مواقف وتصريحات بايدن في أوروبا اتسمت بمفارقة من الصعب تجاهلها
مواقف وتصريحات بايدن في أوروبا اتسمت بمفارقة من الصعب تجاهلها

 سعى الرئيس بايدن خلال جولته الأوروبية إلى إقناع الحلفاء والخصوم أن الولايات المتحدة "قد عادت" من البرية السياسية التي قادها إليها الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي تفادى بايدن ذكره بالاسم على الرغم من أن مهمة بايدن في محادثاته مع الحلفاء في مؤتمري قمة الدول الصناعية السبعة في بريطانيا، وقمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بلجيكا هي طمأنتهم أن ترامب يمثل ظاهرة استثنائية وعابرة، ولا تعكس تغييرات بنيوية عميقة، وأن انتخابه يمثل تصحيحا لحالة شاذة.

بايدن أراد من اجتماعاته في بريطانيا وبلجيكا التي كرر فيها، هو وبعض القادة الأوروبيين مثل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن الولايات المتحدة عادت إلى لعب دورها التقليدي في مثل هذه المحافل الدولية، أن يعزز من رصيده السياسي الشخصي ومن مكانة واشنطن تحضيرا لمواجهة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف.

وعلى الرغم من الترحيب الحار الذي حظي به بايدن - لأنه ليس ترامب، ولأنه بالفعل يمثل التقاليد والسياسات الأميركية الدولية الثابتة تجاه الحلفاء منذ نهاية الحرب العالمية الثانية – إلا أن الأجواء الإيجابية العلنية، لم تخف استمرار مشاعر الشكوك والقلق الحقيقية التي لا تزال تساور الحلفاء في أوروبا وكندا واليابان حول مدى استعادة الولايات المتحدة لعافيتها السياسية والديموقراطية، بعد مرور خمسة أشهر على الاقتحام العنيف لمبنى الكابيتول من قبل مئات المتطرفين والعنصريين من مؤيدي الرئيس السابق. اللافت أن القادة الأوروبيين الذين رحبوا ببايدن كنقيض لترامب ولكل ما مثله من سياسات وأسلوب شخصي فظ ونافر وحتى مهين، تفادوا ذكر الرئيس الأميركي السابق بالاسم، على الرغم من انه القى بظله الثقيل فوق مداولاتهم مع بايدن.

الأوروبيون لا يشككون بصدقية بايدن ورغبته بتعزيز الديموقراطية الأميركية وسعيه لتحصين حلف الناتو وقيادته من جديد، ولكنهم يراقبون عن كثب وبقلق عميق استمرار هيمنة دونالد ترامب، من منفاه الاختياري في فلوريدا على قاعدة الحزب الجمهوري، الأمر الذي يعزز من نفوذه على قادة الحزب في مجلسي الكونغرس. الأوروبيون، مثلهم مثل كل مراقب معني بالمشهد السياسي-الانتخابي في الولايات المتحدة، شاهدوا انهيار محاولات الديموقراطيين إقناع قادة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ بالموافقة على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تنظر بالعمق بأسباب ومضاعفات اجتياح المتطرفين وغيرهم من دعاة تفوق العنصر الأبيض ضد قلب السلطة التشريعية التي ينتمون اليها.

ومعضلة بايدن في علاقاته مع قادة الدول الحليفة، هي أنه لا يستطيع أن يقدم لهم أي ضمانات بالمطلق من أن الجمهوريين لن يستعيدوا سيطرتهم في الانتخابات النصفية في 2022 على مجلس الشيوخ او مجلس النواب، أو المجلسين معا وتحويله عمليا الى مجرد رئيس لتصريف الاعمال. وبايدن، البالغ من العمر 78 سنة، لا يستطيع أن يؤكد لهم أنه سيترشح مرة ثانية في 2024، أو أن أي مرشح ديموقراطي آخر سوف يفوز في معركة جديدة ضد ترامب، أو أي مرشح جمهوري آخر.

مواقف وتصريحات بايدن في أوروبا اتسمت بمفارقة من الصعب تجاهلها. بايدن يكرر دائما أن هناك صراع وجودي في القرن الحادي والعشرين بين معسكر الدول الديموقراطية التي يفترض أن تقودها الولايات المتحدة، ومعسكر الدول الأوتوقراطية في العالم، والذي تمثله الأوتوقراطية الصينية الشابة والصاعدة في العالم اقتصاديا واستراتيجيا، وروسيا الأوتوقراطية العجوز والمترهلة اقتصاديا، وان بقيت متمسكة بثاني ترسانة نووية في العالم. ولكن الولايات المتحدة في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، تجد نفسها مقسّمة بالعمق بين حزب ديموقراطي يضم تحت خيمته السياسية الواسعة قوى معتدلة وأخرى تقدمية وفئات سياسية وأقليات مختلفة، في مواجهة حزب جمهوري من لون واحد: أبيض، يتصرف وكأنه محاصر ديموغرافيا من قبل الأقليات من سود ولاتينيين ومن المهاجرين السمر أو المسلمين.

سلوك قادة الحزب الجمهوري وقاعدته الضيقة منذ خسارة الحزب للبيت الأبيض ومجلس الشيوخ، وتحديدا منذ اجتياح الكابيتول يؤكد جنوح الحزب وبشدة إلى الطروحات والممارسات الاوتوقراطية والتمييزية كما يتبين من المحاولات السافرة للجمهوريين في الولايات التي يسيطرون على مجالسها المحلية لتغيير قوانين الانتخابات المحلية بهدف تقليص مشاركة الفئات والشرائح الديموقراطية في الانتخابات من خلال خلق عقبات لوجستية وإدارية أمامهم. الأوروبيون يراقبون هذا المشهد الانتخابي بقلق متزايد، وهم محقون بذلك.

تزامن وصول بايدن إلى أوروبا مع الكشف عن استطلاع لآراء بعض الشعوب الحليفة أجرته مؤسسة بيو Pew أظهر تحسنا ملحوظا في نظرة هذه الشعوب إلى الولايات المتحدة والرئيس بايدن. ولكن هذا الاستطلاع وغيره أظهروا أيضا أن نسبة الأوروبيين وشعوب دول أخرى حليفة مثل كوريا الجنوبية واستراليا الذين يرون الديموقراطية الأميركية على أنها مثال يحتذى به قد انحسرت بشكل كبير. أبرز أسباب انهيار سمعة الديموقراطية الأميركية هي النكسات التي وجهها ترامب للديموقراطية الأميركية خلال أربعة سنوات، وكأن التقاليد والسياسات التي التزم بها جميع الرؤساء الأميركيين من جمهوريين وديموقراطيين تجاه الحلفاء منذ أكثر من 75 سنة، لا قيمة لها.

قبل قمة جنيف تبادل بايدن وبوتين رسائل علنية حول ما يريد أن يحققه كل منهما. بايدن قال إنه سيقول لبوتين ما يجب أن يسمعه منه مباشرة حول انتهاكاته للانتخابات الأميركية وتساهله مع القراصنة الذين يخترقون الشركات والمؤسسات الأميركية لابتزازها من مواقعهم داخل روسيا، اضافة الى انتهاكات حقوق الانسان. بوتين رد قبل أسبوع بشكل فظ حين صنفت محكمة روسية - بإيعاز من السلطات الروسية كما يقول الأميركيون - تنظيمات قريبة من المعارض الروسي المعتقل أليكسي نافالني على أنها "متطرفة"، وقال لبايدن في تصريحات للمراسلين الأجانب إنه لن يقبل بمناقشة طبيعة النظام السياسي الروسي معه، مشيرا إلى أن الرئيس الأميركي ليس في وضع يسمح له بالتبشير بمزايا الديموقراطية الأميركية بعد اجتياح الكابيتول واعتقال المئات من المهاجمين.

وعشية قمة جنيف يوم الاربعاء، وافق الرئيس بايدن، على تقويم الرئيس الروسي للعلاقات الثنائية على أنها وصلت الى "مستوى متدن"، ورأى أن تحسنها يتوقف على قيام بوتين باعتماد سياسات تنسجم مع الأعراف الدولية. بايدن قال في أكثر من مناسبة قبل وخلال جولته الاوروبية إنه لا يسعى إلى تأزيم العلاقات أكثر مع روسيا، وان شدد على انه سيوضح مواقفه حول انتهاكات بوتين وحكومته، مع الاشارة الى انه سيسعى الى التعاون مع روسيا في بعض المجالات الدولية التي تتطلب مثل هذا التعاون، مثل التغيير البيئي، وربما الحد من أعمال القرصنة الإلكترونية. بايدن أشار أيضا إلى احتمال تعاون البلدين في ليبيا وسوريا، حيث لروسيا نفوذ سياسي وعسكري، وخاصة في مجالات توفير المساعدات الانسانية. بايدن أشار إلى أن روسيا ربما قضمت أكثر بكثير مما يمكنها أن تهضمه في نزاعات مثل النزاعين السوري والليبي، في إشارة ضمنية الى أن بوتين يمكن أن يكون منفتحا للتعاون في هذه البلدين.

التوقعات من قمة جنيف متدنية في الولايات المتحدة، لأنها قطعا لن تكون مماثلة لآخر قمة روسية-أميركية في هلسينكي بين بوتين والرئيس السابق ترامب، حين وقف ترامب علنا في صف بوتين وضد أجهزة الاستخبارات الأميركية التي أكدت تدخل روسيا في انتخابات 2016. (ترامب كرر هذا الموقف قبل أيام من قمة جنيف). المتشائمون يتوقعون قمة فاترة وربما متوترة مماثلة لآخر لقاء بين بوتين والرئيس الاسبق باراك أوباما على هامش قمة مجموعة الدول الصناعية العشرين في الصين في سبتمبر 2016 قبل شهرين من الانتخابات الرئاسية الأميركية. آنذاك قال أوباما ان الاجتماع "كان صريحا وفظا". وكشف أوباما أن الرسالة الفظة تمحورت حول انتهاك روسيا الإلكتروني لاتصالات وسجلات الحزب الديموقراطي، إضافة إلى الخلاف القوي بين البلدين حول وقف إطلاق النار في سوريا. بعد 5 سنوات، سيثير الرئيس بايدن مرة أخرى عمليات القرصنة الإلكترونية الروسية للأجهزة والشركات الأميركية، اضافة إلى الأوضاع في سوريا، وان لا يوجد هناك أي حديث جدي عن وقف لإطلاق النار أو حل سياسي.

في جنيف سوف يلتقي بوتين بخامس رئيس أميركي خلال عهده الطويل منذ أواخر تسعينات القرن الماضي: ثلاثة ديموقراطيين وجمهوريان. أسلاف بايدن لم ينجحوا كثيرا في ردع أو احتواء بوتين في سياساته العدائية ضد دول مثل جورجيا وأوكرانيا، وضمه لشبه جزيرة القرم، أو في حربه ضد المعارضة الداخلية السلمية. تصريحات بايدن تبين أنه يدرك هذه الحقيقة، وهو الذي كان في السلطة خلال ضم شبه جزيرة القرم. ولكن الحد الأدنى الذي يمكن أن يحققه بايدن في جنيف هو أن يوضح لبوتين وللعالم انه نقيض ترامب، وانه تعلم بعض الدروس والعبر خلال خدمته كنائب لأوباما، وانه لن يتردد في محاسبة بوتين بطريقة فعالة أكثر مما فعله أسلافه، بمن فيهم أوباما، إذا واصل سياساته الاستفزازية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.