ماكرون تعرض لصفعة من أحد معارضيه
ماكرون تعرض لصفعة من أحد معارضيه

عندما نزلت الصفعة على الخدّ الأيسر للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، لم أهتم لا باليمين المتطرف، ولا بـ"فلول" بعض أجنحة "حركة السترات الصفراء"، ولا بحماوة مبكرة للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، ولا بتوحّد الطبقة السياسية المتناثرة على إدانة إمكان نقل النقاش السياسي الى "عنف مفرط"، ولا بالتداعيات السيكولوجية للإجراءات التي واكبت مكافحة انتشار جائحة كورونا. 

لم أهتم بكل ذلك، لأنّ هذه الصفعة حملتني الى فضاءات جغرافية أخرى، من بينها لبنان. 

بكل المعايير، لا يستحق ماكرون صفعة مماثلة. يمكن مناقشة سياسته وفاعليتها، ويمكن الاعتراض على توجّهاته وملاءمتها، ويمكن التفكير بجدوى انتخابه لولاية ثانية، ولكنّه لم يرتكب بحق الشعب الفرنسي أيّ خطيئة تُبرّر هذا النوع من الإنقضاض عليه، فهو لم يسرق لا شعبه ولا خزينة بلاده، ولم يهدر وقته لا نائماً، ولا سائحاً، ولا كسولاً، ولا مختبئاً، ولا فرّط بسيادة وطنه ولا قبل بارتهانها، ولا أخضعه ترهيب أو ترغيب. 

لقد بدت لي هذه الصفعة ظالمة، لأنّها أخطأت الهدف، فثمة وجنات أخرى تستحقها، ليس مرة واحدة، بل آلاف المرات، وهي موجودة في دول عدة، من بينها لبنان، حيث يُباع الشعب على قارعة الطريق، ويعامل معاملة العبيد، في تلك الأزمنة الداكنة التي توهّمنا أنّها ولّت إلى غير رجعة. 

هذه الوَجَنات اللبنانية، لا تزال على الرغم من كلّ الموبقات التي اقترفتها وكل الكوارث التي أنتجتها، تجد، بدل الأيادي التي تصفع تلك الأيادي التي تصفّق، وبدل الألسن التي تلعن، تلك الألسن التي تحمد. 

هل يُعقل أن يخرج من بين الفرنسيين من يصفع ماكرون، ولا يخرج جميع اللبنانيين، بأياد متكاتفة، ليصفعوا "فجّار" السياسة والمقاومة والطائفية والهيكل بكل ما فيه؟ 

هل يُعقل أن يعيش هؤلاء مطمئنين الى مناصبهم فيما الشعب يؤاكله القلق؟ 

هل يجوز أن يتمكّن هؤلاء من إدارة صراع على مستقبلهم السلطوي، فيما بدأت موجة ثانية من الهجرة مقدّر لها أن ترفع وتيرة تفريغ لبنان من أبرز كفاءاته البشرية، بعدما هرّبت المستثمرين، وسدّت الأفق؟ 

هل يمكن أن يطل بائعو الحلول الوهمية، بابتساماتهم العريضة، بعدما أنجزوا تقويض أساسات الدولة، فيما الهم جمّد عضلات وجه الشعب وجفّف تلك الدمعة التي كانت تنفّس الاحتقان؟ 

هل يتصوّر عقل أن يتمّ إجهاض كل الحلول الحقيقية التي يمكنها أن تضع الدولة وشعبها على طريق المعافاة، ليعملوا، بوقاحة إجرامية قلّ نظيرها، على وجوب إهمال أصل المرض لمصلحة الاكتفاء بعلاج عوارضه؟ 

إنّ الصفعة تليق بهؤلاء "الفجّار" الذين يسدّون نوافذ الأمل وقنوات التغيير.  

إذا تمكنت يد أن تصل إلى واحدة من وجناتهم المحقونة غالبيتها بالبوتوكس، فلن تلقى إلّا التأييد. لن يستهجنها أحد.  

الصفعة يمكنها أن تُصحّح لهؤلاء مفاهيمهم المغلوطة: المناصب في لبنان، لم تعد تثير سوى الغثيان، مواقفهم لم تعد تُغذّي سوى السخط، طروحاتهم "نهفات مملّة"، وجوههم، مهما تبرّجت، لا تعكس سوى سواد نفسياتهم، وألسنتهم مصنوعة من رماد الجحيم. 

صفعة "داميان تاريل" الفرنسي لم تأخذني الى ماكرون. ما عاد وقاله هذا الشاب الفرنسي للمحكمة أقنعني بضحل مرتكزاته التبريرية.  

تخيّلتُ ماذا كان ليحصل، لو أنّ هذا الشاب لبناني، وأتيحت له فرصة الوقوف علناً أمام المحكمة، بحضور حشد صحافي، ليُعدّد مبرراته.  

في هذه الحالة، أعتقد بأنّ القاضي، ولو كان من "أوهن" قضاة لبنان، لوقف، بعد كل جملة مفيدة، ينطق بها هذا المتّهم، مصفّقاً. 

لكان داميان اللبناني تحدّث عن تهديم هذا الذي تلقى الصفعة، ما تبقى قائماً في المؤسسة القضائية التي يريدها الدستور سلطة، وعن إعلان قداسة المتهمين بقتل فئة معيّنة من اللبنانيين، وعن التضحية بلبنان، بكل خيراته وإمكاناته وعوامل جذبه، على مذبح صراع المحاور الإقليمية، وعن تحويل دولة تملك كل طاقات العيش الكريم إلى جحيم، وعن صفقات، إذا طُبّقت نهبت كل الثروات، وإذا "انفرطت" أطاحت بكل الخيرات، وعن شعب بدل أن يمضي يومه في الإنتاج يجد نفسه يهدره منتظراً على محطة وقود، ولاهثاً من صيدلية الى أخرى وراء دواء، ومذلولاً في سوبرماركت أمام ضخامة "الفاتورة". 

إنّ داميان الفرنسي لم يجد ما يقوله ليُبرّر حقداً عقائدياً تُغذّيه أساطير اليمين المتطرف ضد ماكرون، ولكن داميان اللبناني لديه الكثير ليقوله، لو أتيحت الفرصة لكفّه أن تصل الى وجه واحد من وجوه هؤلاء "الفجّار" الذين يحرقون وطناً ليشعلوا سيكارة.  

وعليه، فالحكم على "داميان تاريل" اللبناني كان قد أتى على نقيض الحكم على "داميان تاريل" الفرنسي، لأنّ فيه، في ظل ما آلت إليه الأمور، فإنّ "المصفوع" هو من يستحق السجن والحرمان من الحقوق المدنية والمنع من حمل السلاح وحظر توظيفه في الإدارة العامة ووجوب إخضاعه لمعالجة نفسية، وليس... "الصافع". 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.