة أعداد كبيرة من القبائل المُتَعسكِرة، الداخلة في الإسلام حديثا، وثمة بضعة عشرات من المثقفين في تفاصيل الدين الجديد. هكذا تبدو الصورة: المعروض قليل (= رجال الإرشاد الديني)، والطلب كثير (= القبائل المتعسكرة). وزاد من اتساع الفجوة بين العَرْض والطلب أن كثيرا من سكان البلاد المفتوحة/ المُستعمَرة حديثا دخلوا في الإسلام ـ خوفا وطمعا ـ، وأصبحوا في أشد الحاجة إلى الإرشاد الديني، أشد من أفراد القبائل/ الغُزاة الذين أسلموا قبلهم بسنوات. وهذا الارتفاع المزدوج في مستوى الطلب، رفع من القيمة الرمزية لـ"رجل الإرشاد الديني"، الذي تطوّر دوره واتسع ليكون مصدر تزكية دينية (هي في جوهرها، ومؤداها العملي: تزكية دنيوية)، حيث يمنح الناسَ صكوكَ الهداية، بقدر ما يمنحهم صكوك شهادة العدالة التي تفتح لهم أبوابا كثيرة على مجالات متنوعة من الاستنفاع الرمزي والمادي.
أصبح الوعظ الديني مُربحا. يحظى الواعظ منذ بدايته بمميّزات، ابتداء من طبيعة العمل: المريحة، قليلة المخاطر. فأصعب ما كان على الواعظ الديني ـ منذ نشأته ـ هو أن يذهب إلى المسجد ليسمع الحكايات من واعظ أكبر منه سنا وأحفظ منه لمأثور الأقوال. كل ما هو مطلوب منه: أن يقضي سحابة يومه في المسجد في ظل ظليل، موفور الطعام والشراب، بينما أقرانه في المزارع والمراعي يقضون أوقاتهم من مطلع الشمس إلى مغيبها في أعمال شاقة، تحت لهيب الشمس الحارقة، يكابدون ويلات الجوع وعذابات الظمأ في الصيف، أو تتجمد أطرافهم وتتهاوى أجسادهم في زمهرير الشتاء. والطامحون أكثر من أقرانه هناك، يقفون على جبهات القتال، يُرَاهنون بحياتهم على مغانم كثيرة، ولكنه ـ هو ـ سيظفر بأضعافها بعد بِضْع سنوات، سيظفر بها وهو متكئ على أريكته في مجلس قضاء أو في مجلس إرشاد ديني.
نعم، بقليل من الجهد، وبلا أي مخاطر تُذْكر، كان الواعظ الديني يحصل على كثير من المكاسب المادية والرمزية. وبين الرمزي والمادي تعالق وتفاعل. فالقيمة الرمزية التي سيحظى بها الواعظ بعد سنوات من الوعظ، ستعني ـ من جملة ما تعني ـ القدرةَ على التأثير في الجماهير، وبهذا ستكون مغرية للتوظيف السياسي. وحينئذٍ سيسعى الطامحون سياسيا إلى التقرب من رجال الوعظ الديني، وإغرائهم بما يستطيعون؛ كي يكسبوا ولاءهم، ومن ثم ولاء الجماهير التي تعتقد أنهم "رجال نزاهة" متجردون من مطامع ومطامح الدنيا، وأنهم أيضا "رجال معرفة"، على بصيرة بما يُرِيده الله يقينا، وفي مراد الله الخلاص/ النجاة، الله الذي هو أعرف من الناس بمصالح الناس في العاجل والآجل.
تتنامى قيمة الواعظ الديني/ رجل الكهنوت بتنامي الوظيفة وتعقّدها من جهة، وبثبات جدوى الدعوات الدينية في تغيير مجريات الواقع الاجتماعي/ السياسي من جهة أخرى. أصبح "الوعظ الديني" أربح تجارة، وأصبحت تجارة تتناسل في التلاميذ والتيارات، بل وأحيانا في الأقارب والأصهار؛ في محاولات حثيثة من كل طرف لاحتكار السوق الديني، أي لاحتكار الأرباح الهائلة الناتجة عن وظيفة "الواعظ الديني".
رجال السياسية/ الخلفاء والولاة عرفوا قيمة الواعظ الديني. وفي المقابل، الواعظ الديني عرف الإمكانيات الهائلة التي يمتلكها السياسي/ الخليفة والولاة؛ في تحديد قيمته وتكييفها في سلّم الوعظ الديني. من هنا، أصبح وقوف الواعظ الديني على أبواب الخلفاء مُسْتجديا في صورة زائر مرشد، وجلوسه على مائدته في صورة نديم مقرّب، تعبيرا صريحا، لا عن طَمعٍ مباشر مبتذل، بل عن ولاءٍ صريح ينتظر ثمنه المجزي في أقرب مناسبة، والمفترض أنها لا تطول، وإلا فاللسان فيه طول ! والقول منه جَليّ وخَفّي، وما لا يمكن الحساب عليه من لحن القول !
عندما يكون الواعظ الديني أذكى قليلا، وينأى بنفسه عن هذه الصورة الممعنة في الابتذال، كان الخليفة يفهم فحوى الرسالة، ويستجيب لها. وحينئذٍ، تقف مواكب الخليفة على باب بيت الواعظ، فيما تسبقه وتعقبه الهبات والعطايا من كل نوع. وعندما يرتقي الواعظ قليلا بقيمته، أي عندما يرفض وضع قيمته/ مكانته في مُزَايدة سوقية على هذا المستوى من الصراحة الوقحة، يفهم الخليفة (وهم المتمرس بمثل هذه المناورات!) أيضا الإشارة، وحينئذٍ يطلب منه أخذ هذه العطايا لا على سبيل أنها هبة مِنه له، بل على سبيل أنها دعم "حسن النية" للحراك الدعوي، وأن المطلوب منه فقط كـ"رجل زاهد" ليس أخذها والاستمتاع بها شخصيا/ عائليا، بل توزيعها على فقراء الطلبة، وصغار الوُعّاظ الذين لا يزالون في أدنى السلم الكهنوتي، أي لايزالون محتاجين إلى التعزيز المادي والرمزي. وكَرمُ الخليفة هنا هو نافذة، هو تحيّة عابرة، هو بارقة أمل لمن يُحْسِن التقاطها من الكهنة الصغار، الذين سيصبحون ـ إذا فهموا اللعبة جيدا ـ من الفائزين بمزيد من كرم الخليفة وبكثير من كرم الجماهير بعواطفها السخية، التي هي في النهاية مجرد عواطف بلهاء.
هكذا، وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، وبفعل هذا الديالكتيك الداخلي، تنامت قيمة الواعظ الديني. تحوّل الفقيه إلى مُشرّع وقاضٍ في آن، ومُوجّه للسلطة التنفيذية في كثير من الأحيان؛ فأحكم قبضته على الواقع بمستويات مختلفة، ولكنها في النهاية تحكي أن لا صوت يعلو فوق صوت الواعظ/ الفقيه. وكما يقول المفكر المغربي القدير/ محمد عابد الجابري: "إذا جاز لنا أن نسمي الحضارة الإسلامية بإحدى منتجاتها فإنه سيكون علينا أن نقول عنها إنها (حضارة فِقْه)، وذلك بنفس المعنى الذي ينطبق على الحضارة اليونانية حينما نقول عنها إنها (حضارة فلسفة)، وعلى الحضارة الأوروبية المعاصرة حينما نصفها بأنها (حضارة علم وتقنية)". ثم ينقل الجابري رأي المستشرق هاملتون جب، الذي رأى أنه قلما تغلغل الشرع في حياة أمّة وفي فكرها مثلما فعل في الأدوار الأولى من المدنية الإسلامية. ويرى الجابري أن الفقه هو أقرب منتجات العقل العربي إلى التعبير عن خصوصيته. (تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، ص96و97و339).
لكن، ثمة متغيرات كبرى في العصر الحديث، وخاصة في العقدين الأخيرين، فقد تَمَّ توجيه ضربات متتالية إلى الأساس الوظيفي الذي قامت عليه مُهِمّة الواعظ الديني، أقصد: الأساس المتمثل في ندرة المعلومة واحتكارها من قبل عدد قليل، مقابل تعذّر الوصول إليها من قِبَل الأغلبية الساحقة من المؤمنين. وَسائل البحث المعاصرة، ووسائل التواصل، وكثرة الوسائط المعرفية وتنوعها، كل ذلك جعل المعلومات الفقهية (التي احتكرها الواعظ/ الفقيه حينا من الدهر) متاحة للجميع. وهذا تسبب في أمرين أسهما إسهاما فاعلا في تراجع دور الكهنوت:
1ـ كثرة المعروض، وسهولة الوصول إليه، مما كان حِكْرا على رجال الدين. ومؤكد أن الندرة عامل في تحديد القيمة. فعندما يكون بإمكان كثيرين توفير البضاعة نفسها، بالجودة نفسها، وبالثمن نفسه أو أقل؛ ترخص قيمة المعروض، وتتراجع قيمة المشغلين به إنتاجا وتسويقا.
2ـ تراجع الثقة بالواعظ الديني، وخاصة في سياق الوعظ الديني التقليدي المتزمت. والسبب أن هذا النوع من الوعظ/ من الفقه "الأحوطي" أقام مجده على مستوى عالٍ من الانغلاق الذي يحجب معه الآراء الأخرى. وكان يريد من وراء ذلك إحكام سيطرته على المجتمع. وتحقق له شيء من ذلك؛ عندما كان البحث عن الأحكام وتفاصيلها وأدلتها يحتاج لوقت وجهد كبيرين. لكن، بعد اتساع دائرة الانفتاح، وتيّسر الوصول للمعلومة، اطلع أكبر عدد من الناس على أكبر قدر من الآراء التي تدحض أقوال/ أحكام وُعّاظِهم السابقين. وهنا، لم ينكشف جهل أولئك الوُعّاظ فحسب، وإنما انكشف كذبهم وتدليسهم وحجبهم لكثير مما يعرفونه؛ لا لشيء، إلا لأجل إبقاء الناس تحت هيمنة قناعاتهم الخاصة، التي تُبْقِي لهم ـ في النهاية ـ مكانةً اعتباريةً كبرى في سلم الكهنوت.
إضافة إلى ذلك، وفي علاقة تبادلية/ تفاعلية معه، جاء ضمور حالة التَّديّن؛ لِيُقَلِّل من الحاجة إلى الاسترشاد الديني أصلا. ما كان يُقْلق الأجيال الماضية، لم يَعُد يُقْلق هذا الجيل. حتى كثيرٌ من المتدينين، لم يَعُد التدقيق فيما هو "غير واضحٍ" و "غير مجمع عليه" في الدين، يأخذ شيئا من اهتمامهم، إذ اكتفوا بالمُحْكَم الديني الذي يعرفه الجميع، ويعترف به الجميع؛ لإدراكهم أن ما سواه محل نزاع جدلي طويل.
وإذ تكون النتيجة لكل ذلك تراجع الكهنوت، وانحسار دوره كفاعل في السياق الاجتماعي/ الجماهيري، فإن الحاجة إليه في التوظيف السياسي تراجعت بالتبع. مما أسهم ـ بدوره ـ في مزيد من التراجع، الذي يؤدي لمزيد من انتفاء الحاجة إليه في التوظيف؛ وهكذا دواليك.
اليوم، لم يبق إلا سدنة خطاب الإسلام السياسي الذين لا يجدون فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروعهم المتداعي إلا في محاولة رد الاعتبار لرجل الكهنوت، بوصفه الفاعل الاجتماعي القادر على امدادهم بالزخم الجماهيري الذي يحتاجونه، على الأقل؛ للبقاء في مستوى ما؛ من التأثير الاجتماعي الذي يحفظ لهم فتات ما بقي من المكتسبات المادية والرمزية التي كانت نتاج تضحيات كبيرة، وسنوات طويلة من الكدح والنضال.

