يحيى السنوار ، زعيم الجناح السياسي لحركة حماس الفلسطينية ، يقوم بجولة في حي الرمال في مدينة غزة ، في 26 مايو 2021 ، لتقييم الأضرار التي لحقت به خلال القصف الأخير للقوات الإسرائيليةV
يحيى السنوار ، زعيم الجناح السياسي لحركة حماس الفلسطينية ، يقوم بجولة في حي الرمال في مدينة غزة ، في 26 مايو 2021 ، لتقييم الأضرار التي لحقت به خلال القصف الأخير للقوات الإسرائيلية

شهدت الساحة الفلسطينية خلال الأشهر الماضية الكثير من الأحداث التي أكّدت على أن استمرار الوضع الفلسطيني على حاله لم يعد مقبولا، أولها إلغاء السلطة للإنتخابات التي كانت مقررة هذا العام رغم مرور ستة عشر عاما على آخر انتخابات فلسطينية، إلى إعلان القاهرة قبل أيام عن تأجيل الحوار الفلسطيني إلى أجل غير مسمّى، بعد جلسات غير ناجحة في فبراير ومارس الماضي أي استمرار حالة الانقسام الفلسطيني، وقالت بعض وسائل الإعلام أن سبب هذا التأجيل إصرار ممثلي حماس على إضافة شروط جديدة مثل حضور محمود عباس شخصيا للحوار وضم ثلاثة منظمات إسلامية صغيرة لهذه الجلسات "لأن ما بعد حرب غزة ليس كما قبلها"، كما صرّح بعض قادة حماس مستندين على ادعاءات النصر في تلك الحرب. 

ولكن موقف حماس هذا لا ينسجم مع إنطباع البراغماتية الذي تركه يحيى السنوار قائد الحركة في غزة خلال الفترة الماضية، مثل تأكيده على ضرورة بناء علاقة جيدة مع حركة فتح وتوجيهه التحية عدة مرات لـ"أبو عمار" مع التأكيد على دوره في قيادة العمل الفلسطيني بما يختلف عن الخطاب التقليدي لبعض قادة حماس الذين اتهموه بالخيانة بعد توقيعه اتفاق أوسلو، أو قوله أنه لا يوجد ما يمنع من موافقة حركة حماس على "هدنة" مع إسرائيل تستمر للجيل الحالي وربما الجيل الذي يليه إذا كان سيترتب على ذلك تحسّن في ظروف حياة الفلسطينيين وهذا الطرح يختلف عن طروحات التنظيمات الإسلامية التي لا تكترث عادة لحياة الإنسان الفلسطيني ومعاناته. 

وتأكدت هذه البراغماتية عند السماح بإدخال المساعدات إلى غزة من دون أن يكون ذلك بالضرورة عبر حركة حماس وبغضّ النظر عن الجهة المسؤولة عن توزيعها طالما أنها ستصل إلى الفلسطينيين، مما أدّى إلى تحسين العلاقات مع مصر وإدخال قوافل كبيرة من المساعدات عبرها والاستقبال الحار للوفود المصرية وانتشار صور الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ربما لأول مرة في شوارع غزة، وعبر البوابة المصرية من الممكن تحسين علاقة حماس مع محور الاعتدال العربي الذي اعتاد قادة الحركة التقليديين على مهاجمته. 

واستند السنوار في طروحاته الجريئة هذه على تاريخه، فقد قضى 22 عاما في السجون الإسرائيلية حتى أطلق سراحه في صفقة شاليط عام 2011، وخلال الأسابيع الماضية إرتفعت شعبيته كثيرا في الأوساط الفلسطينية على حساب القادة الآخرين مثل، إسماعيل هنية، الذي لم يكن موفّقا في خطابه الذي ألقاه أثناء حرب غزة من جناحه في أحد الفنادق الفاخرة في قطر وكانت ملامح النعمة والرفاهية واضحة على وجهه بينما كان السنوار يتجول في القطاع ووجهة ومظهره يعكس المعاناة التي يعيشها كل سكان القطاع، كما أن هنية كان يقدم نفسه غالبا كرجل دين يلقي خطاباته من على منبر المسجد بينما يقدم السنوار نفسه كمناضل وطني، كما تحوّلت خطابات خالد مشعل إلى تكرار محفوظ عن ظهر قلب للمواقف الصفرية "إما نحن أو هم" والتي لا تأبه لمعاناة الفلسطينيين في الضفة وغزة ولا تنسجم مع توازن القوى، وربما لعبت تلك القيادات تحديدا دورا في إفشال لقاء القاهرة الأخير. 

وفي المقابل لم يكن وضع قادة فتح والسلطة الفلسطينية أفضل حالا فمن الصعب أن يتذكر الفلسطينيون أي إنجاز لمحمود عباس خلال فترة حكمه الطويلة التي تجاوزت الستة عشر عاما بما يمكن أن يذكّر بحقبة بريجينيف في الاتحاد السوفييتي، وكان قراره بإلغاء الانتخابات تأكيدا على قناعته بصعوبة الفوز فيها، بالإضافة إلى اتهامات الفساد التي تحوم حول السلطة الفلسطينية خصوصا بعد ما قالته مؤخرا السيدة سهى الطويل زوجة ياسر عرفات ردا على ما رأت فيه تهديدا لأفراد عائلتها بأنها ستفتح أبواب جهنم على السلطة الفلسطينية، "يكفي أن أنشر القليل مما أعرفه وسأحرقهم أمام الفلسطينيين، ومن يتهموننا بالفساد لديهم حسابات في بنما والجزر العذراء وهم يعرفون أنفسهم". 

أي أن وضع السلطة الفلسطينية قد أصبح في أسوأ حالاته ولم يعد بالإمكان تجاهل الحاجة إلى قيادة جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وترافق وضع السلطة البائس مع الحديث عن ترتيبات يجري إعدادها بوساطة مصرية لتبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل والذي قد يتضمن إطلاق سراح مروان البرغوثي القيادي الفتحاوي الذي تشبه حياته وتاريخه حياة يحيى السنوار فقد قضى في السجون الإسرائيلية سنوات مماثلة وله شعبية واسعة وسمعة حسنة، وإذا كانت أولويات حماس وطنية وبعيدة عن الحزبية الضيقة وإذا كانت مواقف السنوار حقيقية وتعكس موقف الكثير من قادة وكوادر حماس فبالإمكان إثبات ذلك عبر المطالبة بإطلاق سراحه في هذه الصفقة، وإن تحقق ذلك فإن الكرة ستصبح عند الرئيس عباس، وهل سيجد طريقة مناسبة لإفساح المجال أمامه للعمل على أمل أن يتمكن الثنائي البرغوثي والسنوار من تدشين مرحلة جديدة في العمل الفلسطيني. 

ومن أسباب التفاؤل بأن مروان البرغوثي يمثل خطا معتدلا في موضوع السلام تحالفه مع ناصر القدوة في الانتخابات الأخيرة التي ألغاها محمود عباس، والقدوة دبلوماسي وسياسي مخضرم وهو إبن أخت ياسر عرفات ولديه الخبرة والإمكانية لمخاطبة العالم باللغة التي يفهمها والدخول في مفاوضات الحل السياسي، ولكن ذلك لن يكون ممكنا من دون الإستناد إلى قيادة حقيقية تحظى بتأييد شعبي واسع وتشعر بالمسؤولية تجاه شعبها وتبحث عن أفضل الحلول الممكنة لإنهاء معاناته، بعكس القيادات الضعيفة التي تجد في مجاراة المزاج الشعبي أسهل طريق للبقاء في السلطة.

ولهذه القيادة ضرورة استثنائية في المرحلة الحالية لأن الظروف الدولية والإقليمية تدفع بإتجاه مفاوضات فلسطينية إسرائيلية تستند على حل الدولتين أولها وجود إدارة بايدن التي تسعى بإتجاه هذا الحل والتي اتخذت خطوات إيجابية عديدة مع الفلسطينيين كان آخرها تقديم مساعدات لإعادة إعمار غزة، بالإضافة إلى كلامها عن إعادة افتتاح القنصلية العامة في القدس الشرقية للتواصل مع السلطة الفلسطينية، مع نضوج موقف أوروبي في نفس الاتجاه، وأخيرا تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة بتحالف بين اليسار واليمين والتي قد تتبنى سياسات أكثر واقعية في موضوع السلام. 

وفوق كل ذلك هناك الموقف الإقليمي الجديد المتمثل في الدول العربية التي أقامت علاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل والتي تضغط كذلك باتجاه إيجاد حل للموضوع الفلسطيني يسمح لها بتوسيع تعاونها الإقتصادي والعلمي مع إسرائيل لما فيه من آثار إيجابية عليها، والأهم من ذلك الدول التي تسعى إلى الانضمام إلى قائمة الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل لأن مصلحتها تقتضي ذلك ولكن استمرار الصراع يحرجها مثل السعودية والتي يعتبر سيرها نحو السلام نقطة انعطاف تاريخية. 

ومن المعروف في قضايا بهذا التعقيد أن المفاوضات ستكون شاقة وأن أيا من الطرفين لن يحصل على كل ما يريده ولكن ضرورة الخروج من الواقع الحالي أصبحت محل إجماع دولي وإقليمي، والعالم سيضع اللوم على الطرف الذي سيعمل على عرقلة جهود السلام، وعلى المستوى الفلسطيني من الصعب الاستفادة من هذا المناخ الإيجابي مع القيادة الحالية التي لا تملك التفويض الشعبي الذي يسمح لها بعقد اتفاق سلام حقيقي طويل المدى، وفي كل الأحوال فإن الأسابيع والأشهر القليلة القادمة ستظهر إن كانت القيادات الفلسطينية ستتمكن من الاستفادة من هذا الموقف الدولي والإقليمي أم أن فرصة سلام جديدة ستتم إضاعتها لمصلحة البقاء في عالم الشعارات الغير قابلة للتحقيق كما حدث مرات عديدة خلال العقود الماضية. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.