حافظ الأسد - تمثال
"نكران تلك المرحلة والتركيز على ذات الأسد وشخصه، محاولة فاشلة لرؤية المجتمع الذي أنتج الأسدية، والذي كان سيُنتج أحداً آخر مطابقاً له لو لم ينتجه هو"

تمثل الذكرى السنوية لوفاة رئيس النظام السوري الأسبق، حافظ الأسد، مناسبة مثالية لطبقات واسعة من السوريين المعارضين للانخراط في هياج عام، لإطلاق كميات كُبرى من أشكال السُباب والقدح، دون تقديم أي خطاب ذو مضمون وقيمة ومعنى عن المناسبة، التي رُبما تكون الحدث المفصلي الوحيد في تاريخهم المعاصر خلال نصف قرن كامل مضى.

ليس القصد هنا أن السوريين المعارضين يجب أن يُضيفوا أو يُفتشوا عن جوانب إيجابية أو مُستحبة في شخصية الأسد الأب أو تاريخه السياسي؛ بل التفكير بمعاني ودلالات هذا الجموح الجمعي المُريع، بالذات من زاوية السعي المُطلق لنكران الفضاء السياسي والثقافي والاجتماعي العمومي السوري الذي أنتج وأفرز حافظ الأسد، كشخصية وسلوك ومرحلة سياسية.

ذلك الفضاء الذي هو "سوريا" التي يستميت السوريون المُعارضون هؤلاء لنكران وقائعها وحقائقها، أو الغالب الأعمّ منها على الأقل. ينطبق الأمر ذاته، وبمستويات مُختلفة، على حلقات المثقفين والمعرفيين السوريين، تقريباً كما ينطبق على التشكيلات الاجتماعية الأكثر هامشية والأقل تعليماً، إذ ثمة إجماع ذو معنى عميق في هذا الملف.  

يُمكن إجراء مطابقة معقولة بين استراتيجية الفعل الجمعي للسوريين هؤلاء، وبين ما كان يفعله سُكان المُدن الإغريقية القديمة أثناء العروض المسرحية الدرامية الشهيرة في تلك الأزمنة.

فالمسرحيات الإغريقية كانت بمجملها تعرض حكايات عن أشخاص تركوا طبقاتهم الاجتماعية/الدينية/العرقية التي كانت مُغلقة بإحكام قانوني وعُرفي وأخلاقي، ولأجل ذلك كانوا ينالون عقوبة الآلهة لفعلتهم الجُرمية تلك، حيث كان ترك الطبقة ومحاولة الدخول في أخرى بمثابة مُحرم مُطلق في ثقافة الإغريق القديمة وقتئذ. 

بعد عهود طويلة، فسر علماء النفس والاجتماع ذلك التلهف والتفاعل مع ذلك النوع من المسرح في المجتمع الإغريقي بأنه كان بمثابة سعي جمعي للممارسة التطهر الكُلي ونيل البراءة التامة من أفعال الانتقال بين الطبقات، لنكران حدوث أقذع المُرتكبات.

لأن الإغريق فعلياً، في الحياة العامة والخاصة، كانوا يفعلون ذلك الانتقال بشكل يومي وسائل ودائم، لكن عملية مسرحة الفعلة بذاك الشكل كان محاولة تراجيدية لإنكار حدوث ذلك، عبر تحويله والإيحاء بأنه "مُجرد مسرح"، الذي كان يوفر لهم منصة مكاذبة جمعية لطمر حقيقة ما يجري واقعاً.

على المسار ذاته، هذا المنحى السلوكي من قِبل السوريين، المتمثل بإحالة الأسد إلى غول متأت من خارج الزمان والوقائع والطبائع السوري، عبر تحويل عملية تذكره والتفاعل من مناسبته إلى مُجرد عبارات وأنواع مختلفة من السُباب والرجم، مقابل نكران تام لحقيقة أن الأسد كان فاعلاً وحدثاً موضوعياً وعادياً في تاريخ الكيان والمجتمع السوري، إنما هي استماتة جمعية لمخاطبة الذات وتبرأتها والقول لها: "نحنا كُلنا جيدون وصالحون وأبرياء، وحافظ الأسد هو الشر الوحيد بيننا"... "لولا حافظ الأسد لكانت أحوالنا وأداؤنا وسلوكنا في الحياة عكس ما هي من خراب مُطلق مرئية الآن، وكُل حين".. "ما نفعله من فظائع بحق بعضنا ليس نتيجة لطبائعنا وخصائصنا، بل هي الآفة الأسدية من تدفعنا لذلك"، ومثلها أشياء ومقولات كثيرة، تساعد على جبر خواطر الذات والوعي الجريحين بكل تفصيل من الحياة المُعاشة.  

ثلاثة مستويات من الحقب التاريخية السورية المعاصرة، تثبت كل واحدة منها تهافت ما يسعى السوريون لتحقيقه، من خلال تصوير الأسد وكأنه فاعل و"قوة شر" متأتية من خارج سياق التاريخ والسمات العامة للمجتمع السوري خلال نصف قرنهم الأخير.

تاريخياً، تأتى الأسد من مرحلة عصر الأحزاب الأيديولوجية الشمولية والانقلابات العسكرية الدامية. الأرشيف الخطابي والسلوكي للجماعتين خلال الحُقبة التي أسست للأسدية، سواء الحزبيون الشعبويون أو العسكر الدمويون، يُثبت أن عصراً وجيلاً كاملاً كان غارقاً في ذلك المستنقع من الفظاعة، وأن سوريا كانت ستلاقي المصير ذاته من الشمولية.

 أياً كان المُنتصر في محصلة حرب هؤلاء المُتصارعين، أكان الأسد أو غيره، فالبنية العقلية والنفسية والأيديولوجية والروحية لهؤلاء كانت متطابقة، وكانت بالضبط انعكاساً لمجموعة من الخواص الموضوعية للمجتمع السوري العمومي وقتئذ، خصوصاً خلال الستينيات.

نكران تلك المرحلة والتركيز على ذات الأسد وشخصه، محاولة فاشلة لرؤية المجتمع الذي أنتج الأسدية، والذي كان سيُنتج أحداً آخر مطابقاً له لو لم ينتجه هو، بدلالة أن نماذج من مثل الأسد أفرزتها مختلف مجتمعات المنطقة.

المستوى الآخر يتعلق بالواقع السوري الراهن. فالمعارضون والمنتفضون على حافظ الأسد وما أسسه من مؤسسات وخطابات وأجهزة وأفعال، لم يتمكنوا من تقديم أي قيمة مضافة ومضمون مُختلف عما كان عليه، وحتى بعد عشرة سنوات من اندلاع فاعليتهم ضده. 

ربما يُدعى بأن التدخلات الإقليمية ومستويات عُنف الحرب لم تسمح بأن يخلق معارضو الأسد لنموذج عبر منطقة حُكم مُعاكسة لما أتت به وأنتجته الأسدية!. لكن، ماذا بالنسبة لطبقة النُخب السياسية والثقافية السورية!، الذين فشلوا طوال عقد كامل من خلق ولو تجربة أو مؤسسة مُباينة لعوالم الأسدية!. وماذا بالنسبة للصمت العمومي وغض النظر الذي تمارسه مختلف الطبقات العُليا من المُجتمع السوري عما يفعله مُعارضو الأسد في مناطق حُكمهم، من أحكام قروسطية وشمولية سياسية وعنف طائفي وقومي، إلى جانب الذكورة الطافحة وقمع لكل أشكال الحرية!. 

ما تبشر به القوى والنُخب السياسية السورية من رؤى وتطلعات مستقبلية لسوريا، من حيث مستويات تطابقها شبه المُطلق مع ما فعله الأسد المؤسس، تشكل المستوى الثالث من ذلك الإثبات. 

إذ يكفي لباحث مُتمرن أن يطلع على كامل البضاعة "الفكرية" و"السياسية" التي تقدمها القوى السورية، من حيث مضامينها القومية المغلقة والطائفية المُسيسة والمركزية المطلقة، أن يلاقي مساحات مشتركة بينها وبين مضامين حزب البعث نفسه، الذي أسس حافظ الأسد على بنيانه أركان وسمات حُكمه.

أما بعض التفاصيل المُتعلقة بالدعوة لبناء دولة ديمقراطية ومدنية، إنما يُمكن موازنتها بشعارات حزب البعث في الدعوة للوحدة والحُرية والاشتراكية. فجوهر الحكاية هنا لا يتعلق بالجانب المُجرد مما يُعرض، بل بالإصرار على عدم النقاش أو الاعتراف بأي مُشكلة أو شراكة في حُكم البلاد، بالضبط كحزب البعث وقائده الأسد ذو الخطابات الإطلاقية.

ليس في الاعتراض على التلهف السوري لتحويل الأسد إلى "شرّ مُجرَّد" أي محاولة للتقليل من السجل الجنائي والسياسي والأيديولوجي لتاريخ الأسد، بل فقط التشكيك ببراءة تجريد كل ذلك من التاريخ العمومي للجغرافيا والمُجتمع والفضاء الذي انبعث من الأسد، الشخص والتجربة.

ذلك الفضاء الذي هو سوريا والسوريون، بالضبط كما كان ممثلو مسارح الإغريق القديمة فعلياً مواطنو المُدن الإغريقية وشكل الحياة فيها، وكان تلهف الإغريق إلى المسرح مجرد محاولة فاشلة لمخادعة الذات والقول إن تلك الحقيقة هي "مُجرد مسرح" يمارسها أناس ليسوا نحن، وتحكي عن عالم ليس هو مدن الإغريق.

لغير صُدفة بائسة، فإن مُدن سوريا وحواضرها تبدو مجرد خرائب مرمية على وجه الأرض، شيء مثل خرائب ومصائر مُدن الإغريق القديمة. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.