مظاهرة - عمان - الأردن
"لا يُراهن الكثير من الأردنيين والأردنيات على اللجنة الملكية التي كلف الملك رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي برئاستها"

حتى اللحظة لم يتوقف النقد والتشكيك باللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية التي شكلها العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في محاولة لإنهاء حالة الاستعصاء السياسي بعد أزمات متلاحقة عصفت بالبلاد. 

لا يُراهن الكثير من الأردنيين والأردنيات على اللجنة الملكية التي كلف الملك رئيس الوزراء الأسبق، سمير الرفاعي، برئاستها، وضمت 92 شخصية عامة عكست تلاوين مختلفة من الطيف السياسي، ووصفها النائب الإسلامي، صالح العرموطي، بأنها قامت على أساس الإقليمية والجهوية والفئوية، والعلاقات الشخصية، معتبرا أنها لا تملك صفة إلزامية من الناحية الدستورية. 

الموقف المسبق من اللجنة يعود إلى تاريخ اللجان الملكية التي شُكلت في العقود الماضية، ولم تُفضِ إلى نتائج حاسمة تصنع الفرق والتغيير في البناء والتحول الديمقراطي في البلاد، وظل الناس ينظرون لهذه المبادرات على أنها شراء للوقت، ومحاولات لامتصاص نقمة وغضب الناس من انسداد الأفق السياسي. 

رئيس الوزراء الأسبق، يعرف صعوبة الاختبار الذي يتعرض له، والرفاعي الذي ينحدر من عائلة سياسية تناوبت على رئاسة السلطة التنفيذية مرارا في تاريخ الأردن، يُدرك أن التاريخ لن يتكرر، وأن عليه أن يصنع معجزة لاجتراح مسار للإصلاح السياسي يأخذ البلاد إلى بر الأمان بعيدا عن الفوضى، ويُعيد للناس الثقة التي فقدوها، ويمنحهم أملا غاب عنهم طويلا. 

يتسلح الرفاعي بكلام الملك أنه الضامن لعمل اللجنة بعيدا عن التدخلات والضغوط، ويُجاهر أن هذا يحدث لأول مرة، وهو ما يُكسب عملها وتوصياتها قوة إلزامية تضعها على المسار الصحيح. 

عُقد الاجتماع الأول للجنة الملكية الذي لم يخلُ من الصخب، والاستعراض بالخطابات، وحتى من التهديد بالانسحاب، واكتفى الملك في جلسة الافتتاح بالتأكيد على أن مسيرة الإصلاح في الأردن ممتدة عبر تاريخ الدولة، ومستمرة في المئوية الثانية، والهدف كما يراه تطوير المنظومة السياسية وصولا للحياة البرلمانية والحزبية من أجل برلمان يضم أحزابا قوية وبرامجية. 

الرفاعي في حضور الملك يُعلن أن اللجنة لا يحكم عملها قناعات مسبقة، ولا تتخندق وراء رأي، ولا يُقيدها انغلاق العقول والقلوب. 

ماذا ستفعل اللجنة؟ ماهي حدود صلاحيتها وأجندتها؟، هذا هو الهاجس، وهذا هو النقاش الذي لم يحسم حتى بين أعضاء اللجنة، فهناك من يراهنون ويسعون إلى أن تضع اللجنة سياقا ورؤية سياسية شاملة للإصلاح في الدولة، وهذا التوجه يتطلب الذهاب أكثر وأبعد من تعديل قانوني الانتخاب والأحزاب إلى تعديلات دستورية أوسع، تتماهى وتقترب من دستور 1952، بما يضمن ويكفل الوصول لملكية دستورية ممارسة لا قولا، ويرون أن مسار عمل اللجنة يجب أن يقترن بإجراءات حكومية عاجلة لحلحلة الملفات الساخنة، وأهمها إطلاق وحماية الحريات العامة. 

استمعت بعد انتهاء الجلسة الأولى التي استمرت لأكثر من ثلاث ساعات لانطباعات العديد من أعضاء اللجنة بما فيهم الرئيس الرفاعي، وتوصلت لاستنتاج رئيسي ملخصه أن اللجنة سينحصر عملها بوضع تصور لقانوني الانتخاب والأحزاب، وإجراء تعديلات دستورية مرتبطة حكما بالقانونين، أو بآليات العمل البرلماني، إضافة إلى تطوير التشريعات الناظمة للإدارة المحلية، والبيئة السياسية والتشريعية المحفزة لدور الشباب والمرأة في الحياة العامة، وهذا يعني أن من يتوقعون أن تنجح اللجنة في صناعة أجندة إصلاح ثورية تُعيد تشكيل المشهد السياسي، وتُنهي حالة المراوحة الديمقراطية، عليهم أن يتوقفوا عن حلمهم. 

الجلسة كانت محبطة وخفضت سقف التوقعات، وأحالت اللجنة من سياسية بامتياز إلى لجنة فنية، هذا ما قاله لي بشكل قاطع أحد أعضاء اللجنة ممن يطمحون أن تأخذ اللجنة على عاتقها تفويضا سياسيا يساعدهم على بناء إصلاحات شاملة لا شكلية وتجميلية، وهو يتساءل بأسى كيف ستعمل اللجنة في بناء وتعديل القوانين بمعزل عن السياق السياسي العام؟ 

الكاتب السياسي والقيادي في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، جميل النمري، يُبدي قدرا من التفاؤل، ويُعيد ذلك إلى توفر الإرادة السياسية الحاسمة التي عبر عنها الملك، وتتلخص برأيه في التحول إلى حياة برلمانية حزبية تُمهد الطريق إلى حكومات برلمانية منتخبة. 

التوازنات التي حبكت تشكيل اللجنة الملكية لا تُبشر أنها قادرة على تجاوز الكثير من التابوهات التي حكمت قواعد اللعبة السياسية منذ عودة الحياة البرلمانية عام 1989، فاللجنة حتى في لقائها الأول خضعت في جلوس أعضائها إلى معايير البروتكول، فهناك أصحاب المعالي (الوزراء السابقون) الذين يتقدمون الصفوف، وهو ما دفع بعض الأعضاء للاحتجاج والتذكير أنهم متساوون، ومنهم من استشاط غضبا لتجاهل طلبه في الحديث، وتقديم آخرين عليه، وبالمحصلة يخبرني أحد الأعضاء، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن الأغلبية ضامنة ألا تخرج التوصيات عن المحددات التي ترسمها الدولة العميقة. 

الإسلاميون حاضرون في اللجنة، وكذلك اليساريون، والليبراليون، والمحافظون، وبالتأكيد "المصفقون"، والرئيس الرفاعي يملك من الفطنة والحرفة لاتباع تكتيكات تُمكنه من السير على الحبل المشدود؛ ليُنهي مهمته بأقل الأضرار والخسائر قبل نهاية هذا الصيف، ويحقق بذلك لنفسه نصرا سياسيا يُعيده إلى واجهة المشهد لاعبا رئيسيا. 

يؤمن الرفاعي ومعه الأغلبية أن لا مجال لقفزات في الهواء في مسار الإصلاح بالأردن، وأن المطلوب خطوات متدرجة تستهدف بناء أحزاب كبيرة وقوية وبرامجية، تستطيع أن تستوعب الشارع في صفوفها، وتقدم تصوراتها للناس حول التعليم والصحة والاقتصاد، وتعبر عن ألوان الطيف السياسي؛ لتكون مرآة ينخرط فيها الجميع، وهي حجر الأساس للانتقال لحكومات برلمانية. 

لن تقدم اللجنة وثيقة سياسية للإصلاح، ولن تخرج عن التكليف الملكي، وإن كانت هناك أفكار مُلحة تفتح الأبواب الموصدة، وتُشيع مناخات من الارتياح الشعبي، فإن الرئيس سيحملها وينقلها للملك. 

صيف ساخن ستعيشه عمّان، ورهان النظام السياسي أن تصبح وتتحول اللجنة لـ "حصان طروادة" يساعده على عبور الأزمات بسلام، أو على الأقل أن يطفئ جذوة الغضب الشعبي الرازخ تحت وجع الفقر والبطالة. 

ما بين سطور اللجنة الملكية؛ المطلوب خارطة طريق واقعية، لا تقترب من تطرّف الحالة السياسية التي سادت في "الربيع العربي"، وما بعد اللجنة وعملها أسئلة ما زالت عالقة عن انتخابات جديدة، وحكومة جديدة يقودها من سيحمل توصيات اللجنة لتمشي على قدميها، وتصبح حقيقة واقعة. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.