أزمة اقتصادية طاحنة في لبنان
أزمة اقتصادية طاحنة في لبنان

*خواطر عن مايكل هدسون وهشام شرابي وأدونيس وحليم بركات ولبنان.

قبل أسبوعين توفي الباحث وأستاذ  العلوم السياسية والعلاقات الخارجية مايكل هدسون أحد أبرز المتخصصين الأميركيين في شؤون العالم العربي، ومؤسس مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون بواشنطن، في 1976، وهي السنة التي التحقت بها بقسم الفلسفة بجامعة جورجتاون لإكمال دراساتي العليا. 

بعد تخرجي من جامعة فيلانوفا، بولاية بنسلفانيا، قررت الالتحاق بجورجتاون لأكثر من سبب من بينها تميّز قسم الفلسفة فيها، ولأنها تقع في واشنطن، ولأنني كنت ارغب بالدراسة مع أستاذ التاريخ والفكر الغربي هشام شرابي. بعد وصولي بأيام عرّفني شرابي بمايك هدسون، الذي كان منذ البداية سخيا بنصائحه القيمّة التي ساعدتني في أيامي الأولى الصعبة في جامعة جديدة ومدينة جديدة، كما جددت صداقتي مع الكاتب والروائي حليم بركات الذي تعرفت عليه في بيروت.

لم أدرس مع هدسون أو بركات مع أنني كنت بين وقت وآخر اجد نفسي بين طلابهم، أستمتع بالمحاضرات دون تحمل عبء الامتحانات أو كتابة الاوراق. ومنذ 1976 ربطتني علاقات قوية بشرابي وبركات وهدسون ساعد في ترسيخها هاجسنا المشترك بمستقبل القوى الديموقراطية والتقدمية في العالم العربي خلال تلك الفترة الحرجة في أعقاب حرب  1973 والحرب اللبنانية التي بدأت في 1975، والتي لا يبدو أنها انتهت فعليا حتى الآن. 

 كان هشام شرابي عضوا في قسم التاريخ في جورجتاون، ولكنه كان معروفا بتدريسه لمادة تاريخ الفكر الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين. وكنت سعيدا عندما وافق مدير قسم الفلسفة على قبول صفي شرابي وكأنهما في قسم الفلسفة. في أول فصل لي بجورجتاون، التحقت بصف شرابي حول  تاريخ الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، حيث كان يطلب منا قراءة كتاب كل أسبوع بعد أن يعين طالبا ليقوم بمراجعة نقدية للكتاب قبل مناقشته من قبل الجميع. قرأنا هيغل وماركس وفيورباخ  ونيتشه، ودوستويفسكي وغيرهم، في مزيج رائع بين الأعمال الفلسفية والروائية .وفي الفصل اللاحق عن الفكر الأوروبي في القرن العشرين، قرأنا لينين، وجورج لوكاش، وهيربرت ماركوز، وموريس ميرلوبونتي وتوماس ماس، وغيرهم. هذين الفصلين كانا من افضل ما درست في جامعتي فيلانوفا وجورجتاون. كان شرابي يتألق في نهاية كل صف، بعد أن يستمع الينا، وهو يشرح الكاتب والكتاب والسياق التاريخي بأسلوب السهل الممتنع وبعمق مذهل. 

عندما أسس مايكل هدسون (ومعه هشام شرابي وحليم بركات وغيرهم) مركز الدراسات العربية المعاصرة في جورجتاون،  كان معروفا في الأوساط الاكاديمية بسبب كتابه الاول : "الجمهورية المتزعزعة ، التحديث السياسي في لبنان" الصادر في 1968، والذي يناقش فيه بعمق وبأسلوب نقدي بدايات الجمهورية اللبنانية ونظامها الطائفي المعقد والهش. الكتاب كان طليعيا، لأن هدسون ناقض التقويمات المتفائلة لبعض أساتذة العلوم السياسية والمؤرخين في لبنان حول ما اعتبروه خطأ المستقبل المشرق للجمهورية اللبنانية.

لم يتنبأ هدسون بالحرب الأهلية التي قوضت لبنان وتركيبته السياسية المترهلة بعد 7 سنوات من نشر كتابه، ولكن الذين قرأوا كتابه لم يفاجئوا بانهيار الصرح اللبناني الذي بني على الرمال. كتاب هدسون عن الجمهورية المتزعزعة في 1968، اكتسب أهمية كبيرة في السنوات والعقود اللاحقة، وأرسى سمعة هدسون كأكاديمي وباحث جدي .  

ولكن الكتاب الذي جعل هدسون مرجعا هاما لكل لمهتمين بالعالم العربي المعاصر والذي ارتبط به اسم هدسون، فهو كتابه الثاني الأهم والاوسع في مداه وبعده، والذي نشره في 1977 بعنوان  "السياسات العربية: البحث عن الشرعية". أذكر بعد ان أنهى هدسون مخطوطته، زرته مع هشام شرابي في مكتبه وكان متلهفا لمعرفة كيف سيستقبل زملائه في العالم الأكاديمي كتابه الجديد. وبعد ان أخبرنا عن آخر التعديلات التي أدخلها على النص طلب "من الهشامين" على حد قوله the two Hishams  ضاحكا أن يعثرا على نص عربي،  والأفضل ان يكون من قصيدة حول مفهوم الشرعية في التاريخ العربي القديم أو الحديث لاستخدامه في مطلع كتابه. عندما التقينا بعد بضعة ايام، قلت لهدسون بمزيج من السخرية والجدية ما معناه " لقد اكتشفت أنه لا توجد عندنا شرعية سياسية". وهنا نظر الي هشام شرابي وقال بتهكم، ما معناه " هذا ما اكتشفته بعد كل هذه السنين ؟". وهكذا خيّب الهشامين مايكل هدسون، ولم يساعداه في بحثه المضني عن الشرعية العربية المفقودة، هو وغيره من الأجيال العربية في تاريخ العالم العربي المعاصر.  

خلال هذه الفترة كان هشام شرابي يكتب الجزء الأول من مذكراته، والذي كان أول كتاب يضعه بالعربية، بعد أن نشر كل كتبه ومقالاته خلال حياته الاكاديمية باللغة الانجليزية. آنذاك تعهد شرابي بألا يكتب إلا باللغة العربية. ولكنه كان يعرف أن لغته العربية صدئة. وبدأ شرابي بتسليمي كل فصل يكتبه بخط يده لكي أطبعه له بعد تنقيحه وإصلاح أي أخطاء لغوية. أحببت المخطوطة وكنت أقضي وقتا طويلا وأنا أناقشها مع شرابي وكان يشاركنا حليم بركات في هذه الجلسات  وكان من بينها جلسات  طويلة كان يحضرها أصدقاء كثر في منزل حليم بركات كان خلالها شرابي يستمتع بقراءة مقتطفات طريفة من المخطوطة، ومن بينها فقرات حول زيارته لملهى ليلي في شيكاغو وكيف دهش أو صدم ( أو استمتع؟) بمهارة ومزايا الراقصات. 

 خلال كتابة هذه المذكرات عاد شرابي ليعيش من جديد في أواخر اربعينات القرن الماضي في بيروت خلال دراسته في الجامعة الأميركية وخلال علاقته الشخصية والحميمة مع أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي انتمي اليه شرابي آنذاك ( مع عدد كبير من المثقفين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين من مختلف الخلفيات ومن بينهم أدونيس وحليم بركات وسعيد تقي الدين وغيرهم) والأيام العصيبة والأخيرة لأنطون سعادة قبل إعدامه بطريقة سافرة ومجحفة  وبعد محاكمة ملفقة من قبل الحكومة اللبنانية، الأمر الذي أرغم شرابي على مغادرة بيروت والانتقال الى مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة لدراسة الفكر السياسي الغربي. بقي شرابي، حتى بعد ابتعاده عن الحزب القومي السوري، معجبا بشخصية وشجاعة ومناقبية انطون سعادة، وهو موقف مشابه سمعته مرة من أدونيس خلال إحدى زياراته للولايات المتحدة.   

بعد الانتهاء من كتابة المخطوطة، طلب شرابي مني ومن حليم بركات وأصدقاء آخرين اطلعوا على فصول من المخطوطة اقتراح عنوان شيّق. ولكن شرابي لم يأخذ بأي اقتراح قدمناه. ذات يوم التقيته وأنا خارج من مكتبة الجامعة، وقال لي بصوت عال قبل أن يقترب مني "حلينّا مشكلة العنوان". وأضاف باعتزاز بعد ان صافحته، "العنوان هو الجمر والرماد، شو رأيك؟"، وقبل ان أجيب، تابع "أدونيس اقترح العنوان". كنا جميعنا من محبي أدونيس وشعره وما يمثله هذا الشاعر العظيم من قيمة أدبية وفكرية في العالم العربي، وكنا من قراء مجلته الرائدة "مواقف" التي لعبت دورا تاريخيا كمنبر مستقل للكتابات النقدية لهزيمة 1967 ومن بينها مقالات المفكر السوري صادق جلال العظم، والنص المسرحي الرائد "حفلة سمر من أجل 5 حزيران " للكاتب المسرحي السوري سعدالله ونوس. وكان أدونيس صديقا حميما لشرابي وحليم بركات، وكنت قد تعرفت على ادونيس في بيروت حين كنت أشارك في مجلسه الأدبي الأسبوعي، بعد أن نشر لي بضعة قصائد اختارها من مجموعة بعثتها له في عدد خاص عن الشعراء الشباب في العالم العربي. طبعا عندما يقترح أدونيس عنوان لمذكرات هشام شرابي من سيعترض؟.  

عودة إلى مايكل هدسون ووصفه للجمهورية اللبنانية بالمتزعزعة. في السنوات والعقود اللاحقة نشر كثيرون من صحافيين وأكاديميين ومؤرخين كتبا ومذكرات عن لبنان وحروبه التي لا نهاية لها وجاريه اسرائيل وسوريا اللذين غزوه وانتهكوه مرارا – واحيانا كثيرة بمساعدة طرف او أطراف لبنانية – بعناوين مختلفة تضمنت كلمات أسوأ وأقسى بكثير من وصف هدسون للجمهورية اللبنانية بالمتزعزعة. كلمات مثل "تفكك" الدولة اللبنانية، او لبنان الدولة "المشروخة" او "الفوضى" اللبنانية، او "الشفقة" على الدولة اللبنانية، وكلها وصفات صحيحة للحالة اللبنانية المريضة. في هذا المسلسل الطويل للكوارث والمآسي اللبنانية، يبقى كتاب هدسون في 1968 ذو بصيرة متميزة ولا يمكن نكرانها حتى الان.  

قبل أيام نشر مرصد الاقتصاد اللبناني التابع للبنك الدولي تقريرا قاتما للغاية حول انهيار الاقتصاد اللبناني في السنوات الاخيرة، يلخص عنوانه جوهر الأزمة اللبنانية:  "لبنان يغرق (نحو أسوأ ثالث أزمات عالمية)". ويرى التقرير أن الأزمة المالية التي تعصف بلبنان في السنوات الاخيرة هي من بين عشرة أو حتى بين الأزمات الثلاث الاكثر حدة عالميا منذ أول ازمة مالية عالمية في 1857 أي منذ أكثر من 150 سنة. ويتطرق البنك الدولي الى الكوارث الثلاثة التي اصابت لبنان منذ أواخر 2019 وهي أسوأ ازمة مالية في تاريخ لبنان الحديث، وجائحة كورونا المستمرة من السنة الماضية، وكارثة انفجار مرفأ بيروت، وهو أكبر انفجار غير نووي في التاريخ. ومنذ الانفجار هناك فراغ حكومي  وعجز تام (مقصود الى حد كبير) في تشكيل حكومة قادرة على تحمل أبسط مسؤوليات الحكم. 

ويضيف التقرير ان هذه الاستجابات غير الملائمة للسلطات اللبنانية لا تعود الى نقص في المعلومات او الى توجيهات خاطئة، بل هي ناتجة عن عدة عوامل مجتمعة، ابرزها غياب الاجماع السياسي بشأن أي سياسات اقتصادية فعالة، وما يقابله من اجماع سياسي "في الدفاع عن نظام اقتصادي مفلس افاد البعض لفترة طويلة جدا. وفي وجه هذه التحديات يفتقر لبنان الى سلطة مركزية تعمل بشكل كامل وهو في طور تشكيل حكومته الثالثة في أكثر من عام واحد بقليل". 

يتحدث عن إ جمالي  الناتج المحلي في لبنان من حوالي 55 مليار دولار في 2018  الى حوالي 33 مليار في 2020 ، مع تراجع إجمالي الناتج المحلي للفرد بالدولار الاميركي  بنسبة حوالي 40 بالمئة . ويضيف التقرير أن مثل هذا الانهيار السريع يعزى عادة إلى النزاعات والحروب. ويؤكد التقرير ما يعرفه ويعيشه اللبنانيون أي ان أكثر من نصفهم يعيشون دون خط الفقر الوطني. ويستخدم التقرير في وصفه للأزمة الاقتصادية اللبنانية عبارات مباشرة وفظة وغير معتادة في مثل هذه التقارير التي تتسم عادة بلغة تقنية ومحايدة، مثل  "الكساد المتعمد " لأن الحكومة اللبنانية واجهت الأزمات الثلاثة المتعاقبة (الازمة المالية، والجائحة وانفجار المرفأ) "بسياسات غير ملاءمة عمدا " .  

خطورة الانهيار الاقتصادي اللبناني هي انه يزيد من مأساوية التفكك السياسي والطائفي والمذهبي في بلاد تعاني أصلا من ضعف سلطة القانون وعدالة القضاء ونزاهته. في مثل هذا المناخ غير الطبيعي تصبح سلطة الجماعات والقوى المسلحة التي تنشط خارج صلاحيات وسلطات الدولة، وأبرزها حزب الله ومؤسساته العسكرية والاقتصادية نافرة أكثر ، وأثرها على استمرارية الدولة اللبنانية أكثر خطرا. وهذا يفسر الى حد كبير ما يمكن تسميته "الاقتصاد المتوازي" الذي يبنيه حزب الله مقابل الاقتصاد اللبناني الهش. حزب الله يقوم على سبيل المثال بإنشاء محلات تجارية كبيرة لبيع بضائع  ومواد سورية وايرانية مهربة. وفي مثل هذا المناخ تبرز أكثر الى السطح مظاهر "الجريمة المنظمة" التي تجلبها كل الأزمات الاقتصادية الفادحة او النزاعات التي تؤدي الى تقويض السلطات الحكومية المركزية. آخر تجليات هذه الظاهرة الخطيرة هي اكتشاف السلطات السعودية في أبريل الماضي لاكثر من خمسة ملايين حبة من حبوب amphetamine Captagon كانت مخبأة في شحنة رمان من لبنان. 

بين الجمهورية التي وصفها مايكل هدسون في 1968 بالمتزعزعة، وجمهورية لبنان المنكوبة اليوم 53 سنة. بعد أقل من شهرين سيحيي اللبنانيون بوجع كبير الذكرى السنوية الاولى لانفجار مرفأ بيروت. ونستطيع أن نقول بثقة مطلقة ان اللبنانيين لن يسمعوا كلمة واحدة صادقة من أي مسؤول لبناني حول المسؤولية الاخلاقية والقانونية للدولة اللبنانية تجاه مئات القتلى وآلاف الجرحى وعشرات الآلاف  من المنازل والمباني والمحلات التي دمرها الانفجار كليا أو جزئيا. ولا داع للسؤال عن نتائج تحقيق غير موجود.  في الرابع من أغسطس المقبل سوف تبدو الجمهورية اللبنانية على حقيقتها الصارخة والموجعة  كجمهورية منكوبة.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.