قوة أمنية أردنية خلال مسيرة تضامنية مع فلسطينيين.
قوة أمنية أردنية خلال مسيرة تضامنية مع فلسطينيين.

نهاية ثمانينات القرن الماضي، وفي ذروة سباق الحرب الباردة وذروة ترهل الاتحاد السوفييتي كدولة باتت تشققاتها وتفسخاتها واضحة، خرج زعيم الكرملين سليل الحزب الشيوعي ميخائيل غورباتشوف بشعار "إعادة البناء - البيروسترويكا"، وفي بلاد ذلك "الصمت الفولاذي البارد" أطلق غورباتشوف أيضا شعار التحدث بصوت مرتفع - غلاسنوست.

في تلك الفترة، كان الكل يتحدث عن بيروسترويكا غورباتشوف، وسياسة إعادة البناء التي ينتهجها وقد اختارها مصطلحا بديلا عن "الإصلاح"، فالإصلاح كلمة توحي بسلبية كل ما سبق من خراب، أما إعادة البناء ففكرة محايدة لا تدين ما سبقها أصلا.

وفي تلك الفترة أيضا، انتشرت نكتة سياسية بين "السوفييت" مفادها أن سيدي الكرملين الأسبقين نيكيتا خروتشوف وجوزيف ستالين كانا في العالم الآخر يستمعان إلى كل هذا الضجيج القادم من موسكو والمتعلق بإعادة البناء "البيروسترويكا" والتحدث بصوت مرتفع "الغلاسنوست".

خروتشوف لم يستوعب الأصوات والمفردات، فسأل ستالين:
ـ رفيق ستالين، ماذا يفعلون؟
أجاب ستالين بابتسامة صفراء: إنهم يعيدون البناء.
فرد خروتشوف باستنكار: لكن لا يوجد شيء بنيناه، فما هو الذي سيعيدون بناءه؟

تلك نكتة قاسية جدا، وما حدث في الاتحاد السوفييتي كله كان قاسيا بعد عام ١٩٨٩ وقد انهارت المنظومة الاشتراكية وستارها الحديدي.

المقاربات مع تلك النكتة، وهذا النموذج في "إعادة البناء" تصبح ظالمة ومتجنية حين يتم إسقاطها على الأردن، فالأردن على صغر حجمه ومحدودية موارده يدخل مئويته الثانية التي لم يستطع "الاتحاد السوفييتي" بكل جبروته أن يصل إلى حوافها.

والأردن، على كل ما فيه من أزمات متلاحقة وهي أزمات تملأ داخله المحلي ويزدحم بها محيطه الإقليمي ، إلا أنه ( بكل أركان دولته) معارضة وموالاة ونخب حكم ومحكومين مدرك لحجم الخراب فيه، وينادي بالإصلاح لا بإعادة البناء، أما التحدث بصوت مرتفع فإن الغلاسنوست الأردني تفوق على كل صوت مرتفع في الحديث حتى لا تجد إلا ضجيجا في كل الحوار الأردني - الأردني.

مناداة جماعية توافقت على الإصلاح، بل إن الإشاعات عن لجنة ملكية سيطلقها الملك "من جديد" للإصلاح شملت أسماء رؤساء وزراء سابقين من نفس رجال الملك الذين أطاحت بهم موجات احتجاج شعبية في السابق، أو أن حضورهم في مواقعهم الرسمية في قيادات الدولة لا يكفيهم لتقديم أوراق اعتمادهم كمصلحين، وهذا مثلا ينطبق على رئيس مجلس الأعيان الحالي، وهو رئيس وزراء أسبق، وكان أيضا قد تولى رئاسة الديوان الملكي السيد فيصل الفايز، والذي يقود -بمبادرة فردية كما يقول هو - جلسات حوار وطني يستخدم فيها أروقة وإمكانيات مجلس الأعيان الذي يترأسه.

من بين الردود الساخرة بعمق على مبادرة السيد الفايز تداول وسائل التواصل الاجتماعي تصريحاته كرئيس وزراء عام 2004 بضرورة البدء بعملية إصلاح شامل، ثم مقارنتها بتصريحاته "كرجل إصلاح ورئيس مجلس أعيان" عام 2021 بضرورة البدء بإصلاح شامل! 

مبادرة السيد الفايز محاولة سياسية مكشوفة لتقديم نفسه أمام الملك "صاحب القرار" كرجل إصلاحي، وهي مبادرة كان مصدر "رسمي" قد أكد لي في اتصال سابق أنها لم تحظ برضى الملك نفسه، لكن الرجل قبل يومين استمر حتى النهاية في مبادرته "التي لم يرض عنها الملك" وقدم مخرجات "الحوار الإصلاحي" الذي قام به، وتحدث فيه مع من اختارهم ليسمعوه كمخرجات وتوصيات إلى مكتب الملك حسب ما أوردته الأنباء.

الملك - حسب مصدر رسمي آخر- لم يتلق مكتبه أي توصيات كما أوردت أخبار المواقع الأردنية، والصحافة الأردنية لم تكلف نفسها عناء السؤال عن مبادرة الفايز ومن كلفه بها (لا الملك ولا أي جهة من طرفه قامت بتكليفه)، والرجل كان - حسب صور جلسات الحوار- يجلس متحدثا من خلف صندوق زجاجي محيط به كوقاية من "الكورونا"، وهو ما يجعل المرء يفكر بالصورة كثيرا ويتخيل رمزيتها بعبث التفكير من جديد وتكرارا من داخل الصندوق!

--

لكن الملك يحسم أمره اليوم، ويشكل لجنة للإصلاح السياسي واسعة بأسماء ذوات محترمة ومتنوعة وثرية، ويترأس اللجنة السيد سمير الرفاعي، وهو أيضا رئيس وزراء أسبق في عهد الملك عبدالله الثاني، ووالده رئيس وزراء أسبق في عهد الملك الراحل حسين، وجده سمير الأول أيضا كان رئيس أكثر من حكومة في عهد كل من الملك عبدالله الأول والملك طلال والملك حسين رحمهم الله جميعا.

السيد سمير الرفاعي كان إلى فترة قريبة من أقرب المقربين للملك عبدالله الثاني، وقد تولى رئاسة واحدة من حكومات الملك مرتين، من عام 2009 حتى عام 2011، وقد استقال من منصبه بعد مظاهرات احتجاجية شعبية واسعة احتجاجا على سياسات حكومته الاقتصادية.

الرفاعي نفسه عام 2017، ومع موجة المطالبات الشعبية الواسعة بالإصلاح السياسي والإداري، قام بالتغريد شخصيا على حسابه في موقع تويتر بقوله إن جزء من حل الأزمات في الأردن "يتمثل بـ"خطة مارشال عربية".

الرفاعي أيضا في تشخيصه للحل الإصلاحي استعار مصطلحات التجربة السوفييتية حين يقول في تغريدته بان "المطلوب نسخة عربية من الغلاسنوست مع البيروسترويكا بدءا من مفهوم جديد للعلاقات بين الدولة والمواطن".

لا أفهم لماذا استعار رجل أرستقراطي ذكي تخرج من هارفارد فعلا (على عكس كل أدعياء المدرسة الهارفاردية) مصطلحات التجربة السوفييتية التي انتهت بانهيار الدولة السوفييتية، وكل المقارنات بين الحالتين مختلفة تماما بل وظالمة. كما أن الأردن ليس بحاجة إلى مفهوم جديد للعلاقات بين الدولة والمواطن!! وتلك عبارة مريبة ومضللة، فالأجدى ان يطالب دولة الرئيس المرشح لقيادة الإصلاح السياسي بلجنة واسعة الأسماء من ذوات محترمة ولها تقديرها، باستعادة مفهوم المواطنة نفسه، عبر استعادة الدولة المؤسساتية والدستورية وعدالة القانون لا غير.

--

على عكس الاتحاد السوفييتي وما قاله خروتشوف في النكتة القاسية، فإن في الأردن ما يمكن البناء عليه وليس إعادة بنائه، والأردن بحاجة إلى إصلاح لا إلى فك وتركيب، والبنية التحتية للدولة لا تزال متماسكة - رغم كل اليأس والتشاؤم- وهي قادرة على حمل مزيد من البناء مقابل إزالة التشوهات التي تعطل أي بناء إضافي في الدولة.

التحدث بصوت مرتفع موجود ومتوفر بكثرة في الأردن، ليس صوتا مرتفعا وحسب، بل أصوات مرتفعة ومتداخلة ومتشابكة حد الضجيج السمعي والسياسي، والكل ينادي بنفس المطالب، والكل يصرخ بها ويدعي أنه الأقدر على إنجازها، حتى باتت عملية الإصلاح السياسي في الأردن تشبه الطرفة التي تسخر من إصلاحات الطرق والشوارع بقلب كلمات اليافطة التحذيرية إلى : نأسف لأجلكم ونعمل لإزعاجكم.

مؤخرا، تعرض الأردن لأزمات حقيقية غر مسبوقة، أربكت العرش نفسه. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

لقد تعرض الأردن لأزمات عديدة وقوية في تاريخه، كان ميزته فيها أنه تخطاها بثقة وبدون ارتباكات في الدولة المتماسكة حينها على ذاتها بكل مؤسساتها.

هذه المرة، الأردن مرتبك، فالأزمات هذه المرة أطرافها قوى في الدولة نفسها.

آخرها وأمام استحقاقات الإصلاح السياسي الضرورية، تصبح أزمة شاب مغمور "وتغمره الإلتباسات في تصرفاته الشخصية" وقد وصل إلى مقعده النيابي بداية عبر قانون انتخاب ممسوخ مثل الوعي الانتخابي للناس، تصبح تلك الأزمة قادرة على توجيه الرأي العام في مكونه الشرق أردني نحو انكفاءات قبلية وعشائرية يرى فيها "شباب" بديلا آمنا عن الدولة التي غابت مؤسساتها.

تداعيات ما بعد أزمة الشاب النائب المفصول، هي الأكثر خطورة حين نقرأها اليوم.

بينما يقف الملك بكامل لباسه العسكري وبجانبه ولي عهده وأبنائه الأمراء وخلفه أركان الدولة كلهم، يحتفل بمئوية الدولة وتوزيع الأوسمة الكثيرة جدا على كل من ساهم ببناء المائة عام الأولى في كافة مراتب وتاريخ الجيش والأمن، تضج وسائل التواصل الاجتماعي بتجاذبات جدلية عصبية ومتطرفة في طروحاتها، على خلفية مشهد عودة أسير أردني - من أصل فلسطيني- وقد كانت جهود الدبلوماسية الأردنية الرسمية سبب الإفراج عنه، ليتغنى البعض بالمخيم الفلسطيني (والمخيم حالة اجتماعية أردنية بالمحصلة)، فيرى الطرف العشائري في ذلك استفزازا يدعوه للتغني بالعشيرة والهتاف للشاب المغمور" الملتبس بحالته" أحيانا، فيرد البعض بالمقابل إلى مطالبات بإلغاء اسم العشيرة من بطاقة الهوية، ليشتعل الجدل من جديد وتبدأ تراشقات التهم والتخوين والانتقاص والإلغاء.

جدل معيب ومخجل لا يقوده من عاشوا دمامل "أيلول" السبعيني، بل شباب صغير السن ورث الدمامل بكل قيحها الإقليمي ويتحدث بلغة "التفوق العشائري" غير مكترث بمفهوم الدولة وهي تدخل مئويتها الثانية، يقابله شباب "أردنيون من غرب النهر" يتبنى أدبيات خطاب منظمة التحرير الفلسطينية البائسة كبديل عن مواطنته التي لا يجدها بكامل أهليتها الدستورية في الدولة الأردنية.

بين كل هذا وذاك في ارتباكات اللقطات المتتابعة والمختلفة في المشهد نفسه، تأتيك لقطات جانبية مقابلة في الاتجاه وموازية في الجهل للقطات النائب المغمور "الملتبس بحالته"، حين يتحدث نائب مغمور آخر بانفعال وتحت قبة البرلمان حيث التشريع والرقابة الدستورية فيصرخ بأنهم مستعدون للقفز فوق الدستور من أجل الملك!

كل هذا المشهد الضاج بالتناقضات ورئيس الحكومة الأردنية يتمكن بجدارة أن يكون أول تجسيد حقيقي لجملة شعرية من أشعار محمود درويش الذي قال في حضرة الغياب:
(وقل للغياب، نقصتني، وانا حضرت لأكملك).

--
في الخلاصة:

فالمطلوب، ليس بيروسترويكا، وبالتاكيد لم يعد الأردنيون بحاجة إلى مزيد من الغلاسنوست، فقد فاض بهم ضجيج الجعجعة بلا أي طحن ولا طحين.

هناك فعليا ما يمكن البناء عليه، كان موجودا دوما ولا يزال حاضرا على الرف وقد غيبته صراعات مراكز القوى. الدولة والدستور والقانون.

والإصلاح يتطلب حوارا، نعم، لكن الإصلاح أيضا يحتاج إلى تراتبية واضحة في بناء فكرته. خارطة طريق واضحة تتجاوز الإنشاء والمقالات التي لا تصلح إلا لتكون سلالم تسلق وظيفية امام الملك.

الإصلاح، يتطلب إزاحة التشوهات البارزة جدا للعودة إلى الشكل الأصلي للدولة.

الإصلاح.. في الدولة يتطلب حضور مؤسسات الدولة في مكانها الطبيعي والدستوري.

وهذا كله لا يقدر عليه بطبيعة الحال والأحوال إلا رأس الدولة الذي يملك الصلاحيات أن يحمي نفسه وعرشه والدولة بأن يكون فعلا حسب الدستور" مصونا من كل تبعة ومسؤولية" لا بصلاحيات أكثر لديه، بل بإعادة صلاحيات مؤسسات الدولة وإعادة تفعيلها بوظائفها الأصلية، فيكون الملك حينها مصونا بحق من كل تبعة ومسؤولية، تلك التبعة والمسؤولية التي تراكمت وتضاعفت وتوالدت ولا تزال فترهقه وترهق العرش والدولة كلها معه.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.