إسرائيل - اليهودية
"شأن الإسرائيليين كما شأن الفلسطينيين واحد. لهؤلاء ولأولئك، هذا وطنهم، ولن يرحلوا"

الحديث هنا هو عن الإسرائيليين اليهود. والعنوان يثير دون شك حفيظة العديدين، بحقّ أو دونه. من حق الفلسطيني، الرازح تحت الاحتلال الصريح أو المموّه، أو في منافيه القسرية، أن ينقد وينقض وصف دياره أو ديار أهله بـ "الوطن" لغيره، فيما هو محروم من أي وطن. غير أن اعتراضه، وألمه، وإصراره على استعادة ما جرّد منه من حقوق، لا ينفي بأن حقوقاً أخرى قد تشكّلت، على مدى الأجيال المتعاقبة. هذه الحقوق المستجدة لا تلغي حقوقه، ولكنها لا تلتغي بها كذلك.

الحقوق لا تزول بالتقادم، سيما وإذا كان ثمة من يطالب بها. غير أن إطارها يتبدل، ولا بد من مراعاة التبدل، للإنصاف، للعدل، للموضوعية.

حين يكون الولد ابناً وحيداً لوالديه، فإن حقه هو أن يتوقع أن يرثهما بالكامل. حين يلد لأحد هذين الوالدين مولوداً جديداً، مهما كانت ظروف الولادة، فإن حق الولد الأول بالميراث يبقى قائماً، ولكنه لا يبقى على حاله السابق من الحصرية، فللولد الجديد حقوق مستجدة.

لا يفي هذا التشبيه الموضوع حقّه بالطبع، ولكنه يعبّر عن روح المقاربة التي من شأنها التأصيل لرواية غير إقصائية، فيما نقيضات هذه الرواية العتيدة تستفحل وتنتشر.

لكل من اليمينين القومي والديني في إسرائيل روايته، وهذه وتلك هي بأن الأرض يهودية الأصل والمنشأ والاستمرار، وإن بانكفاءات قسرية في مراحل متفرقة، ويهوديتها هي بفعل الوعد الإلهي (بالنسبة للدينيين) أو السجل التاريخي (بالنسبة للقوميين، وإن باعتماد الانتقائية المتعسفة). اليسار الإسرائيلي قد تراجع من حيث التأثير على مجتمعه، ولكن روايتيه، المادية والمعنوية، لا تبتعدان كثيراً عن مبتغى نظيرتيهما اليمينيتين.

مادياً، الوافدون اليهود، بفعل نشاطهم وجهدهم جعلوا من هذه الأرض المهملة ورشة تخضير وإعمار وإنجاز، فاستحقوها بعرقهم ودمهم. ومعنوياً، على هذه الأرض، بما تنضوي عليه من أبعاد عاطفية للشعب اليهودي، وجد هذا الشعب الملاذ الأخير بعد تاريخ طويل من الاضطهاد والتهميش.

بالتأكيد، ليس المطلوب أن يوافق المتابع الفلسطيني، أو العربي، أو المسلم، على مضمون هذه الروايات، والتي تختلف في العديد من تفاصيلها، ولكن تلتقي عند رسوخ العلاقة بين الإسرائيلي اليهودي ووطنه إسرائيل.

المطلوب، وحسب، هو الإصغاء إلى هذه القناعات على أنها تعبير عن قراءة صادقة مع نفسها تسعى إلى خير الذات، وإن كان منها أذىً للآخر فإن الأمر قد يستحق النظر أو لا يستحقه، ولكنه ليس القصد والغاية.

ربما أن الغرض الأصلح هو إيجاد السبيل إلى مواجهة قائمة على الإقرار بإنسانية الخصم، أو إلى تعديل حدة المواجهة والسعي إلى تصور لحلّ يوفّق بين الحقوق على تضاربها.

المعضلة، فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، هي أنه بدلاً من هذا الإقرار، وعوضاً عن السعي إلى تفكيك الروايات الإسرائيلية المنشغلة بذاتها، جرت مواجهتها بما يقابلها ويزايد عليها.

إزاء الروايتين الإسرائيليتين اليمينيتين، الدينية والقومية، ترعرعت ونمت وتعملقت في المحيط الإسلامي العربي الفلسطيني قراءات من جنسها. "أرض إسرائيل" هي أرض الميعاد للشعب المختار، بالنسبة للمتدينين اليهود، فإذ أن فلسطين هي "وقف للمسلمين"، والمسلمون هم "خير أمة أخرجت للناس"، بالنسبة للمتدينين الإسلاميين.

والانتقائية التي تبرز الأوجه اليهودية لتاريخ فلسطين على أن هذه الأوجه هي الأصل والأساس، وتهمل ما عداها على أنه الطارئ والدخيل، هي تلك المعتمدة في الخطاب القومي العربي، والتي تنظر إلى أي لمحة قابلة للاستيعاب عربياً في تاريخ فلسطين على أنها حلقة من العقد التاريخي المنظور، فيما ما عداها، ولا سيما اليهودي، هو المتطفل على تاريخ هذه الأرض.

والمنهك هنا هو أن الصيغة التوراتية لتاريخ فلسطين القديم، والتي تعتنقها الرواية الإسرائيلية اليمينية الدينية جهاراً، واليمينية القومية مع تلطيف قليل في تفاصيلها، تقبلها كذلك الرواية الدينية الإسلامية، وإن مع استنساب لأنبيائها ليصبحوا دعاة للإسلام السابق للرسالة المحمدية، بما يؤكد، وفق هذه الرواية، على أن فلسطين هي وقف إسلامي خالص.

بل الميل في قراءات المراجعة التاريخية النقدية في المحيط العربي هو أيضاً إلى التثبيت، الضمني على الأقل، للرواية التوراتية. فمذهب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" والذي أطلقه المؤرخ الراحل، كمال صليبي، قبل أن يبني عليه الكثير من الكتّاب النظريات المتعاظمة، نتيجته الأكيدة هي تحصين الرواية التوراتية من خلال تأصيل تفاصيلها، وإن عبر النقل الواهن لمكانيتها إلى اليمن. وكذلك الحال مع مذهب إعادة قراءة منشأ الإسلام والفترة السابقة له، والذي يجعل من المعقول، أو المقبول عقلياً، بديلاً بزعم التأكيد للرواية الدينية، دون موازنة للوقائع المتوفرة. هنا أيضاً، القبول تلقائي للرواية التوراتية.

ليس أن هذه الرواية التوراتية، جملة وتفصيلاً، بكافة دقائقها وكامل إطارها، غائبة عن المكان الفلسطيني وحسب، إلا من خلال بقايا مبهمة مجزوءة متشابهة تعذّب أشدّ التعذيب لإرغامها على ما يقارب بعض التماهي مع الهوامش المفترضة غير المدوّنة لهذه الرواية، بل إن هذه الأرض، وجوارها المتماسك معها، ولا سيما الحضارة المصرية العظيمة المشهودة، تحضن السجل الحافل لتاريخ مغاير مخالف مناقض للرواية التوراتية الدينية اليهودية الإسلامية، وإن أصرّ الجميع تقريباً على زعم توفيق المتناقضات.

بل المؤسف أن تنصب بعض جهود المفكرين المصريين المعاصرين، بدلاً من استعادة تاريخهم المغيّب، إلى مجهود عبثي يجد الحجة للرواية الدينية في الموروث المصري المنقطع (من خلال زعم تحديد هوية الفرعون التوراتي والقرآني وما شابه) وإن على حساب مضاعفة انقطاع هذا الموروث.

على أرض الواقع، المسألة الفورية هي الاحتلال، والذي يحرم الإنسان الفلسطيني من حقوقه غير القابلة للتصرف، وأولها الحياة والحرية والكرامة. ولكن هذه المسألة غارقة اليوم ضمن تأطير يجعل منها تفصيلاً وحسب بما يتعداها في رواية دينية تاريخية وجودية كبرى تلقي بظلالها على الروايات التي لا تريد أن تكون دينية المنشأ أو اللهجة.

يهودياً، كيف لا تكون الذروة الدينية عودة أبناء الشريعة الموسوية من الشتات والجالوت إلى أرض الميعاد، أرض الأسباط، أرض الأقداس، أرض الهيكل، وفق نص الوعد الإلهي، وبعد هيام في الأرض وتحقير ومعاناة دامت ألفيتين؟ كيف لا يكون الشعور بإحقاق الحق، وأبناء الآباء الثلاثة المتعاقبين، إبراهيم وإسحق ويعقوب، عادوا ليزرعوا الأرض ويبنوها، وليكونوا نوراً للأمم، ولسان التوراة العبري عاد ليكون لغة حيّة كما في زمن الأنبياء؟ هو زمن القيامة، دينية للمتدينين، وقومية أو حضارية أو إنسانية، لغيرهم، والجميع على تمسك واعتزاز بهويته اليهودية.

ربما يتعذر لأي طرف أو فصيل فلسطيني أن يتفاعل إيجابياً مع إسرائيل ما لم يستوعب عمق المشاعر التي تثيرها هذه القناعات.

السبيل الأسهل، دون اعتبار للجدوى، لم يكن فقط مقارعة العزة بالعزة، بل باستدعاء ما أمكن من الموروث الإسلامي، وإن من ضعيفه، وتعزيزه بالرصيد الغربي الثري جداً في طعنه باليهود، للإمعان بشيطنة جامعة مانعة لكل ما يمت لهم بصلة.

ليس أن إسرائيل ملائكية بالطبع. إسرائيل أخطأت، يوم قامت، مترددة ملتبسة مضعضعة، على أنقاض مجتمع  كان قائماً قبلها وانهار بفعل قيامها، ثم ضاعفت الخطأ حين تحوّلت من دولة قائمة على إشكالية مكانية، قابلة للاعتبار والحل، إلى دولة احتلال واستيطان واضطهاد لأهل الأرض الرافضين للاحتلال.

جوار إسرائيل من الدول العربية، ومعهم الأسرة الدولية برمّتها، ولا سيما منها الولايات المتحدة، بدورهم أخطأوا حين راهنوا على أن ظلم الاحتلال سوف ينحسر ويتلاشى. بل هو أسّس لتصلّب يولّد من المظلومية مظلوميات.

ومن المظلوميات المضاعفة التي انجرف إليها المجتمع الإسرائيلي مقولة يهودية الدولة وحصرية حق تقرير المصير باليهود. هي مسائل خطيرة لا بد للمجتمع الإسرائيلي من إعادة اعتبارها، ومن واجب كل صديق صادق لإسرائيل دعوتها إلى مراجعتها.

على أنه، وهنا الحقيقة الصعبة، ثمة أخطاء تؤسس لمظلوميات، ولا بد من تصويبها. وثمة أخطاء تؤسس لحقوق، ومن مضاعفة الخطأ السعي إلى تبديلها.

ما أصاب الفلسطينيين هو من الصنف الأول. ماضي الإسرائيليين هو من الصنف الثاني. من وجهة نظر قد لا يتفق معها معظمهم. لا هي بحاجة إلى موافقتهم، ولا هم بحاجة إليها.

لا بد من خطاب سياسي عربي يقرّ بالحقوق الإسرائيلية، ليس على أسس دينية عاجزة أن تصل إلى الإجماع، بل من منطلق عدلي حقوقي إنساني.

قد يكون عدد الفلسطينيين الذي أخرجوا من ديارهم مظلومين مقهورين عام ١٩٤٨ قد قارب المليون. هي نكبة أدمت القلوب وحرّكت الضمائر، عن جدارة وعن حق. الحديث في بعض أوساط محور المقاومة هو أن يرحل عن إسرائيل، فلسطين، ستة ملايين يهودي. أن يحزموا حقائبهم، أن يشتروا الشقق والعقارات في الغرب قبل أن ترتفع أسعارها.

ستة ملايين. ليت من يتحدث بهذا الحديث يدرك وقع ظلال هذا الرقم على الوجدان الإسرائيلي واليهودي. ستة ملايين. جيل المحرقة لم يندثر بعد. من يتوقع أن يحزم ستة ملايين من اليهود حقائبهم، ويمنّي نفسه بمعرفة طبائع "اليهود"، من جبن وكيد وغش، لا يكنه وطأة التاريخ.

تاريخ اليهود، كما تاريخ كل مجموعة ذات هوية وجدانية جامعة، بعضه وقائعي، بعضه متخيّل، وبعضه معاد الاكتشاف. بالنسبة لليهود، الوقائعي الذي لا خلاف بشأنه هي المحرقة وهو الإذلال والاستهانة، في الغرب وفي العالم الإسلامي على حد سواء. نعم، ثمة ملامح تنفس في الأندلس، وفي خضم الحضارة العربية الإسلامية. ولكن حذار زعم الانسجام الكامل.

موسى ابن ميمون وسعيد الفيومي وويهوذا اللاوي (وغيرهم) هم إلى اليوم مرجعيات أساسية في الصرح التاريخي الحضاري اليهودي، ولكن كل منهم كان مدركاً لمظلومية شعبه وداعياً لتعزيزه وللصبر رجاء الفرج الإلهي.

المقولة الإسرائيلية العامة، لحظة قيام الدولة، بعد مقتل ستة ملايين، كانت بمد اليد عبر الزمان والمكان إلى هؤلاء وغيرهم، في الغرب وما عداه، للتحامي إزاء تاريخ ظالم طويل.

هذا وطنهم. الإسرائيليون اليهود اليوم ليس لديهم وطن غير إسرائيل. تاريخهم يفيدهم أنها هي أرضهم، هي ملاذهم. ثم يستمعون إلى من يقول لهم إنه، انتقاماً لوقائع حدثت قبل ثلاثة أجيال، فليستعد ستة ملايين منهم أن يرحلوا.

لن يرحلوا.

أوهام؟ أخطاء؟ أكاذيب؟ ليست أكاذيب. هي مواقف صادقة مبنية على قراءة ذاتية لتاريخ ذاتي. أخطاء وأوهام؟ هذا تقييم موضع اختلاف. هي أخطاء بالتأكيد عند إهمالها لحقوق الآخرين، وهي أوهام، إنما مفهومة، حين تضاعف المظلومية التاريخية وتعمّمها حيث لا يقتضي.

ولكن أين الطرف الآخر، الفلسطيني، العربي، الإسلامي، من تقييم موازٍ لتعميماته ومبالغاته وأوهامه وأخطائه، ومن إشهار لحقوقه دون انتقاص أو تسوية، دون التفريط بحقوق الآخرين؟

السبيل الذي يبدو أن الفكر الفلسطيني والعربي والإسلامي قد جنح إليه هو البناء على القصور الإسرائيلي في الرؤية والتصور، واستعارته ومضاعفته، ليجري على التوالي تدوير المنتج إسرائيلياً، ويغرق الجميع في التوقعات الإقصائية القاتلة، ليمسي "العرب" لدى بعض الإسرائيليين عماليق التوراة المستحقين للإبادة، وليغدو "اليهود" في أوساط إسلامية وعربية وفلسطينية أعداء الدين إلى حين يقتلون يوم الدين.

واقع الأمر أنه ثمة جهود واسعة شاسعة مطلوبة هنا من الجانبين للخروج من الدائرة المفرغة للخطاب الذي يرتكز على نصوص دينية عاجزة أن تؤسس لأرضية مشتركة.

الحق الفلسطيني بالعودة والعدالة وبتقرير المصير وبالدولة، وبالهوية الوطنية، وبالتعويض عمّا أصابه من ضرر وضياع فرص، قائم بذاته دون منّة ودون منحة.

وكذلك كل ما يقابله من الحق اليهودي والإسرائيلي.

الإنسان والمجتمع في فلسطين تعرّضا لظلم تاريخي حرمهما من تحقيق الدولة الفلسطينية. على أن تصحيح هذا الظلم لا يمكن أن يكون بإنكار حقوق الآخرين، وإن كانوا ورثة من كانت له اليد العليا بظلم فلسطين.

الكلام عن تشريد أعداد اليهود الإسرائيليين إلى خارج وطنهم، ستة ملايين، لا جدوى منه. ليس الإسرائيليين كمّاً مفعولاً به على أي حال. ولكن، حتى إن اقترب هذا الكلام ممّا يعجزه من أطراف الواقع، فإنه كلام مرفوض من حيث المبدأ، وضرره كبير في التشويش على الحق الفلسطيني، بالإضافة إلى طعنه بالحق الإسرائيلي، وفي الإفصاح عن غياب المنظومة المعنوية المطلوبة كأرضية للسلام.

شأن الإسرائيليين كما شأن الفلسطينيين واحد. لهؤلاء ولأولئك، هذا وطنهم، ولن يرحلوا. والأجدى بمن هو في موقع التأثير لدى كل من الجانبين أن يباشر القول والفعل على هذا الأساس.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.