مسيحية - إسلام
"السبيل الأفضل لإبراز التطور في الفكر الإسلامي، أي التعاطي النقدي الموضوعي مع نصوص الأديان الأخرى، ليس المناظرات، بل الأبحاث العلمية المنشورة"

عجّت منصات التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي بردّات الفعل والتعليقات حول المناظرة التي جمعت الأخ رشيد حمامي، أحد أنشط المبشرين المسيحيين في العالم الافتراضي، والدكتور منقذ السقّار، الباحث في الأديان المقارنة من وجهة نظر إسلامية ملتزمة.

قراءة ما كُتب بشأن المناظرة يفيد بالتأكيد أنه ثمة رابح وثمة خاسر، وأن الرابح قد اعتمد منهجية علمية متقنة، فيما عمد الخاسر إلى شتّى أنواع التلاعب والمباغتة. والرابح قد التزم موضوع المناظرة وسعى قدر الإمكان إلى استدعاء البرهان من أدلة خصمه والرصيد العلمي ككل، فيما الخاسر قد انحدر إلى التهجم الشخصي والتشتيت. الرابح أفحم الخاسر وأنهى فعلياً مسيرته في موضوع السجال بين الأديان، فيما الخاسر قد انكشف، وتبين مع انكشافه ضعف الحجج التي يطرحها ويستدعيها فريقه.

بالطبع، الرابح، من وجهة نظر المعلقين الذين يجاهرون بانتمائهم الإسلامي هو منقذ السقّار، فيما هو لدى من ينتصرون للمسيحية هو رشيد حمامي. وهؤلاء وأولئك على قناعة يقينية بديهية مطلقة بأن جانبهم هو الذي ربح، وأن الجانب الآخر قد تعرّى وانفضح. قلّة من كل من الجانبين، دون أن تخرج عن الإجماع في فريقها، كانت تتمنى لو أن ممثلها قد انتهج ما يدحض الخصم بأسلوبه. حيث أن منقذ السقّار كان أكثر استدعاءً للنصوص والشواهد، فيا ليت رشيد حمامي كان قد ترقّب الأمر، لكي لا يترك خصمه مع انطباع أنه قد تقدّم بحجة لم يجرِ تفنيدها. وحيث أن رشيد حمامي قد اعتمد نبرة سجالية عالية، فيا ليت منقذ السقّار قد جابهه بما يقابلها، حيث أن انطباع الغلبة، لا الحجة الدقيقة الصعبة المطروحة، هي ما يخرج به المشاهد من المناظرات.

هل أجابت المناظرة على السؤال المطروح حول ورود ذكر سابق لرسول الإسلام في الكتاب المقدس؟ بالنسبة لأصحاب القناعات المسبقة، هي قد فعلت، مع اطمئنان كل فريق إلى صواب قناعته الأولى. هل بدّلت الآراء بهذا الشأن؟ لا يبدو الأمر كذلك البتة.

المسألة ليست بالقدرة العلمية أو الجدالية لكل من المتناظرَين، بل هي باختلاف المنطلقات.

من حيث المبدأ، واعتماداً على قاعدة أن "البينة على من ادعّى"، فإنه كان مناطاً بالسقّار أن يثبت مقولة ورود ذكر الرسول في نصوص الكتاب المقدس، فيما على رشيد حمامي إثارة الشبهات، عند الحد الأدنى، بشأن ما يذكره السقّار.

غير أن هذه المعادلة تفترض اتفاق الجانبين على ما عدا المسألة المطروحة من خلفية وإطار وأساس. والأمر ليس كذلك. بل المغالطة في هذه المناظرة، وفي معظم المناظرات الدينية هي في عدم التمييز بين التصديق العقلي والتصديق الإيماني، وما يستتبع ذلك من توقعات.

فالدين المسيحي أساسه أن العلاقة بين الإله الخالق والإنسان المخلوق قائمة على المحبة، محبة الخالق للمخلوق وافتداؤه خطاياه من خلال التماهي معه والموت صلباً ليكون للإنسان الخلاص. هذا الحدث اللاهوتي، المسيح الفادي، هو مفصل التاريخ، وما سبقه من نبوءات هو تحضير له، وما يليه هو انقضاء تاريخ الإنسان ليأتي ملكوت الرب.

فالحضور الإلهي في العالم يستمر من خلال الروح القدس، ولكن لا مكان هنا لإضافات من شأنها تبديد المشهد الوجودي: وعد ما قبل المسيح، افتداء المسيح للإنسان، ارتقاء الإنسان من خلال الإيمان بالمسيح. الأصل في المسيحية هو الإيمان الذي يمنحه الرب للإنسان دون منّة. أما الأسفار والأناجيل والرسائل، فهي على درجات من الإلهام، ودورها معاضدة الإيمان لا تحقيقه، وإن تطوّر هذا الدور في القرون القليلة الماضية بفعل الحركات الإنجيلية.

بناءً على هذا التصور، والذي تتفق على خلاصته كافة المذاهب المسيحية، فإن الحديث عن بشارة كتابية برسول يأتي بعد المسيح يتناقض مع الرؤية الوجودية برمّتها، ولا يمكن النظر ببشارة من هذا القبيل ما لم تكن قطعية واضحة المعالم، وهو أمر محال وإلا لكان قد تبين من الأساس.

قيمة المناظرة مسيحياً بالتالي ليست على الإطلاق في استعراض إمكانية أن تكون نصوص الكتاب المقدس تشير إلى رسالة إلهية إضافية، بل وحسب في تبديد هذا الزعم من الجانب الإسلامي، من خلال إظهار عدم جلائه واستقامته. هل نجح رشيد حمامي بذلك؟ من وجهة نظر مسيحية، بالتأكيد فعل.

أما الدين الإسلامي، فقائم على علاقة بين الإله والإنسان تختصرها كلمتان وحسب: الرحمة والتقوى. الأولى، هي رجاء للإنسان ومشيئة للإله، فيما الثانية هي حق للإله وواجب للإنسان. الإسلام، لدى المؤمنين به، هو الدين الإلهي الواحد. وهو إن استكمل في الرسالة المحمدية، فإنه هو نفسه الذي أنزل على كافة الرسل والأنبياء، ابتداءً بآدم ومروراً بنوح وإبراهيم وموسى وداود وعيسى، قبل أن يناط التبليغ بالنبي الأمي محمد، مبعوثاً برسالة للعالمين. وهذا التضافر، وفق إفادة النص القرآني، هو بيان إلهي فصيح، أي أن خبر خروج النبي الأمّي كان لدى أهل الكتاب في توراتهم وإنجيلهم، وتغييبه جحود متعمد.

وبناء عليه، فإن قيمة المناظرة حول ورود خبر الرسول في الكتاب المقدس، من وجهة نظر إسلامية، ليست بإظهار النصوص القطعية الواضحة حول البشارة به، فهذه قد اجتثّها المغضوب عليهم والضالون وفق صريح النص القرآني، بل في تبيان أن الطمس الذي لحق هذه النصوص لم يكن ناجحاً بالكامل، بل لا يزال في ثنايا الكتاب المقدس، على تشوّهه وتحريفه، ما يتوافق مع التوقعات الإسلامية. هل نجح منقذ السقّار بذلك؟ من وجهة نظر إسلامية، بالتأكيد فعل.

الافتراضات السابقة للمسألة، وهي التي تمكّن الجانبين من إشهار الانتصار في المجادلة، هي أولاً: الغياب الثابت المؤكد للإشارة القطعية إلى رسول الإسلام في الكتاب المقدس، بما يستدعي مراجعة التصور الوجودي بالنسبة للجانب المسيحي، وثانياً: الضبابية في الموروث النصي اليهودي والمسيحي والذي يدعم فرضية التحريف، ويجعل من المطلوب لإثبات الإشارة إلى الرسول في الكتاب المقدس كشف ما نجا من الطمس المفترض بما يتوافق مع التوقع الإسلامي.

خارج هذه الافتراضات، موضوعياً، لا ترتقي المادة التي قدّمها منقذ السّقار إلى مستوى البينة، بل هي بأحسن الأحوال أخبار ضعيفة في متنها، لا تحقق العلم بذاتها. ولكن في حين أن رشيد حمامي، وسائر المدافعين عن المسيحية، على استعداد تلقائي لتوهين هذه الحجج (ومنهج الأخ رشيد لم يكن في تفنيدها ونقضها، بل في رفضها المباشر واستدعاء مرجعيات خارجها)، فلا بد من التذكير أن المسيحية قد اعتمدت معياراً مشابهاً، يقبل النص الضعيف والمتشابه والمؤوّل برهاناً، في استشفافها النبوءات عن المسيح في الأسفار العبرية.

لهذه المناظرة إيجابيات، ولا سيما منها إظهار الجدية المستجدة في الوسط الإسلامي الملتزم في التعاطي مع نصوص الديانات الأخرى، بعد أن كان تأرجح الغالب إلى زمن قريب بين العموميات الحوارية إيجاباً أو التجريح اللاذع سلباً. يشهد إذاً لمنقذ السقّار، ومعه آخرون، بأنه يقدم على نشاط فكري صادق، وإن كان التمني عليه بألا يلقي بالمفاهيم الإسلامية تلقائياً على الأديان الأخرى.

مفهوم النص التأسيسي، تحديداً: هو منزّل ومحكم وأساسي بالنسبة للإسلام (وبوضوح أقل، رغم التساوي بالتقديس، بالنسبة لليهودية)، ولكنه نص ملهم ومتشابه، وقابل للاختلاف بالنسبة للمسيحية. وكذلك مفهوم عاملية الخير والشر. فالخير كله والشر كله في الإسلام من الإله الواحد والذي لا يحمد على مكروه سواه، فيما عاملُ الشر في المسيحية هو الشرير نفسه، أي الشيطان، بالأصالة لا بالتفويض، وإن كان مصيره أن يهزم في نهاية الزمان.

غير أن السبيل الأفضل لإبراز التطور في الفكر الإسلامي، أي التعاطي النقدي الموضوعي مع نصوص الأديان الأخرى، ليس المناظرات، بل الأبحاث العلمية المنشورة، والتي يمكن بالتالي نقدها من جنسها.

أما المناظرات الدينية، وهذه المناظرة الأخيرة على ما استجمعته من حسن إدارة ولياقة (وإن خرج عنها الأخ رشيد للأسف بمواضع قليلة) خير دليل على الأمر، فلا جدوى منها، إلا شدّ عصب كل فريق وإيهامه بأنه ثابت على الحق وخصمه على ضلالة، وإبراز الموضوع الديني كشغل شاغل على حساب غيره في زمن تتكاثر فيها المشاغل الحياتية الملحّة.

من حق الدعاة المسلمين والمبشرين المسيحيين، بل من واجبهم وفق قناعاتهم، العمل على نشر دينهم في أوساط من يخالفهم. غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: من المتلقي، المستمع والمشاهد والمتابع، في هذه المناظرات؟ هل أن كلام الدعاة المسلمين يصل إلى مسامع مسيحيين ويحقق مبتغاه في إسلامهم، وحجج المبشرين المسيحيين تبلغ متابعين مسلمين وتنجح في تنصيرهم؟

ربما قد يكون الأمر كذلك بالنسبة لأعداد قليلة، على أن الغالب بالمطلق هو أن المتابعين المسلمين يستمعون ويرتاحون للمناظِر المسلم، والمتابعون المسيحيون يستمعون ويرتاحون للمناظِر المسيحي. أي أن ثمن الكسب الضئيل في الإسلام والتنصير، إن صحّ وتحقق، هو تشديد التجاذب وتعميق الهوة بين أعداد كبيرة من المسلمين والمسيحيين، وما يستتبع ذلك من أذى اجتماعي عند أدنى حد.

كل من منقذ السقّار ورشيد حمامي هو الرابح لدى جمهوره. عسى ألا يكون الربح الفعلي من نصيب الفتنة.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.