إسرائيل - اليهودية
"شأن الإسرائيليين كما شأن الفلسطينيين واحد. لهؤلاء ولأولئك، هذا وطنهم، ولن يرحلوا"

الحديث هنا هو عن الإسرائيليين اليهود. والعنوان يثير دون شك حفيظة العديدين، بحقّ أو دونه. من حق الفلسطيني، الرازح تحت الاحتلال الصريح أو المموّه، أو في منافيه القسرية، أن ينقد وينقض وصف دياره أو ديار أهله بـ "الوطن" لغيره، فيما هو محروم من أي وطن. غير أن اعتراضه، وألمه، وإصراره على استعادة ما جرّد منه من حقوق، لا ينفي بأن حقوقاً أخرى قد تشكّلت، على مدى الأجيال المتعاقبة. هذه الحقوق المستجدة لا تلغي حقوقه، ولكنها لا تلتغي بها كذلك.

الحقوق لا تزول بالتقادم، سيما وإذا كان ثمة من يطالب بها. غير أن إطارها يتبدل، ولا بد من مراعاة التبدل، للإنصاف، للعدل، للموضوعية.

حين يكون الولد ابناً وحيداً لوالديه، فإن حقه هو أن يتوقع أن يرثهما بالكامل. حين يلد لأحد هذين الوالدين مولوداً جديداً، مهما كانت ظروف الولادة، فإن حق الولد الأول بالميراث يبقى قائماً، ولكنه لا يبقى على حاله السابق من الحصرية، فللولد الجديد حقوق مستجدة.

لا يفي هذا التشبيه الموضوع حقّه بالطبع، ولكنه يعبّر عن روح المقاربة التي من شأنها التأصيل لرواية غير إقصائية، فيما نقيضات هذه الرواية العتيدة تستفحل وتنتشر.

لكل من اليمينين القومي والديني في إسرائيل روايته، وهذه وتلك هي بأن الأرض يهودية الأصل والمنشأ والاستمرار، وإن بانكفاءات قسرية في مراحل متفرقة، ويهوديتها هي بفعل الوعد الإلهي (بالنسبة للدينيين) أو السجل التاريخي (بالنسبة للقوميين، وإن باعتماد الانتقائية المتعسفة). اليسار الإسرائيلي قد تراجع من حيث التأثير على مجتمعه، ولكن روايتيه، المادية والمعنوية، لا تبتعدان كثيراً عن مبتغى نظيرتيهما اليمينيتين.

مادياً، الوافدون اليهود، بفعل نشاطهم وجهدهم جعلوا من هذه الأرض المهملة ورشة تخضير وإعمار وإنجاز، فاستحقوها بعرقهم ودمهم. ومعنوياً، على هذه الأرض، بما تنضوي عليه من أبعاد عاطفية للشعب اليهودي، وجد هذا الشعب الملاذ الأخير بعد تاريخ طويل من الاضطهاد والتهميش.

بالتأكيد، ليس المطلوب أن يوافق المتابع الفلسطيني، أو العربي، أو المسلم، على مضمون هذه الروايات، والتي تختلف في العديد من تفاصيلها، ولكن تلتقي عند رسوخ العلاقة بين الإسرائيلي اليهودي ووطنه إسرائيل.

المطلوب، وحسب، هو الإصغاء إلى هذه القناعات على أنها تعبير عن قراءة صادقة مع نفسها تسعى إلى خير الذات، وإن كان منها أذىً للآخر فإن الأمر قد يستحق النظر أو لا يستحقه، ولكنه ليس القصد والغاية.

ربما أن الغرض الأصلح هو إيجاد السبيل إلى مواجهة قائمة على الإقرار بإنسانية الخصم، أو إلى تعديل حدة المواجهة والسعي إلى تصور لحلّ يوفّق بين الحقوق على تضاربها.

المعضلة، فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، هي أنه بدلاً من هذا الإقرار، وعوضاً عن السعي إلى تفكيك الروايات الإسرائيلية المنشغلة بذاتها، جرت مواجهتها بما يقابلها ويزايد عليها.

إزاء الروايتين الإسرائيليتين اليمينيتين، الدينية والقومية، ترعرعت ونمت وتعملقت في المحيط الإسلامي العربي الفلسطيني قراءات من جنسها. "أرض إسرائيل" هي أرض الميعاد للشعب المختار، بالنسبة للمتدينين اليهود، فإذ أن فلسطين هي "وقف للمسلمين"، والمسلمون هم "خير أمة أخرجت للناس"، بالنسبة للمتدينين الإسلاميين.

والانتقائية التي تبرز الأوجه اليهودية لتاريخ فلسطين على أن هذه الأوجه هي الأصل والأساس، وتهمل ما عداها على أنه الطارئ والدخيل، هي تلك المعتمدة في الخطاب القومي العربي، والتي تنظر إلى أي لمحة قابلة للاستيعاب عربياً في تاريخ فلسطين على أنها حلقة من العقد التاريخي المنظور، فيما ما عداها، ولا سيما اليهودي، هو المتطفل على تاريخ هذه الأرض.

والمنهك هنا هو أن الصيغة التوراتية لتاريخ فلسطين القديم، والتي تعتنقها الرواية الإسرائيلية اليمينية الدينية جهاراً، واليمينية القومية مع تلطيف قليل في تفاصيلها، تقبلها كذلك الرواية الدينية الإسلامية، وإن مع استنساب لأنبيائها ليصبحوا دعاة للإسلام السابق للرسالة المحمدية، بما يؤكد، وفق هذه الرواية، على أن فلسطين هي وقف إسلامي خالص.

بل الميل في قراءات المراجعة التاريخية النقدية في المحيط العربي هو أيضاً إلى التثبيت، الضمني على الأقل، للرواية التوراتية. فمذهب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" والذي أطلقه المؤرخ الراحل، كمال صليبي، قبل أن يبني عليه الكثير من الكتّاب النظريات المتعاظمة، نتيجته الأكيدة هي تحصين الرواية التوراتية من خلال تأصيل تفاصيلها، وإن عبر النقل الواهن لمكانيتها إلى اليمن. وكذلك الحال مع مذهب إعادة قراءة منشأ الإسلام والفترة السابقة له، والذي يجعل من المعقول، أو المقبول عقلياً، بديلاً بزعم التأكيد للرواية الدينية، دون موازنة للوقائع المتوفرة. هنا أيضاً، القبول تلقائي للرواية التوراتية.

ليس أن هذه الرواية التوراتية، جملة وتفصيلاً، بكافة دقائقها وكامل إطارها، غائبة عن المكان الفلسطيني وحسب، إلا من خلال بقايا مبهمة مجزوءة متشابهة تعذّب أشدّ التعذيب لإرغامها على ما يقارب بعض التماهي مع الهوامش المفترضة غير المدوّنة لهذه الرواية، بل إن هذه الأرض، وجوارها المتماسك معها، ولا سيما الحضارة المصرية العظيمة المشهودة، تحضن السجل الحافل لتاريخ مغاير مخالف مناقض للرواية التوراتية الدينية اليهودية الإسلامية، وإن أصرّ الجميع تقريباً على زعم توفيق المتناقضات.

بل المؤسف أن تنصب بعض جهود المفكرين المصريين المعاصرين، بدلاً من استعادة تاريخهم المغيّب، إلى مجهود عبثي يجد الحجة للرواية الدينية في الموروث المصري المنقطع (من خلال زعم تحديد هوية الفرعون التوراتي والقرآني وما شابه) وإن على حساب مضاعفة انقطاع هذا الموروث.

على أرض الواقع، المسألة الفورية هي الاحتلال، والذي يحرم الإنسان الفلسطيني من حقوقه غير القابلة للتصرف، وأولها الحياة والحرية والكرامة. ولكن هذه المسألة غارقة اليوم ضمن تأطير يجعل منها تفصيلاً وحسب بما يتعداها في رواية دينية تاريخية وجودية كبرى تلقي بظلالها على الروايات التي لا تريد أن تكون دينية المنشأ أو اللهجة.

يهودياً، كيف لا تكون الذروة الدينية عودة أبناء الشريعة الموسوية من الشتات والجالوت إلى أرض الميعاد، أرض الأسباط، أرض الأقداس، أرض الهيكل، وفق نص الوعد الإلهي، وبعد هيام في الأرض وتحقير ومعاناة دامت ألفيتين؟ كيف لا يكون الشعور بإحقاق الحق، وأبناء الآباء الثلاثة المتعاقبين، إبراهيم وإسحق ويعقوب، عادوا ليزرعوا الأرض ويبنوها، وليكونوا نوراً للأمم، ولسان التوراة العبري عاد ليكون لغة حيّة كما في زمن الأنبياء؟ هو زمن القيامة، دينية للمتدينين، وقومية أو حضارية أو إنسانية، لغيرهم، والجميع على تمسك واعتزاز بهويته اليهودية.

ربما يتعذر لأي طرف أو فصيل فلسطيني أن يتفاعل إيجابياً مع إسرائيل ما لم يستوعب عمق المشاعر التي تثيرها هذه القناعات.

السبيل الأسهل، دون اعتبار للجدوى، لم يكن فقط مقارعة العزة بالعزة، بل باستدعاء ما أمكن من الموروث الإسلامي، وإن من ضعيفه، وتعزيزه بالرصيد الغربي الثري جداً في طعنه باليهود، للإمعان بشيطنة جامعة مانعة لكل ما يمت لهم بصلة.

ليس أن إسرائيل ملائكية بالطبع. إسرائيل أخطأت، يوم قامت، مترددة ملتبسة مضعضعة، على أنقاض مجتمع  كان قائماً قبلها وانهار بفعل قيامها، ثم ضاعفت الخطأ حين تحوّلت من دولة قائمة على إشكالية مكانية، قابلة للاعتبار والحل، إلى دولة احتلال واستيطان واضطهاد لأهل الأرض الرافضين للاحتلال.

جوار إسرائيل من الدول العربية، ومعهم الأسرة الدولية برمّتها، ولا سيما منها الولايات المتحدة، بدورهم أخطأوا حين راهنوا على أن ظلم الاحتلال سوف ينحسر ويتلاشى. بل هو أسّس لتصلّب يولّد من المظلومية مظلوميات.

ومن المظلوميات المضاعفة التي انجرف إليها المجتمع الإسرائيلي مقولة يهودية الدولة وحصرية حق تقرير المصير باليهود. هي مسائل خطيرة لا بد للمجتمع الإسرائيلي من إعادة اعتبارها، ومن واجب كل صديق صادق لإسرائيل دعوتها إلى مراجعتها.

على أنه، وهنا الحقيقة الصعبة، ثمة أخطاء تؤسس لمظلوميات، ولا بد من تصويبها. وثمة أخطاء تؤسس لحقوق، ومن مضاعفة الخطأ السعي إلى تبديلها.

ما أصاب الفلسطينيين هو من الصنف الأول. ماضي الإسرائيليين هو من الصنف الثاني. من وجهة نظر قد لا يتفق معها معظمهم. لا هي بحاجة إلى موافقتهم، ولا هم بحاجة إليها.

لا بد من خطاب سياسي عربي يقرّ بالحقوق الإسرائيلية، ليس على أسس دينية عاجزة أن تصل إلى الإجماع، بل من منطلق عدلي حقوقي إنساني.

قد يكون عدد الفلسطينيين الذي أخرجوا من ديارهم مظلومين مقهورين عام ١٩٤٨ قد قارب المليون. هي نكبة أدمت القلوب وحرّكت الضمائر، عن جدارة وعن حق. الحديث في بعض أوساط محور المقاومة هو أن يرحل عن إسرائيل، فلسطين، ستة ملايين يهودي. أن يحزموا حقائبهم، أن يشتروا الشقق والعقارات في الغرب قبل أن ترتفع أسعارها.

ستة ملايين. ليت من يتحدث بهذا الحديث يدرك وقع ظلال هذا الرقم على الوجدان الإسرائيلي واليهودي. ستة ملايين. جيل المحرقة لم يندثر بعد. من يتوقع أن يحزم ستة ملايين من اليهود حقائبهم، ويمنّي نفسه بمعرفة طبائع "اليهود"، من جبن وكيد وغش، لا يكنه وطأة التاريخ.

تاريخ اليهود، كما تاريخ كل مجموعة ذات هوية وجدانية جامعة، بعضه وقائعي، بعضه متخيّل، وبعضه معاد الاكتشاف. بالنسبة لليهود، الوقائعي الذي لا خلاف بشأنه هي المحرقة وهو الإذلال والاستهانة، في الغرب وفي العالم الإسلامي على حد سواء. نعم، ثمة ملامح تنفس في الأندلس، وفي خضم الحضارة العربية الإسلامية. ولكن حذار زعم الانسجام الكامل.

موسى ابن ميمون وسعيد الفيومي وويهوذا اللاوي (وغيرهم) هم إلى اليوم مرجعيات أساسية في الصرح التاريخي الحضاري اليهودي، ولكن كل منهم كان مدركاً لمظلومية شعبه وداعياً لتعزيزه وللصبر رجاء الفرج الإلهي.

المقولة الإسرائيلية العامة، لحظة قيام الدولة، بعد مقتل ستة ملايين، كانت بمد اليد عبر الزمان والمكان إلى هؤلاء وغيرهم، في الغرب وما عداه، للتحامي إزاء تاريخ ظالم طويل.

هذا وطنهم. الإسرائيليون اليهود اليوم ليس لديهم وطن غير إسرائيل. تاريخهم يفيدهم أنها هي أرضهم، هي ملاذهم. ثم يستمعون إلى من يقول لهم إنه، انتقاماً لوقائع حدثت قبل ثلاثة أجيال، فليستعد ستة ملايين منهم أن يرحلوا.

لن يرحلوا.

أوهام؟ أخطاء؟ أكاذيب؟ ليست أكاذيب. هي مواقف صادقة مبنية على قراءة ذاتية لتاريخ ذاتي. أخطاء وأوهام؟ هذا تقييم موضع اختلاف. هي أخطاء بالتأكيد عند إهمالها لحقوق الآخرين، وهي أوهام، إنما مفهومة، حين تضاعف المظلومية التاريخية وتعمّمها حيث لا يقتضي.

ولكن أين الطرف الآخر، الفلسطيني، العربي، الإسلامي، من تقييم موازٍ لتعميماته ومبالغاته وأوهامه وأخطائه، ومن إشهار لحقوقه دون انتقاص أو تسوية، دون التفريط بحقوق الآخرين؟

السبيل الذي يبدو أن الفكر الفلسطيني والعربي والإسلامي قد جنح إليه هو البناء على القصور الإسرائيلي في الرؤية والتصور، واستعارته ومضاعفته، ليجري على التوالي تدوير المنتج إسرائيلياً، ويغرق الجميع في التوقعات الإقصائية القاتلة، ليمسي "العرب" لدى بعض الإسرائيليين عماليق التوراة المستحقين للإبادة، وليغدو "اليهود" في أوساط إسلامية وعربية وفلسطينية أعداء الدين إلى حين يقتلون يوم الدين.

واقع الأمر أنه ثمة جهود واسعة شاسعة مطلوبة هنا من الجانبين للخروج من الدائرة المفرغة للخطاب الذي يرتكز على نصوص دينية عاجزة أن تؤسس لأرضية مشتركة.

الحق الفلسطيني بالعودة والعدالة وبتقرير المصير وبالدولة، وبالهوية الوطنية، وبالتعويض عمّا أصابه من ضرر وضياع فرص، قائم بذاته دون منّة ودون منحة.

وكذلك كل ما يقابله من الحق اليهودي والإسرائيلي.

الإنسان والمجتمع في فلسطين تعرّضا لظلم تاريخي حرمهما من تحقيق الدولة الفلسطينية. على أن تصحيح هذا الظلم لا يمكن أن يكون بإنكار حقوق الآخرين، وإن كانوا ورثة من كانت له اليد العليا بظلم فلسطين.

الكلام عن تشريد أعداد اليهود الإسرائيليين إلى خارج وطنهم، ستة ملايين، لا جدوى منه. ليس الإسرائيليين كمّاً مفعولاً به على أي حال. ولكن، حتى إن اقترب هذا الكلام ممّا يعجزه من أطراف الواقع، فإنه كلام مرفوض من حيث المبدأ، وضرره كبير في التشويش على الحق الفلسطيني، بالإضافة إلى طعنه بالحق الإسرائيلي، وفي الإفصاح عن غياب المنظومة المعنوية المطلوبة كأرضية للسلام.

شأن الإسرائيليين كما شأن الفلسطينيين واحد. لهؤلاء ولأولئك، هذا وطنهم، ولن يرحلوا. والأجدى بمن هو في موقع التأثير لدى كل من الجانبين أن يباشر القول والفعل على هذا الأساس.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.