طريق خاصة بالدراجات في إحدى حدائق برلين.
طريق خاصة بالدراجات في إحدى حدائق برلين.

أُدِير المفاتيح يميناً حول المحور المخفي لـ "فتحة" باب شقتي المقفول، بـ"طقة".. اثنتين.. ثلاث، و"أدخلها" (بعد المشي في الممر عدّة أمتار) في قفل جنزير دراجتي الهوائية، بحركة رشيقة وكأنها سيارة "بورش".  لا، أهم من ذلك! كأنها واحدة من سيارات تسلا. 

أتقصد وضعها أمام مدخل المبنى الرئيسي القبيح على عكس باقي الأبنية المحيطة في المنطقة، تحديداً تحت شجرة "تيليا" أو "ليندن".  أو التسمية الأجمل برأيي "الزيزفون". هذا طبعاً بحسب تحليل App التعرف على أسماء الأشجار والزهور وكيفية الاعتناء بكل نبتة وكم تحتاج من ضوء وسقاية وعِناق يومياً، هذا في حال كان محكوم عليها النمو في حوض صغير على حافة الشباك أو إلى جانب السرير والكنبة، وانتظار أفولها اختناقاً بكميات مهولة من الماء، جراء جرعات زائدة من الاهتمام الخاطئ.

ببحثٍ صغير عن شجرة الزيزفون، تظهر سلسلة طويلة من فوائد كل جزء في تركيبتها، سواء من الأوراق وما "يسيل" من جذعها، إلى القدرات العالية على الشفاء وراء اللحاء، إن قُشط وسحق. لا أعلم ما السر وراء ارتباط الشفاء السحري وعلاج الجروح والآلام بالأعشاب والزهور وأخشاب الأشجار. ألم يتعذّب المسيح على خشبتين متصالبتين، نازفاً من باطن يديه؟ حسناً تساؤل غير مهم.

التسويق/ التريند أو ما يشاع في الأوساط المتمتعة بالامتيازات؛ بأن الطبيعة تُشفي و"تنقي" أكثر المدن تلوثاً بانبعاثات المصانع ومخلفاتها المنتهية بخفة في جوف البحار والمحيطات نزولاً إلى الطبقات المتراكمة حول القشرة الأرضية صعوداً. وما بينهما من أثر تجارة الأسلحة والصواريخ للاستخدام في المناطق المستعرة على سبيل تحقيق التوازن على جهة واحدة من الكوكب على الأقل.

لنعتمد على الطبيعة، ونأكل كل ما يحلو لنا من العصارات المعدلة وراثياً، بما في ذلك الأسماك المشبع قوامها ببريق البلاستيك.  حالياً الطبيعة تُشفي! كما فعل الله سابقاً لقرون كثيرة. لاحقاً؟ الذكاء الاصطناعي؟ ممكن. 

منذ وصولي إلى برلين إلى لحظة كتابة هذا النص، بينما تحاول الشمس الدخول إلى الشرفة وصولاً إلى أصابع قدميّ، استبدلت أكثر من سبع دراجات، كل دراجة كانت مختلفة تماماً عن الأخرى في الشكل واللون والحجم والتصميم. الأولى كانت هدية من صديقي ترحيباً بوصولي إلى برلين، فيما بعد اتضح أنّ الهدف الرئيسي كان؛ رغبة شديدة منه في تجنب سماع عبارات التذمر المتواصل من قبلي، كلما دخلت قطار الأنفاق صيفاً والبدء في اختبار الجحيم الإلهي قبل وصوله إلى العوالم العليا. محاكاة للجحيم، لكن داخل مقطورة صفراء ممتلئة بالإعلانات والأجساد المترامية على المقاعد وأمام فتحات التهوية. 

لسبب مجهول، استعملتها عدة مرات، بعدها بقيت وحيدة محاطة بالغبار وشباك العنكبوت في الفناء الخلفي للمنزل رقم 19 في شارع لينين 10178، إلى أن تورطت بها امرأة جميلة من إسبانيا في شرائها بسعر مقبول على مضض لأنها في طور التعلم على التوازن والتمرن على ترويض أفكار القلق المرافق للوقوع أو احتمالية التماهي مع أحد الأرصفة، بحسب قولها. 

الدراجة الثانية كانت حمراء، بدواليب صغيرة الحجم نسبياً، كرسي مرتفع جداً، هيكلها من النوعية القابلة للطي الـKlappfahrrad بالألمانية، من النوع "العتيق" الذي كان يُصنّع في ألمانيا الشرقية وقتها، لذلك تسمى بالـ DDR Klappfahrrad. برأيي التصميم الأجمل على الأطلاق، تطوى كحقيبة وتعلق على الكتف هكذا بكل سهولة. لا حاجة لاستخدام المصاعد أو قطع تذكرة قطار لأجلها، وزنها يعادل خمسة أكياس تفاح كبيرة الحجم. 

بعد عدّة أشهر مللت من عدم الاسترخاء فيما يخص التدوير المستمر، التوقف عن تدوير الدواسة لمرة واحدة يعني تحولها إلى حمار متعب في طريقه لجر أشوال من الأجساد البشرية. أردت دراجة بدواليب "أضخم" وأسرع وأرفع. 

اقتنتها فتاة يابانية بضعف سعرها "لأن عددها (الـ vintage بالطبع) محدود في المدينة وحجمها جداً cool" بحسب قولها. 

طبعاً هذا غير صحيح، أعني فيما يخص ندرتها. لا أعلم مصدر كلامها، لم أصحح أو أسأل عنه حتى، طالما وصلت إلى ضعف سعرها. وضاعة إخفاء معلومة لا قيمة لها في موقف واحد، لا تضر أحد.

الثالثة وجدتني على الطريق. كانت مستلقية بين الشجيرات كجثة باردة، مرفقة بورقة مكتوب عليها "zu verschenken" منتهية بـ"إيموجي مبتسم"، أي (بما معناه) هدية مجانية لمن يرغب أو عطية لمجهول في الشارع.. إلخ إلخ. سحبتها ومشيت.  الرابعة سُرقت. الخامسة أهديتها لصديق. السادسة والسابعة استخدمهما بالتناوب. 

اقتنعت أخيراً بأن الخيار الأمثل، هو امتلاك الأرخص والظاهر عليها الإنهاك والاستعمال المكثف. في محاولة منّي، تجنب وقوع سرقة قد تودي بخسارة خمسمئة يورو دفعة واحدة، الأفضل خسارة 50 إلى 100 يورو والاكتفاء بالحزن المعنوي عوضاً عن المادي، كون الأوّل مُروض ومألوف من تراكم الكوارث على مدى السنوات العشر الأخيرة في حياتي/تنا. 

سابقاً، كانت البسكليت مرتبطة بأمرين؛ الأوّل: فقدان العذرية. الآخر عن حادثة انتشرت في دمشق مفادها بأن رجل يستهويه وضع ندوب على وجوه النساء بمساعدة أداة حادة أو سكين بينما يكون مسرعا على أحد الدرجات. منهم من فسر الفعل إلى ارتباطات دينية بهدف كبح تحركات النساء في الفضاءات العامة أو التنقل بحرية في الشوارع، خاصةً من كان شعرها ظاهراً. 

آخرون رجحوا ارتباطه (بعد أن تم القبض عليه بسرعة فائقة واعترافه) بالنظام القائم واستعراضاتهم بفرض الأمن والآمان حتّى وإن كانت الحادثة "بصغر" رجل مجهول كاره للنساء على دراجة. 

المهم، كل ما أمعنت النظر من أعلى، على القسم الظاهر من المقعد بينما أرخي وزني عليه، اتذكر الأمرين وأضحك، كلاهما مرتبطان بالقضيب، يذكرني ايضاً، القسم الظاهر من بين ساقيّ من المقعد، وهما يلفان دورانياً بلا توقف، كمحاكاة تخصني كما لو كنتُ رجلاً لبضع دقائق، ساعات من اليوم.
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.