People relax in a lounge area by a water canal at the "Riyadh Oasis", a luxury retreat in the Thumamah desert on the outskirts…
.

لا تُشْرِق شمسُ الثقافة إلا من خلال الإعلام، فثقافةٌ بلا إعلام هي ثقافة الكهوف الظلمة، والقلاع المنسية في أدغال الغابات وفي متاهات الصحارى. كما لا يكتسب الإعلام قيمته ـ كصانع وَعْي نَوْعيّ ـ إلا من خلال مُتَضَمّناته الثقافية المباشرة وغير المباشرة. وبهذا يتّضح أن للثقافة ـ بكل فروعها، وعلى اختلاف تجلّياتها ـ علاقة جدلية/ تفاعلية واسعة النطاق مع الإعلام. وهي علاقة ليست خافية، ولا هي في سبيل الإنكار من أحد؛ وإن كان من اللازم التأكيد عليها، والتَّبصّر بمستوى عمقها، خاصة في ظِل تَصحّر الإعلام الجماهيري ثقافيا، وعنايته الكاملة ـ أو شبه الكاملة ـ بالترويج للتفاهات وللتافهين؛ زعما منه أن هذا هو المُرْبِح في السوق الإعلامي، أو أن هذا هو منطق الإعلام ! 

الثقافة والإعلام مجالان مُتَعاضِدان، إذ على الرغم من التَمايز النسبي بين المجالين، وتنافرهما أو تنافسهما أحيانا، إلا أنهما متداخلان ومتفاعلان في مسارات كثيرة، مسارات شائكة متواشجة، يستحيل حصرها أو رسم حدودها على نحو حاسم. والتنافر أو التنافس المذكور ناتج عن كون التوفّر على هذا المسار الثقافي أو ذاك المسار الإعلامي، يُؤدي ـ في الغالب الأعم ـ إلى طغيان مسار على مسار؛ لكونهما يمتلكان من باذخ الإغراء المنتهي بالاستحواذ التام أو شبه التام، ومن اشتراطِ الحيوية الفائقة (المُسْتنفِدةِ للطاقة) ـ كشرط للإبداع فيهما ـ، ما يجعل الجمع بينهما يحتاج لـ"موهبة نادرة" لا تتوفّر إلا لقليل من المبدعين إعلاميا أو ثقافيا؛ كما يحتاج لِـ"قّوة نَفْس/ عزيمة صُلْبة" قادرة على بذل جُهْد استثنائي لتحقق شرط النجاح في هذا المجال. 

كثيرون في عالمنا العربي اشتغلوا على الهَمّ الثقافي/ المعرفي، وكرّسوا جُلَّ أوقاتهم لمتابعة حِرَاكه ورصد متغيّراته وللإبداع فيه. كما أن هناك كثيرين أيضا اشتغلوا على المجالات الإعلامية، وتَرَهْبَنوا في محاريبها؛ فأبدعوا؛ على اختلافٍ في مستويات الإبداع. لكن، نادرا ما وُجِد شَخْصٌ جَمَع بينهما (= الثقافة والإعلام) في خَلْطة إبداعٍ تستحق الإشادة والتكريم، كما تستحق البقاء والخلود: الاستعادة المستمرة للمنتج الأصيل. 

الأستاذ/ محمد رضا نصرالله من هذا القليل النادر الذي نقل المسرح الثقافي المُتوارِي خَلْف جُدران عزلة المثقفين إلى فضاءِ الإعلام الواسع، نقل الثقافة من إطار الندوات والصالونات والمقاهي النخبوية، نقلها من حوارات زملاء المهنة الثقافية، من الحوارات المختصرة في عدد لا يتجاوز العشرات في أفضل الأحوال، إلى فضاءين واسعين، وحاسمين في تأثيرهما: فضاء أفقي؛ حيث ملايين المشاهدين على امتداد العالم، وفضاء عمودي؛ حيث تثبيت اللحظات الثقافية في صورة مُتَلفزة تمنح الخلود النابض بالحياة لتلك اللحظات؛ بعد أن أصبح إعلام الصورة هو ذاكرة المستقبل. بمعنى أنه لم يُجَمْهِر ويُعَولِم الحراكَ الثقافي على امتداد الجغرافيا فحسب، وإنما أطلقه ماردا يتمدد في التاريخ أيضا؛ ليكتب له خلودا يتجاوز الخلود التقليدي الساكن في بقايا وَشْمِ والأقلام.     

باعتباري من مواليد أوائل السبعينيات الميلادية، فإن ما سجّله الأستاذ/ محمد رضا نصرالله من حوارات نادرة مع كبار الأدباء والمثقفين والنقاد أواخر السبعينيات قد فاتني بضرورة الميلاد. لم أعلم به، لا في وقته، ولا فيما بعد؛ إلى وقت قريب: ما قبل أربع أو خمس سنوات. وما سجّله أيضا مع فضائيات التسعينيات قد فاتني لكوني ابن بيئة كانت تُحرّم وتُجرّم اقتناء الإعلام الفضائي. لهذا، لم يكن الأستاذ محمد حاضرا في ذاكرتي الأولى إلا بوصفه كاتبا/ أديبا/ صحفيا.

بداياتي القرائية إبان المراهقة وما بعدها، جعلتني أعرف الأستاذ/ محمد كاتبا صحفيا، مثقفا/ أديبا يخوض المعارك الأدبية باقتدار، فنسمع بها، ونُتَابع بعضها؛ وفق مقتضيات الحال. كانت مقالاته في الرياض تُغْريني وتُطربني، خاصة عندما يتحدث عن الكتب والمكتبات، أو عن الأدباء والمفكرين، وبالأخص؛ عندما يكون عن لقاء أو حوار ثنائي مباشر مع مَن نقرأ لهم ولا نسمع عنهم إلا القليل. وطبعا، كنت أعرف ـ على وجه الإجمال ـ أن له برامج حوارية، لكن ما رأيته منها آنذاك ـ عرضا؛ وهو نادر ـ كان ذا طابع اجتماعي أو سياسي، ولم يكن لي علم بحواراته الأهم بالنسبة لي، أقصد: الحوارات الثقافية/ الفكرية والأدبية مع أبرز وأهم أدباء ومفكري العصر الحديث الذين كانوا على قيد الحياة في الربع الأخير من القرن العشرين، وأوائل القرن الحادي والعشرين.

قبل أربع أو خمس سنوات كنت أبحث عن أمر يتعلق بالمفكر المغربي/ عبد الله العروي، فظهر لي ـ في اليوتيوب ـ مقابلة له مع الأستاذ/ محمد. لم أكن أتوقع وجود مثل هذه المقابلة النادرة؛ لأن العروي نادرا ما يظهر في الإعلام. شاهدتها مباشرة، وبمجرد انتهائي منها، لاحظت أن اليوتيوب ـ كعادته ـ يقترح لي بعض المواد المشابهة/ ذات العلاقة، فإذا منها، مقابلة مع الروائي السوداني/ الطيّب صالح، ومقابلة أخرى مع الروائي المغربي/ محمد شكري، ورابعة مع الناقد المصري/ شكري عياد. آنذاك، شعرت بأنني قد وقعت على كنز لم أحلم به، فلم أكن أتوقع أن هذه المقابلات ستكون متاحة لي في يوم من الأيام، وأن بإمكاني مشاهدتها متى أردت؛ للتأكد وللتثبّت وللتوثيق. 

مسؤولية غياب أو تغييب هذه المواد النادرة تقع على الإعلام الفضائي الذي كان يجب أن يبحث عن مثل هذه المواد، ويُعيد بَثهّا باستمرار؛ على فترات متباعدة نسبيا؛ كي لا تُنْسى؛ وكي لا تفوت أولئك الذين لم يسعفهم الحظ، أو لم تسعفهم تواريخ ميلادهم بالاطلاع عليها. فبدل هذه الساعات المتكاثرة من الإعلام الفضائي التهريجي الفارغ من أي محتوى له قيمة، كان من الواجب اقتناص مثل هذه المواد الحوارية التثقيفية التي تربط المشاهدين بأهم ما أنتجه رُوَاد العقل العربي في العصر الحديث.

على أي حال، بدأت كُلّما خَطَر لي اسم مثقف أو مفكر أو أديب؛ أكتب اسمه؛ فأجد ـ في الغالب ـ أن الأستاذ/ محمد بالذات قد حاوره. وبما أن رفع المواد على موقع يوتيوب يجري تباعا، ففي السنة الأخيرة ذُهلت! ليس من عدد المقابلات التي أجراها الأستاذ/ محمد، ولا من تنوعها فحسب، وإنما أيضا من نوعية الأسماء التي استطاع أن يُخَلّد شيئا منها في تاريخ الإعلام المرئي، ولولا مبادرة الأستاذ/ محمد لأفلتت من قبضة الخلود، ولم يَبْقَ منها في الذاكرة البصرية شيء، ولَحُرِمَت الأجيال اللاّحقة من رؤية كثير من الأسماء الثقافية في مشاهد حية، مشاهد تنطق بما لا تستطيع الحروف الصامتة أن تنطق به لمحترفي القراءة متعددة الأبعاد.  

أسماء كثيرة، كبيرة، لم أكن أتوقع أن أجد لها حوارا حيًّا مشاهدا في يوم من الأيام، هي اليوم مُتوفّرة على الشبكة العالمية، أشاهدها أينما كنت، ومتى شئت؛ بحركة من أطراف أصابعي. وكل هذا بفضل مبادرات الأستاذ/ محمد نصر الله الإعلامية/ الثقافية ذات الطابع الاستثنائي. فبفضله توفّرت مادة ثقافية/ فكرية جادّة، تزاحم هذا الغثاء الإعلامي الرائج، بل هذا العبث الإعلامي واسع الانتشار. 

ومن المهم التنبّه إلى حقيقة أن له ـ وحده ـ الفضل الكامل فيها؛ لأنه هو صانع هذه البرامج الحوارية، وبفضله خرجت إلى الوجود. أقصد أن دوره فيها ليس ثانويا، بل أساسيا. فهذه الحوارات لم ترَ النور لأن برنامجا حواريا تَقرّر إنتاجه عند هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، ثم بحثوا له عن مُحَاوِر مُناسب. بل العكس هو ما حدث، أي أن مُحاوِرا يمتلك قدرا كبيرا من الثقافة، ومن الشغف المعرفي، ومن مهارة الحوار، أراد ـ هوـ أولا صنع مادة إعلامية ثقافية، ثم وجدت الوسيلةُ الإعلامية أن من السبق الإعلامي أن يخلقوا له برنامجا يناسب قدراته في الثقافة والإعلام. فكان هو صانع البرنامج حقيقة لا مجازا، صانعه حقيقة، وليس إضافة من باب التكريم. فلولاه؛ لم تخرج هذه البرامج الحوارية ـ الثقافية/ الفكرية منها خاصة ـ إلى الوجود أصلا، لم تخرج حتى ولو في صورة هزيلة، إذ هو الذي أخرجها ـ بهذه الأسماء اللامعة ـ ابتداء، وهو الذي ارتقى بها إلى هذا المستوى العالي من الجدل الثقافي انتهاء. 

ليس من السهل أبدا أن تظفر بحوار أسماء كبيرة من قامة: عبدالله العروي، وبول فندلي، و الطيب تيزيني، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وحسن حنفي، وزكي نجيب محمود، وفهمي جدعان، وحسن ظاظا، والجواهري، والفيلسوف عبدالرحمن بدوي، والدكتورة بنت الشاطئ، وبلند الحيدري، وغازي القصيبي، وشكري عياد، ونزار قباني، وأدونيس، وفدوى طوقان، ونقولا زيادة، وسميح القاسم وسعيد عقل، ومحمد عابد الجابري، وصموئيل هينغنتون، والدبلوماسي الألماني المسلم/ مراد هوفمان، والمستشرق الفرنسي/ جاك بيرك، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح فضل، وجابر عصفور، ومحمد جابر الأنصاري...إلخ الأسماء المشهورة في عالم الأدب والفكر. أقول: ليس من السهل أن تظفر بحوار أسماء كثيرة من هذا المستوى، ثم ـ وهذا هو المهم ـ ليس من السهل أن تحاورها بمستوى مكانتها الأدبية والمعرفية، وأن تتمكن من استنطاقها بأعمق وأهم ما تتوفر عليه من إبداع. 

نعم، ليس من السهل أن تفعل كل هذا. ولكن الأستاذ/ محمد رضا نصرالله فعله بجدارة. حاور هذه الأسماء ـ وغيرها كثير ـ، حاورهم باقتدار معرفي ومهني لافت. يعرف الجميع أن الأستاذ/ محمد مثقف واسع الاطلاع من خلال مقالاته المشهورة، ومن خلال إشرافه على تحرير كثير من الصفحات الثقافية. ولكن التجلّي الثقافي في الكتب والأبحاث والمقالات عند كبار الكُتّاب يبقى خاضعا ـ في جوانب كثيرة منه ـ لإعداد واستعداد لا يمكن للقارئ قياس مداه. أما في الحوار، وخاصة طريقة الأستاذ/ محمد، حيث الحوار تتناسل منه الأسئلة تباعا، فهنا، تبدو ثقافة المُحاوِر على المحك. لا يستطيع المُحاوِر أن يُمْعِن كثيرا في عمق أطروحات المفكر/ الأديب المحاوَر؛ ما لم يكن مطلعا بعمق على إنتاجه؛ وما لم يكن أيضا مطلعا على المنتج الثقافي/ الأدبي في السياق الثقافي الذي يتموضع فيه هذا الإنتاج، ويأخذ منه مشروعيته. أي لا بد للمُحاوِر من أن يكون على مستوى ضيفه في معرفة إنتاج الضيف، وأيضا في معرفة المجال الثقافي للضيف، ما يعني معرفة ما كتبه السابقون عليه، بالإضافة إلى ما كتبه مُجَايِلوه، فضلا، عما كتبه ناقدوه؛ إنْ ثَناءً وتثمينًا، أو قَدْحا وتبخيسًا. 

لقد كان مُلْفِتا أن شابا لم يبلغ الثلاثين من عمره يُحَاوِر كبارَ مفكري العرب باقتدار. في بعض الحوارات كنت ـ لعمق أسئلة المُحاوِر ـ أشك أنها سُجّلت نهاية السبعينيات الميلادية (أي عندما كان المحاور لم يبلغ الثلاثين)، وأتوقع أنها أوائل التسعينيات (أي عندما كان المحاور قد تجاوز الأربعين)، فتكون دهشتي أنها من إنتاج السبعينيات! بل لقد بدا لي الأستاذ محمد متفوقا ـ في مستوى سعة الاطلاع الثقافي ـ على بعض مشاهير ضيوفه. على الأقل، هذا ما شعرت به في حواره مع بعضهم، مثل حواره مع الأستاذ/ أنيس منصور، إذ بدا الأستاذ محمد ـ وعلى نحو واضح ـ أكثر اطلاعا ومتابعة من ضيفه الشهير؛ حتى في صلب مجال اهتمام الضيف القرائي والكتابي.

على أي حال، وجود مثقف إعلامي بمستوى الأستاذ محمد نادر. وأنا شخصيا لا أعلم أن مثقفا/ إعلاميا على امتداد العالم العربي قد أنجز مثل هذه الحوارات؛ بهذا العدد؛ وبمثل هذا المستوى. وما أنجزه الأستاذ محمد هنا شيء استثنائي، لا يستحق عليه التكريم الشخصي فحسب، بل يستحق أن يحظى هذا الإنتاج الضخم (أكثر من 1000 ساعة حوارية) بالتكريم اللائق به. وتكريم هذا الإنتاج لا يكون إلا بإعادة بَثهّ بصورة دورية/ متكررة وعلى أكثر من وسيلة إعلامية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا بد من الاشتغال عليه؛ لإعادة إنتاجه؛ وِفْقَ متطلبات كثير من وسائط المعرفة المُتجدّدة، فضلا عن ضرورة إخراجه منشورا في سلسلة أعمال مطبوعة تُثْرِي الساحة الثقافية العربية. لا يجوز بحال أن يترك هذا الكنز الثقافي النادر للنسيان، بل لا بد من التذكير به على الدوام.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.