تركيا - علم
"كان ذلك 'الغول' المتخيل هو ظهور الأكراد ومسألتهم في ذلك البلد للوجود، وفقط كذلك"

يُمكن العثور على المشكلة الكُردية في كُل تفصيل مما ذكره الزعيم المافيوزي التركي، سادات بيكير، الذي اشتهر خلال الأسابيع الماضية، من خلال نشره لفيديوهات متتالية لاقت عشرات ملايين من المشاهدات والمتابعات، فضح خلالها وقائع وشبكات الجريمة المنظمة في تركيا طوال ربع قرن مضى، وعلاقة تلك الشبكات بكِبار رجال السياسة والجيش وعالم الأعمال في البِلاد.

هذه الأطراف التي كانت ذات دور في تأسيس وإدارة تلك الشبكات المافيوية. فجرائم بيكير، مثل غيره الكثيرين من زعماء المافيا المُنظمة الآخرين، كانت لغير صُدفة تؤدي إلى هدف واحد وبسيط، هو مَحْق أي إمكانية لظهور أكراد تركيا ومسألتهم إلى سطح حركة التاريخ. 

مثل غيره من زعماء المافيا التركية، الذين كشفوا أوراقهم خلال السنوات الماضية، فإن أهم ما في اعترافات بيكر ليس كشف الجرائم المُرتكبة أو فاعليها، وهي بعمومها كانت معروفة للكلام العام في البلاد، بل توضيحه لذلك الكم الهائم من الترابط والتداخل والتغطية السلسلة المُتبادلة بين المؤسسات العسكرية والسياسية والمالية والمافيوزية في ذلك البلد. فكُل هؤلاء المتناقضين كانوا على الدوام مُجمعين على أمرين حتميين: الهدف النهائي والمؤازرة و"المُساكتة" المتبادلة.

وكأنه ثمة غول هائل، يشعر جميع هؤلاء المتناقضين افتراضاً بتهديد عظيم متأت منه؛ لذا يتعاضدون لخنقه بكل الأدوات. كان ذلك "الغول" المتخيل هو ظهور الأكراد ومسألتهم في ذلك البلد للوجود، وفقط كذلك.

فوثائق واعترافات آلاف شبكات المافيا السياسية في تركيا كانت تقول حقيقة بسيطة، هي القابلية الرهيبة لـ "وحدات وطبقات القوة" في ذلك البلد، نواة ضُباط الجيش ورجال الأعمال ومجرمو المافيا وزعماء الأحزاب، على وضع تناقضاتها جانباً، والتركيز على هدف وظيفي جامع بذاته. 

في عقد التسعينيات فحسب، كان لزعيم حزب سياسي يسارية مثل بولند أجاويد أن يتساوى نظير آخر تقدمي مثل مسعود يلماظ، والاثنان مطابقان لإسلامي مثل نجم الدين أربكان وأخرى زعيمة لتيار قومي يمني مثل تانسو جيلر، والكُل طيِّع وقابل للتوافق مع زعماء الجريمة المنظمة، لممارسة القتل المنظم بحق رجال الأعمال والمثقفين والشخصيات الاجتماعية والسياسية الكُردية، وبتغطية من أجهزة الأمن والجيش، ودعم من رجال الأعمال، لخلق إرهاب جماعي لكتلة كُبرى من سكان البلاد، ومن خارج أي قانون أو بند دستوري.

مسيرة تسعينيات تركيا من القرن المنصرم كانت متمحورة على منع أفراد وتنظيمات الجماعة الكُردية حتى من التفكير بالمطالبة بالحد الأدنى من الحق السياسي الأولي لأي إنسان: الاعتراف بوجود جامعة أهلية اسمها الشعب الكُردي. باقي العقود كانت صورة مُطابقة لذلك تماماً، لكن مستوى القلق في الحياة السياسية خلال ذلك العقد، جعله الأكثر انكشافاً فحسب. 

ففي سبيل خلق ذلك الرُهاب، كانت جبال التناقضات الإيديولوجية والسياسية والمصالح وإمكانية الغدر المتبادل تذوب تماماً بين تلك الجهات الأربعة، ويجري التعاون فيما بينها بكل سلاسة، وكأنها بداهات ومُعطيات ثابتة. خصوصاً وأن تلك الطبقات المتعاونة كانت تتآمر على بعضها البعض في كامل الملفات الأخرى، مرة بعد أخرى، والتاريخ السياسي التركي شاهد كيف أن بعضها أوصل الآخر إلى حبال المشنقة أكثر من مرة، لكن ما حدث مرة أن غدرت ببعضها في هذا الملف بالذات.

النواة السببية الصلبة للمافيوزية السياسية وتعاقباتها المتتالية دون توقف في التاريخ التركي الحديث تتطابق مع النواة السببية النظيرة لحدوث الانقلابات العسكرية المتتالية في هذا البلد.

ففي كلا الحالتين، وبسبب وجود المشكلة الكُردية، فإن سلطة البلاد تجد نفسها مُجبرة على الانشطار إلى مستويين متوازيين: واحد ظاهر، مثوب بالخطابات وادعاءات قيم الجمهورية والحداثة والعلمانية والديمقراطية، تتعامل مع حاجات الكيان السياسي التركي، بالذات مع صورته وعلاقاته الخارجية. ومستوى آخر من الدولة، مخفي ومستبطن، هو عالم الخفاء "القذر"، الذي يجمع العصابات المنظمة بقيادات الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة العميقة، التي تمارس عنفاً منظماً من خارج القانون المُعلن، التي لها قانون واحد فحسب يُرشدها "محق بروز القضية الكُردية". 

على الدوام كان ثمة تعاون "مثمر" بين المستويين من الدولة، لكن الغريزة الداخلية لمؤسسة ونخبة الدولة العميقة كانت تتوجس من قدرات الدولة الظاهرة، من حيث عدم إمكانية تعاملها مع المسألة الكُردية من مبدأ المحق.

فنوعية المؤسسات والمعايير والقيم "المُرهفة" التي كانت تقوم عليها تلك الدولة الظاهرة، كانت تفسح المجال أمام بروز بداهة مثل المسألة الكُردية. لأجل ذلك فإن الدولة العميقة كانت تعمل على مؤازرتها بشكل رديف ودائم، تتولى المهام الصعبة عنها، تعمل على شكل شبكات من عصابات الجريمة المنظمة المسكوت عنها "المافيا السياسية" في الأحوال العادية، وعلى شكل انقلابات عسكرية في الحالات القصوى. 

تأسس الأمر منذ الأوقات التأسيسية للدولة التركية، وربما قبلها. فمع إرسال عصبة الأمم للجنة "كنج كرين" إلى المناطق الكُردية من تُركيا الحالية عام 1919، لتقصي آراء أهلها بشأن مصير علاقتهم مع الدولة التُركية، من حيث الانفصال عنها أو البقاء ضمنها حسب بنود اتفاقية سيفير، كان الجيش الكُمالي يُرسل جُنده إلى الأعيان الكُرد، ليمارسوا ترهيباً واضحاً ضدهم إذا ما طالبوا بغير ما كانت الكمالية تُفكر به في باطن وعيها، وهو إلغاء الكُرد تماماً. 

بُعيد ذلك الحدث مُباشرة، سار في تُركيا خطان من القضايا العامة، مُطالبات كُردية مُستمرة ما توقفت قط، على شكل ثورات وحروب وقوى سياسية، تطالب ببداهة الوجود، وديناميكيات مع أفعال الدولة العميقة غير المُعلنة، تريد خنق تلك البداهة، حيث أنه ليس لبداهة أن تُفند بأدوات المنطق العادية، خصوصاً لو كانت في دولة تدّعي تبنّي القيم السياسية للحداثة العالمية. 

بعد مرور سنوات قليلة من ذلك التأسيس، صارت هذه المسألة الكُردية بمثابة السببية التي تفعل شيئين مرتبطين: تسمح للجماعة الأهلية "القومية التركية المُسلمة السُنية الحنفية" أن تُحافظ على موقعها المتمايز، كقوة أهلية "صاحب الدولة"، وحيث ما كان لها أن تحفظ ذلك دون ذلك الغول الوظيفي الذي خلقته على شاكلة "المسألة الكُردية"، لأنها تعتبر نفسها جهاراً صاحبة مهمة تاريخية تتمثل في الحفاظ على وحدة البلاد.

الأمر الآخر تمثل بتحول المسألة الكُردية إلى الصمغ القادر على ربط مصائر مجموعة من الأقوياء المتناقضين، الجيش وأصحاب الأموال والساسة وزعماء المافيا، الذين لا يستطيع أحدهم أن يُلغي الآخر، بدعوى ما قد يخدم به ذلك الإلغاء المسألة الكُردية. وهؤلاء الذين، لولا المسألة الكُردية وما تشكله من تهديد لدعايتهم الخطابية وشكل مصائرهم المترابطة، لأوصل أولُ مستيقظٍ منهم صباحاً الآخرين النائمين إلى حبل للمشنقة.   

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.