عبيد الإنسان وعبيد الأديان
التفسيرات الدينية هي عمل بشري قام به أشخاص

يحكى أنه في أواخر زمن العبودية في الولايات المتحدة وعندما بدأ تحرير العبيد بصورة جماعية كان هناك من بين العبيد من رفض مغادرة منزل سيده السابق، وفضل البقاء فيه على الحرية.

وكان منطقه بسيطا وهو أنه عاش طوال حياته يعتمد على الغير في تدبير أمور معيشته، بينما الآن سوف يتعين عليه أن يعتمد على نفسه في كل شيء من توفير المسكن والطعام وما شابه ذلك، وهو ما لا طاقة له به أو عليه. 

ما فعله هؤلاء العبيد ينطبق بصورة أو بأخرى على العديد من المسلمين اليوم. فهناك من هؤلاء من يرفض التفسيرات الإيجابية والخيّرة والتي تحث على المحبة والسلام في الدين ويصر على التفسيرات التي تحرض على الكراهية والعداوة للآخر المختلف عنهم. فهم قد اعتادوا على ذلك وألفوه. 

وحتى عندما تتاح لهم الفرصة في أن تكون لهم تصوراتهم الخاصة بشأن الدين الذي يعتقدون فيه، فإنهم يرفضون ذلك ويصرون على اتباع ما جاء في كتب الأموات والغابرين من تفسيرات وأقوال ما أنزل الله بها من سلطان.

تقول لهم إن التفسيرات الدينية هي عمل بشري قام به أشخاص وربما هم فسروا ذلك ضمن الظروف التي عاشوا فيها وضمن مستوى فهمهم وما اعتادوا عليه في بيئاتهم.  

فيردون بأن هؤلاء هم السلف الصالح وعلينا اتباعهم، فهم أعرف وأعلم وأقدر منا على الفهم والتفسير، وما نحن سوى أناس عاديون لا قدرة ولا طاقة ولا سلطة لنا على فهم النصوص ومعرفة مضامينها!

بل أنهم يذهبون أبعد من ذلك في تقديس هؤلاء الأشخاص وإضفاء الحصانة عليهم من النقد ويغضبون بصورة هستيرية كلما تم انتقاد واحد من هؤلاء، كما يحدث اليوم مع الانتقادات الموجهة إلى "صحيح البخاري" أو غيره من كتب التراث الديني.

وهم لا يكتفون بذلك، وإنما يتبنون هذه التفسيرات في كل مجال من مجالات الحياة المعاصرة.

وكلما خطى أحد خطوة نحو التفاهم وإقامة الجسور بين المسلمين والمسيحيين واليهود أشهروا عليه سيف "لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ... ".
وكلما حاول أحد أن يمد يد السلام والتفاهم مع الآخرين ثاروا عليه مذكرينه "ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم.. ".

في كل موقف وفي كل عمل تحضر التفاسير الأكثر تطرفا وشعوذة، ويذهب المنطق والحديث العقلاني أدراج الريح. بل أن بعض هؤلاء يظهر من الغفلة والازدواجية ما لا حدود له. فهو يعتقد في نفسه بأنه من أكثر أهل الأرض مسالمة ووداعة وتسامحا تجاه الآخر المختلف عنه، بينما على أرض الواقع هو يتصرف عكس ذلك تماما.  

أنظر على سبيل المثال كيف تعاملت أمانة العاصمة الأردنية عمان مع عبارات من الإنجيل وضعتها جمعية دار الكتاب المقدس على يافطات تهنئة بعيد استقلال المملكة (كما تفعل كل عام)، وكيف أزالتها متذرعة بأنها "تسيء للأخلاق العامة السائدة في المجتمع"!    

بل أنظر كيف رد اللواء تامر الشهاوى عضو مجلس النواب ولجنه الدفاع والأمن القومي المصري السابق على الإعلامي إبراهيم عيسى الذي تساءل: ماذا يضير المسلم أو المسيحي في أن يكون بمصر دور عبادة للبهائيين؟؟
فكان رده: "أما السماح بترك الساحة للتعبد لغير الديانات والشرائع السماوية بداعي حرية التعبد فهو طرح في تقديري غير سوي لأنه يخرجنا عن الإطار الذي أمرنا به الله عز وجل، بل وقد يعيد المجتمع إلى عصور ظلامية من الجهل الديني فضلا عن تمزيق العقائد المجتمعية، لأنه وفق منطقك إن سمحت بدور عبادة للبهائيين فما الذي يمنع أيضاً من دور عبادة أخرى للبوذية والسيخ والهندوس والديانات الصينية القديمة والشيعة وعشرات العقائد الأخرى؟". (هذا النص منشور على صفحته على الفيسبوك وقد قمت بتصحيح الأخطاء الإملائية فيه).

وتتساءل ما الذي يمنع الإنسان من أن يختار لنفسه أفضل ما في الدين ويترك أسوء ما فيه؟ وأقول أفضل وأسوأ هنا بالإشارة إلى ما يتناسب مع قيم العصر الذي نعيش فيه والذي يجد ترجمته في شرعة حقوق الإنسان.   

في السنوات الأولى لوجودي في أميركا تعرفت على إحدى الكنائس في المنطقة والتي تنتمي إلى Unitarian Universalist Association.
هذه الكنيسة تعتبر الأكثر ليبرالية من الناحية الاجتماعية والسياسية، هي ليست كبيرة من ناحية العدد لكنها موجودة منذ تأسيس أميركا تقريبا ومقرها الأم يوجد في بوسطن بولاية ماساتشوستس ولها فروع في معظم الولايات.

ما يجمع هذه الكنيسة بغيرها من الكنائس هو فقط الاسم، أي كونها كنيسة لكن في جوهرها هي ليست كذلك، فمعظم أفرادها إما ملحدين أو لا أدريين أو مسيحيين حاليين أو سابقين أو أتباع أديان أخرى أو من تركوا هذه الأديان.. الخ.

باختصار هي تضم جميع البشر على اختلاف انتماءاتهم وتعريفاتهم. وبالطبع هي لا تعلّم الإنجيل أو تطبق الطقوس المسيحية المعروفة. فلديها كتبها الخاصة بها ومعلموها، وتكتفي فقط بما هو رمزي وشكلي في المسيحية.  

أثار ذلك استغرابي بطبيعة الحال وقد سألتهم لماذا يطلقون عليها إذن اسم كنيسة؟ فكان الجواب هو أن ذلك جزء من تاريخهم، فقد كانوا طائفة من الطوائف المسيحية القديمة المنتشرة في إنجلترا وبولندا وترانسلفانيا (رومانيا)، تمردت على الكنيسة الرسمية وتعرضت للاضطهاد الشديد بسبب ذلك، ثم تطورت مع الوقت في الاتجاه الإنساني، لكنهم أبقوا على الكنيسة تعبيرا عن تلك الصلة وأيضا كمكان لخدمة المجتمع المحلي.    

تتبنى هذه الكنيسة سبعة مبادئ ترتكز على التعاليم الإنسانية لأديان العالم وتسعى لتطبيقها في الواقع، وهي مستمدة من الكتاب المقدس والعلوم والطبيعة والفلسفة والخبرة الشخصية والتقاليد القديمة. 

وهذه المبادئ هي: "القيمة والكرامة متأصلة في كل شخص؛ العدل والإنصاف والرحمة في العلاقات الإنسانية؛ قبول بعضنا بعضاً والتشجيع على النمو الروحي في كنائسنا؛ البحث الحر والمسؤول عن الحقيقة والمعنى؛ حق الضمير واستخدام العملية الديمقراطية داخل كنائسنا وفي المجتمع ككل؛ هدف المجتمع العالمي هو السلام والحرية والعدالة للجميع؛ احترام الشبكة المترابطة لكل الوجود الذي نحن جزء منه".
 
تحدثت عن هذه الكنيسة من باب الاستفسار لجاري في الحي وهو مسيحي إنجيلي متدين، وكذلك إلى صديقي وهو قس أردني انجيلي لديه كنيسة في كاليفورنيا (القس إميل حداد وقد توفي قبل أعوام رحمه الله) فاستنكرا الأمر، بل وصفاها بشتى النعوت السلبية التي يمكن تخيلها، وهو نفس الأمر الذي يمكن توقعه من أي مسلم متدين حين تحدثه عن جماعة علمانية مثلا. 

ما أريد قوله هنا باختصار هو أن الإنسان، سواء كان متدينا أو غير ذلك، لديه دائما الحرية (نظريا على الأقل) لاختيار ما يرتقي به إلى أعلى بدلا من النزول نحو الأسفل.

المشكلة دائما هي أن معظم الناس يختارون الانحدار بدلا من الصعود بإنسانيتهم. ربما لأن ذلك هو الطريق الأسهل حيث الجاذبية تكون في صفهم. أقول ربما لأنه ليست لدي إجابة محددة على هذا السؤال.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.