طفل في التاسعة من عمره نجا من الهجوم
ما فعله قاتل الأسرة الباكستانية التي نجا منها طفل بعمر تسع سنوات، أنه حطم حلماً في دقائق

لم يكد المجتمع الكندي يطوي صفحة حزنه العميق إثر العثور قبل أيام على رفات أطفال المدارس من السكان الأصليين المدرج قتلهم كجريمة إبادة عرقية، حتى أصيب بصدمة جريمة عنصرية جديدة لاتقل هولاً وبشاعة والمتمثلة بحادثة مقتل أربعة أفراد من أسرة باكستانية واحدة تم استهدافهم عمداً ودهسهم بسبب ديانتهم الإسلامية.

الجريمة التي ارتكبها شاب قومي من اليمين المتطرف وسارع عموم المجتمع ورئيس الوزراء وحكومته إلى إدانتها وتصنيفها دون مواربة بالإرهابية، ذات صلة بجريمة إبادة الأطفال العنصرية التاريخية الأولى، وذات صلة بمقتل ستة من المصلين المسلمين في كيبيك في العام 2017، وذات صلة بالهجوم المسلح الذي استهدف مسجدين في كرايستشيرش في نيوزيلاندا في 2019.

كما أنها في المقابل ذات صلة بحادثة الدهس في أسواق الميلاد في برايتشايد ببرلين 2016 وهجوم نيس في العام ذاته وستراسبورغ 2018 وباريس وتفجير برجي التجارة  في نيويورك 2001 وغيرها من الجرائم الإرهابية التي شهدها العالم  ويمارسها إرهابيون أفراد أو جماعات أو دول ضد شعوبهم أو شعوب أخرى بدوافع سياسية أو عرقية أو قومية أو دينية أو غيرها.

يمكن إحالة جميع هذه الجرائم الممتدة منذ فجر البشرية إلى نسب متوارث واحد هو أمها وأبوها  ترجم دوماً بالنزاع على الملكيات وكراهية تقاسمها مع الآخر أو مشاركته فيها. وهي جينة شر بدائية تتغذى في كل مكان وزمان بحسب مناخ وبيئة عصرها، لبست في عصرنا لبوساً متطوراً وخطيراً مثل النازية والفاشية والداعشية  وغيرها.

لكنها اتفقت في عمقها على كراهية أي آخر تستشعر بخطر وجوده، وتستمد شرعية إقصائه من أيديولوجياتها ومبرراتها الخاصة وتفسيراتها الانتقائية الدينية أو السياسية أو القومية أو الثقافية أوغيرها، بحيث تعتقد كل منها أنها تمتلك صك الحقيقية الدينية أو النقاء والاصطفاء العرقي المطلق، وبموجبهما تقاتل لمنع التشاركية.

جينة شر لم تتحرر من بدائيتها رغم كل التطور البشري، وفي كل مرة تعيد تذكيرنا بأصولها من خلال الأدوات الأولى التي تعود وتلجأ إليها لممارسة القتل. فحين تشتد الرقابة عليها  ويتعذر الحصول على السلاح المطلوب، يعود القاتل إلى بدائيته ويستخدم حجراً أو عود كبريت لإشعال الحرائق، أو يستعمل السكين والساطور للطعن والذبح، أو يصنع متفجراته من أبسط المواد المتاحة.

وفي السنوات الأخيرة كثرت حوادث الدهس، حيث تم اللجوء إلى هذه الأسلوبية السريعة والفتاكة والمتيسرة بسهولة، والتي تعود بدورها إلى جذورها التاريخية التي استخدمت فيها حوافر الخيل والثيران والفيلة والجمال الهائجة كأدوات لهرس وسحق الضحايا قبل الوصول إلى استخدام العربات بأشكالها المدنية أو الحربية التي تؤدي الغرض ذاته.

جينة شر تخالف كل حين التوقعات وقواعد علم النفس وتؤكد أنها قابلة للنمو في أفضل تربة أو بيئة أسرية صالحة، بحيث يشكل وقوع مثل هذه الحوادث في بلدين مثل كندا وقبلها نيوزيلاندا مفاجأة صادمة مضاعفة للعالم ولمجتمعيهما المعروفين أنهما الأكثر وداً وأماناً وطمأنينة، وتتميز حكومتيهما أنهما الأكثر حكمة وأخلاقاً وتجاوباً مع مواطني شعبيهما وترحيباً بالآخر المختلِف وبعداً عن التمييز.

منذ سنوات لم تتوقف حكومات العالم و كبرى الأجهزة الأمنية المحلية والدولية عن وضع خطط المجابهة الجذرية والاستراتيجيات العميقة لمكافحة الإرهاب دون أن ترتدع العقلية الإقصائية المستوطنة أو العابرة للحدود. ولم يثمر تصنيف بعض الأحزاب أو الحركات الدينية اليمينية المتطرفة بالإرهابية ومنع نشاطها أو الحد منه في التخلص منها، بل  بدت معظم الإجراءات المتبعة وكأنها مسكنات مؤقتة لم تعالج الأسباب الحقيقية والبؤر الرئيسة الكامنة التي تختفي كخلايا نائمة وتؤجل أحقادها إلى الوقت المناسب.

ومع ازدياد حركة الهجرة واللجوء في السنوات الأخيرة وتصاعد عنف الجبهات المناهضة، ستبدو المهمة أكثر صعوبة وتتطلب حملات محلية ودولية لتكثيف الجهود على المستويين الحكومي والشعبي لنبذ الكراهيات المتبادلة وتعزيز ثقافة الحوار المباشر عبر كافة وسائل الاعلام والمؤتمرات الشعبية، وليس عير وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في انتشار الخلل وليس في إصلاحه.

على سبيل المثال، يمكن الاستفادة من الدراسة الأميركية التي نشرتها جامعة كامبريدج البريطانية قبل أيام وأفادت أن جرائم الكراهية في مدينة ليفربول انخفضت بنسبة 16% مقارنة بمناطق أخرى في بريطانيا بعد انضمام لاعب الكرة المصري العالمي محمد صلاح إلى نادي ليفربول وتراجع التغريدات المعادية للمسلمين وارتفاع المشاعر الإيجابية بسببه.

بحيث يمكن لرموز عالمية محببة للعالم أن تكثف نشاطها وترفع وتيرته في هذا الإطار، كما سبق للنجمة العالمية أنجيلينا جولي أن فعلت وماتزال. والتشديد على الفضائيات ودعاتها المتطرفين من جميع الأديان وزيادة التدقيق على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي كما تفعل فيسبوك وتوتير مثلاً، ورقابة المنتج الفكري والسينمائي المستفز للآخر واستغلاله لتعزيز ثقافة قبول الآخر وليس العكس.

ما فعله ناثانيال فيلتمان قاتل الأسرة الباكستانية التي نجا منها طفل بعمر تسع سنوات، أنه حطم حلماً في دقائق وزرع في الجهة المقابلة بذرة لصناعة قاتل جديد مؤجَّل سيكبر مع حقده ورغبته في الانتقام ويثأر في يوم من الأيام لمقتل أسرته في دورة عنف متبادل لا تتوقف، وهو افتراض لا يستبعد حدوثه.

لكن، ومن حسن حظ هذا الطفل الناجي أن القدر أوجده في بيئة صالحة مثل البيئة الكندية، ستهذب ما أمكنها من تصاعد رغباته الدفينة بالانتقام، وتساعده على التخلص من جينة الشر وتخطي آلامه ورعايته كأسرة مجتمعية كبيرة وتعوضه بتضامنها الكبير الذي بدا منها منذ اللحظات الأولى لحدوث الكارثة التي ألمت به شخصياً، وألمت بالمجتمع والإنسانية أولاً وأخيراً.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.