الدعوى تهدف للتوصل إلى اعتراف بمسؤولية غصن عن الأضرار والخسائر المالية لنيسان
الدعوى تهدف للتوصل إلى اعتراف بمسؤولية غصن عن الأضرار والخسائر المالية لنيسان

ما أن غرد، مدير مجموعة "أم.بي.سي"، علي جابر، عن إطلاق الفيلم الوثائقي "الرحلة الاخيرة"، في الثامن من يوليو من إنتاج المجموعة، وهو فيلم عن المدير اللبناني السابق لشركة نيسان الهارب من اليابان بتهم اختلاس وفساد مالي، كارلوس غصن، والذي وصفه جابر بتغريدته، "أسطورة صانع السيارات الشهير"، إلا وانهالت الانتقادات والهجوم على جابر والقناة، كونها من خلال هذا العمل، وفق هؤلاء، تقوم بتلميع سمعة مجرم هارب من العدالة وهذا من شأنه يؤثر على العلاقات مع دولة صديقة ومتقدمة مثل اليابان. 

كما أن مغردين آخرين انتقدوا القناة كون هناك شخصيات أولى بإنتاج فيلم وثائقي عنهم من قادة وملوك وأمراء، على غرار الأميرة ريما بنت سلطان، سفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تعمل على تنظيم عشرات الجولات الميدانية في ولايات مختلفة لمواجهة الهجوم على السعودية وتوضيح ما تقوم به المملكة من إصلاحات اجتماعية.  

ومع أن المغردين لهم وجهة نظر مقبولة ومنطقية لهذا الغضب، إلا أن المراقب لرأي الجمهور العربي والسعودي تحديدا يدرك أن سر هذا الامتعاض ليس فقط بسبب الفيلم الوثائقي، لكن عدم رضا عن أداء الإعلام عامة وخاصة الإعلام الخارجي السعودي أي الموجود خارج السعودية والذي يُعّرف بأنه pan Arab أي موجه لكل العرب. 

إن الإشكالية الكبرى في هذا الإعلام هو الاختلاف على ماهية تعريف pan Arab، لأن الوضع تعقد عن الماضي بسبب تعدد التيارات والأحزاب السياسية على الساحة الإقليمية والدولية التي قد تستغل من قبل مؤيديها لتحقيق أهداف سياسية قد تتعارض مع المصالح العامة للدولة الممولة للقناة. 

ولهذه الأسباب استنكر الكثير من المغردين السعوديين تصريحات رئيس مجلس تحرير العربية، عبدالرحمن الراشد، الذي قال إن "قناة العربية مملوكة للسعودية لكنها قناة عربية، وينبغي ألا يزيد عدد الموظفين السعوديين في القناة عن 15 %، لكنهم في الواقع أزيد من هذه النسبة.. وجميع السعوديين في القناة تم توظيفهم لكفاءتهم وقدراتهم العلمية، وكذلك بقية الموظفين من بقية الجنسيات". 

هذا التصريح استنكره الكثير من السعوديين، بما فيهم بعض الكتاب والصحفيين مثل ما جاء في تغريدة الكاتب السعودي، إبراهيم السليمان: "ليس المهم أعداد السعوديين، لكن المهم ماذا يخرج من مطابخ الإعداد فهي الأهم وهل تخدم السياسات العامة السعودية .."، والمقصود بهذه التغريدة أن هناك من يعمل من العرب في القنوات السعودية ينتمون إلى تيارات غير متوافقة مع السياسات العامة والمصالح السعودية. 

هناك الكثير من المحللين والنقاد وضحوا أن ثمة معوقات كثيرة للإعلام الخارجي السعودي، وأهمها الشللية التي "عشعشت" في أعماقه وغياب الرؤى والاستراتيجيات. 

وكتب الكثير عن غياب ظهور قيادات إعلامية جديدة في الإعلام الخارجي، وهذا نتيجته تغلل الشللية السعودية وهي سيطرة مجموعة من الأشخاص مجتمعين ومتفاهمين مقيمين في خارج السعودية ولديهم مصالح مشتركة، وبالتالي حسب آراء النقاد فإن هؤلاء المنتفعين يسعون بكل ما بوسعهم لمنع كل من يحاول اختراق دائرة مصالحهم الضيقة. 

كما أن هذه الشللية كونها في الخارج، اختلطت واعتمدت في تنفيذ المهام الإدارية للقنوات على إعلاميين عرب قد تكون خلفياتهم الفكرية من أحزاب وتيارات لا تتوافق مع مصالح دولة ملاك القنوات، مثل التيارات القومية واليسارية أو الإسلاموية أو المحابية لهم جميعا.

أما المعوق الآخر، هو غياب الرؤى والاستراتيجيات الذي تذمر منه الجمهور السعودي كثيرا وكذلك انتقده الكثير من الكتاب والمتخصصين، فالغالبية تتساءل أين الإعلام الخارجي من الهجمة الإعلامية الضخمة على السعودية في الإعلام الأميركي والغربي عموماً في عدة قضايا مثل الحرب في اليمن وقضية جمال خاشقجي. 

فالبعض ذكر أن دفاع المغرد السعودي كان أقوى من الإعلام الخارجي، والبعض الآخر تساءل لما لم يقدم هذا الإعلام الخارجي أي مادة قوية باللغة الإنجليزية ترد على ذلك الهجوم المستمر من قبل الإعلام الغربي والذي يشوه سمعة المملكة وقادتها؟ 

لقد عرف نيكولاس كول، المؤرخ البريطاني والأستاذ في الدبلوماسية العامة في كلية أننبرغ للاتصالات والصحافة في جامعة جنوب كاليفورنيا، الإعلام الخارجي على أنه "البث الدولي" الذي يشمل الإذاعة والتلفزيون والذي يعرفه بأنه نشاط يعمل بالتوازي مع الدعوة للوصول إلى جمهور واسع جغرافياً يزود بصورة موضوعية وغير متحيزة للأحداث العالمية. 

لكن في العقود الأخيرة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبعد أحداث ما يسمى بالربيع، اشتد الاستقطاب في الإعلام الغربي، وكان السلاح المستخدم لتكثيف وإدامة هذه الصراعات التي جرت المنطقة عقوداً إلى الوراء، هو "القوة الناعمة السلبية"، التي تؤجج الناس ضد أنظمتهم حتى تسقط دون أي توجيه حول كيفية بناء نظام دولة مستقر يلبي مطالب الشعوب والنتيجة دول فاشلة. 

لم تعد جبهات القتال اليوم جبهات عسكرية تقليدية وحدها. اليوم حتى يتم التمكن من محاربة الأيديولوجيات الهدامة لا بد من وجود قوة ناعمة هائلة وأهمها وسائل إعلام قوية وخاصة الإعلام الخارجي لمواجهة هذه الحملة الشرسة من قبل الإعلام الغربي وتعزيز المصلحة الوطنية، لاسيما في مكافحة التحيز الإعلامي ونواياه المتعمدة للإضرار بصورة الدولة.  

المشكلة الأخرى التي تواجه الإعلام الخارجي، هي أن وسائل الإعلام الغربية، ولاسيما وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مثل "سي.أن.أن. و"بي.بي.سي" و"واشنطن بوست" و"غارديان"، يهيمن عليها اليسار الليبرالي، وهي داعمة للإسلام السياسي بشكل غير مباشر، مشيرة إلى دعاة الإسلام السياسي على أنهم "إسلاميون معتدلون" لتمييزهم عن الجماعات المتطرفة مثل داعش والقاعدة. 

وهذا يتعارض تماماً مع وجهات نظر السعودية وحلفائها في المنطقة، الذين يرون الإسلاميين السياسيين إرهابيين وليسوا علاجات مناسبة للجماعات المتطرفة القتالية مثل داعش والقاعدة. 
وبالتالي هذا من شأنه أن يعقد التحديات التي تواجه الإعلام الخارجي، لأن الاعتماد على مصادر الأخبار والمعلومات من وسائل الإعلام اليسارية الرئيسية يعني خدمة أجندة حزب وأيديولوجيا سياسية ضد المصلحة الوطنية لدول الاعتدال في المنطقة.

بناء على ما ذكر، لكي يكون الإعلام الخارجي فعالاً لمواجهة الهجمات الشرسة ضد المصالح الوطنية للبلاد ويجذب جمهور أوسع، عليه مكافحة الشللية للاستفادة من الكفاءات المؤهلة والمخلصة، وكذلك تأسيس الرؤى والاستراتيجيات بناءً على تحديات المرحلة وما تقتضيه احتياجات المصالح الوطنية. 

ومن المهم تفحص الخلفيات الفكرية والأيديولوجية لمن يعمل في قنوات الإعلام الخارجي والتأكد من ولاء الموظفين للمصالح الوطنية والاستراتيجية لملاك القنوات.  وكذلك تنوع المصادر الإخبارية، وألا يعتمد فقط على وسائل الإعلام الغربية الرئيسية اليسارية كي لا تقع القنوات في فخ هيمنة المعلومات وتنفيذ أجندات لتيارات وأحزاب متعارضة مع المصالح العامة للدولة.
 

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.