Preparations ahead of Biden-Putin June 16 summit in Geneva
التحضيرات جارية في جنيف السويسرية للقاء بايدن وبوتين الأربعاء القادم

يصل الرئيس الأميركي، جو بايدن إلى جنيف، في ختام زيارته الأوروبية الأولى، للقاء خصمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسط توقعات سلبية من الجانبين بأن القمة بينهما لن تُسفر عن النتائج المرجوة أو حتى أنها قد لا تؤسس لمسار ما يساعد على تقريب وجهات النظر في بعض القضايا الخلافية الفرعية، التي يساعد حلها في الحفاظ على خفض مستويات التصعيد بينهما.

على الأرجح أن مناخ المدينة الصيفي لن ينعكس على مناخ القمة الملبدة بمناخات الحرب البادرة، حيث فرضت مواقف الرئيس الأميركي من نظيره الروسي نفسها على طبيعة اللقاء، الذي قد يكون الأسوأ منذ نهاية الحرب الباردة، والقلق الأكبر في أن يدفع فشل اللقاء إلى العودة إلى مناخات الحرب الباردة.

إلى جنيف يحمل الرئيس بايدن كل ما يثير قلق الكرملين، وهذا ما دفع الجانب الروسي إلى خفض مستوى توقعاته إلى درجة صفرية لسببين؛ الأول غياب الكيمياء بين الرئيسين والتي ستؤثر على طبيعة العلاقة بينهما، وهذا ما لم يخفيه جو بايدن في تصريحاته حتى عشية القمة، الذي قال في أكثر من مناسبه "إنه ليس لديه أوهام بشأن بوتين ووصفه بأنه "قاتل" في ضوء سلسلة من الوفيات البارزة بما في ذلك قتل المعارض للكرملين بوريس نيمتسوف". 

أما السبب الثاني فيعود إلى حشد من التهم التي رفعتها الإدارة الأميركية الجديدة بوجه سياسة موسكو الداخلية والإقليمية والدولية، الأمر الذي أثار حفيظة النخب الروسية التي اعتبرته تدخلا سافرا في شأنها الداخلي، خصوصا في ما يتعلق بقضية المعارض المعتقل الكسي نافالني. فأكثر ما أثار استياء الروس في الآونة الأخيرة تدخل وزارة الخارجية الأميركية في عمل القضاء الروسي، الذي قام بتصنيف 3 منظمات مجتمع مدني تعمل أو تتعامل مع المعارض نافالني منظمات متطرفة. فبعد صدور القرار صرح المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس "إن بلاده تدين قرار تصنيف القضاء الروسي 3 منظمات مرتبطة بـ نافالني متطرفة".

وقبل أيام من مغادرته إلى جنيف، اختار الرئيس الروسي، من جهته، التركيز على الملف الأخطر بالنسبة للأمن القومي الروسي، وحذر بشكل صارم من ردة فعل بلاده في حال وافق حلف الناتو على انضمام أوكرانيا إليه. وقال بوتين في مقابلة تلفزيونية، الأربعاء الفائت، قال إذا انضمت أوكرانيا إلى الناتو فإن الوقت اللازم لوصول الصواريخ من مناطقها إلى موسكو سيتقلص إلى ما بين 7 و10 دقائق، وتساءل قائلا "ألا يُعدّ ذلك خطًّا أحمر لدينا؟".

عمليا قبل القمة وضع بوتين خطوطه الحمراء في المجال الإقليمي، خصوصا في مناطق المجال الحيوي السوفياتي أو امتداد روسيا الأورآسيوي، وتخوف بلاده من تعزيز الناتو لبنيته التحتية في أوكرانيا تحديدا، الأمر الذي دفعه إلى انتقاد الدول الأوروبية الذين وفقا لتصريحاته أنهم "حتى في مرحلة العلاقات الجيدة مع روسيا لم يهتموا بمصالح موسكو عند توسيع الحلف شرقا". 

قرار ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو مستبعد في هذه المرحلة، بالرغم من أن قيادة أوكرانيا الحالية أكثر جدية من سابقاتها في طلب الانضمام إلى الناتو، وهي مدعومة بموافقة شعبية بعد استفتاء أجري في مارس، أظهر أن 57% من الأوكرانيين يؤيدون الإنضمام إلى الناتو، في حين يعارض 36% ذلك. إلا إن إثارة بوتين لهذه القضية قبل القمة، يعتبر ضربة استباقية ليس لتنبيه واشنطن من مخاطر هذه الخطوة وانعكاساتها على الأمن والاستقرار في العالم، بل من أجل استثمار التردد الأميركي الأوروبي أمام الرأي العام الروسي ونخبه، وإظهار قدرة الكرملين على فرض شروطه على جدول أعمال القمة التي قد لا تتجاوز انجازاتها التقاط الصور.

في قمة التقاط الصور، ستحرص واشنطن على إظهار هيمنتها، وتريد أن يحتفظ العالم بالصورة النمطية لكل القمم التي جرت بين البلدين بعد نهاية الحرب الباردة، والتي ستجري مستقبلا، بأن القمم الثنائية ما بين واشنطن وموسكو ليست عودة إلى الثنائية القطيبة، وبأن شراكاتها المتعددة والمتناقضة في بعض الأحيان لا يمكن استغلالها من أجل بناء عالم متعدد الأقطاب، فالأخطر في هذه القمة الشبه صفرية في النتائج الإستراتيجية، أن تتحول منصة من أجل التصويب على سياسات موسكو العالمية بهدف عزلها.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.