تجدد الاشتباكات بين رجال الأمن ومؤيدين للنائب أسامة العجارمة
"قصة ما حدث مع العجارمة فتح الباب لمناقشات عن صناعة الأزمات وتخليقها، والقدرة على احتوائها ومعالجتها"

تدحرجت كرة النار التي أشعلها النائب السابق أسامة العجارمة حتى كادت أن تحرق الأخضر واليابس في الأردن. 

قرار تجميد عضوية العجارمة لمدة عام بعد كلمة "طز بمجلس النواب"، ما عادت القضية التي تشغل الرأي العام، بعد أن أتبعها بسلسلة فيديوهات اعتبرت عصفا وتخريبا للسلم الأهلي، وتضمنت ما فُهم بأنه تهديد باغتيال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. 

"عشنا حتى سمعنا من يُهدد علنا بقتل الملك برصاصة بين العيون" بهذه الكلمات لخص الإعلامي ماهر أبو طير المشهد في مقالته في جريدة الغد الأردنية، ولهذا فإن النواب لم ينتظروا طويلا، وجاء ردهم عاجلا وسريعا، فقرروا إهمال استقالة العجارمة وفصلوه بأغلبية ساحقة خلال جلسة لم تستمر أكثر من 10 دقائق، ألقى خلالها رئيس مجلس النواب عبد المنعم العودات بيانا اتهم فيه العجارمة بالإساءة للملك، والعشائر الأردنية، وزعزعة الأمن والاستقرار، واصفا حديثه بـ "تفوهات منحرفة". 

العجارمة الذي حظي بتعاطف شعبي بعد قرار تجميده بسبب كلمة عابرة تحت قبة البرلمان، لم يعد هذا "المخلص البطل" الذي نظر إليه البعض بإعجاب، بل أصبح يجسد شخصية غوغائية تشهر السيف والسلاح، وتحشد العشيرة والقبيلة في وجه الدولة. 

أكثر نموذج صارخ لركوب موجة التحشيد حتى ولو عبر التهشيم والتفتيت، ما قاله النائب السابق أحمد عويدي العبادي في مهرجان تضامني مع العجارمة "نحن خط من جهنم وليس خطا أحمر (يقصد العشائر)، إياكم أن تستخدموا كلمة خط أحمر، 'خط أحمر' للمرتزقة، للمقاطيع، للمجنسين، للمدنسين الذين يحمون أنفسهم بالقانون، نحن نحمي أنفسنا بالله أولا، ثم بشرعية التراب، ثم بشرعيتنا وهويتنا الوطنية، ثم بتاريخنا". 

كلام العبادي ليس أقل ضررا وخطرا مما قاله العجارمة، فهو لا يتوقف عند الطعن بالنظام السياسي، والدولة باعتبار العشيرة مكونا فوق الجميع، بل تمتد سكينه للطعن في المكونات المجتمعية، وتوصيفها بما لا يليق بالحفاظ على وحدة الشعب. 

طرد العجارمة من مجلس النواب لن يكون الإجراء الأخير، فالمتوقع بعد أن سقطت حصانته أن يلاحق باتهامات جنائية بعد أن تتأكد الدولة من إطفاء الحرائق التي أشعلها. 

قصة ما حدث مع العجارمة فتح الباب لمناقشات عن صناعة الأزمات وتخليقها، والقدرة على احتوائها ومعالجتها، وسلط الضوء بقوة على ضرورة بناء البدائل السياسية في المجتمع عوضا عن الاستغراق في ترسيخ الهويات العشائرية، وأعاد إلى الواجهة النقاش القديم الجديد عن علاقة السلطة بالعشيرة في الأردن. 

في الشارع قناعات تترسخ أن الأزمات في بلادنا صناعة، والحكاية التي لا تُنشئها السلطة بإراداتها، فإنها تستثمر بها، وتوظفها وتأخذها إلى اتجاهات تريدها، وكل يوم تتناسل الأزمات التي تأخذ الرأي العام إلى أولويات لا يريدها، وإلى صراعات ومماحكات ليست على أجندته. 

قضية العجارمة كشفت هشاشة البنى السياسية التي يفترض أن تكون قادرة على امتصاص الغضب الشعبي، وعن غياب قيادات سياسية يستمع ويصغي لها الناس المحبطة، وسهولة التحشيد تحت شعارات مناوئة للدولة، والقدرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء قبل تشكيلات الدولة رغم مرور 100 عام على تأسيسها، وإلى خطورة السياسات الحكومية التي عززت على مر العقود شراء الولاءات، ورسخت الهويات الفرعية، والمحاصصة بديلا عن معايير المواطنة والعدالة وسيادة القانون. 

تاريخيا تكرست صورة نمطية في الأردن مفادها أن العشيرة تعبير خالص عن الولاء للنظام والعرش، واستخدمت كمعادل لحفظ التوازن مع المكون الفلسطيني في المجتمع، ولهذا فإن الإيماء والدفع لانقلاب القبيلة والعشيرة على السلطة كان ضربا من الجنون لا يمكن القبول أو التسليم به، ومن الضروري مواجهته حتى ولو بيد من حديد. 

العجارمة الذي شكك متابعون بسلامته الذهنية سعى إلى قلب المعادلة، وتجييش العشيرة ضد السلطة، لا بل التمرد ضد الدولة، كما وصفه النائب عمر العياصرة. 

جدلية العلاقة بين العشيرة والسلطة مرت بمراحل متباينة حسب تشخيص أستاذ العلوم السياسية والإعلامي الدكتور حسن البراري، فهو يرى ابتداءً أن العشائر ساهمت في تأسيس الدولة، وأعقب ذلك وخلال فترة الانتداب البريطاني وسلطة كلوب باشا إخضاع العشائر تحت عباءة الدولة، وتعززت المنافع والعلاقة الريعية، وفي مرحلة المد القومي في خمسينيات القرن المنصرم سُيِّست العشائر واستخدمت كرأس حربة في مواجهة القوى السياسية القومية، وكانوا ظهيرا للنظام السياسي، ومعهم الإخوان المسلمين. 

لاحقا يعتقد البراري أن الدولة الأردنية تراجعت عن علاقتها الريعية بالعشيرة بعد ظهور ما سماهم التيار الليبرالي الذي قاد البلاد، وعاد النظام سريعا للاستقواء بالعشيرة للصمود خلال الربيع العربي، والآن يعمل على تطويع العشائر للتكيف مع معطيات الحلول الإقليمية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. 

باختصار تغيرت الأحوال ولم تعد القبيلة والعشيرة مضمونة أو بـ "جيب" أحد، ولم يعد ممكنا شراء ذمم الجميع واحتوائهم، فوجهاء وشيوخ القبيلة والعشيرة ثبُت بالأزمات أنهم ما عادوا قادرين على ضمان ولاء الجميع وطاعتهم العمياء للنظام، وأصوات الشباب المخالفة باتت تتصدر المشهد. 

تراكم الاخفاقات السياسية، وفشل مشاريع التنمية بالأطراف ساهم في تعزيز روح التمرد ضد السلطة، وكذلك فإن نمو جيوب الفقر، وتفاقم البطالة كرس بشكل لافت تنامي الإحساس بالمظلومية، ورفض التساوق والتماهي مع "شيوخ" العشيرة الذين استفادوا مقابل سكوتهم وولائهم، وملخص القول "لم تعد العشيرة مطية لأحد". 

تتعمق الأزمات في الأردن، والمشهد الذي أحدثه العجارمة ليس من السهل رتقه بمعالجات أمنية، أو تسويات سياسية مؤقتة، فالمؤكد أننا نقف فوق "حقل ألغام" قد ينفجر فينا في أي لحظة. 

قانون انتخاب جديد، أو لجنة حوار وطني، وكذا الأمر حل مجلس النواب، وتشكيل حكومة جديدة كلها سيناريوهات متوقعة، وممكنة، وقد تمتص قليلا من الغضب، وتُبقي الأبواب مفتوحة لحلول محتملة، ولكنها أبدا لا تضمن مسارات آمنة لمستقبل البلاد، فذاك رهن بالإيمان أن لا خيار أمامنا للنهوض سوى الديمقراطية، وبناء الدولة المدنية، وكل يوم نتأخر عن المضي في الطريق تزيد المخاطر، ويكثر العابثون والمشككون، ويتعمق الإحباط. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.