الأرجح أن مهمته الأولى والوحيدة ستكون الاستقالة
الأرجح أن مهمته الأولى والوحيدة ستكون الاستقالة

وزير فلسطيني في الحكومة الإسرائيلية! هذا ليس تفصيلاً عابراً. وهو أعقد من أن ندينه به أو أن نحييه. من جهة انتزع فلسطينيو الداخل موقعاً في الدولة في سياق نضالهم لتحقيق المواطنة الكاملة، ومن جهة أخرى هم الآن شركاء في حكومة من المرجح أن تتخذ قرارات حرب، ومن المرجح أيضاً أنها ستواصل الاستيطان في الضفة الغربية، ناهيك عن أنها امتداد للحكومة التي ابتلعت القدس!

المفاضلة ليست سهلة، وسوق خطاب شعبوي لتقييمها لا يفيد، لكن الأكيد أنها ليست اللحظة الأنسب لهذه الخطوة، ذاك أن عناوين الاحتقان في العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تتقدم على عناوين التعايش. وقائع حي الشيخ جراح ليست خارج معادلة مشاركة القائمة العربية الموحدة في حكومة نفتالي بينيت. ثم أننا حيال قائمة إسلامية في الكنيست ممثلة في الحكومة. عباس منصور سيكون في موقع غريب عجيب، فهو مشارك في حكومة صقور يمينيين. لكن ليس وحده في هذا الموقع، فحزب العمل أيضاً في موقع مشابه، وحتى الآن لم نعرف الحكمة من وراء المشاركة، ذاك أن ما رشح حتى الآن من نوايا بينيت لا يمكن تمييزه عما كان سبقه إليه بنيامين نتانياهو. مواصلة الاستيطان في الضفة الغربية، وتثبيت القدس عاصمة لإسرائيل، وخطاب مواجهة مع غزة! هذا لا ينفي طبعاً حق فلسطينيي الداخل في النضال من أجل المساواة، وانتزاع حقوق الاعتراف بهم كأقلية قومية، كما أن هذه الحقائق يجب أن لا تنطوي على طلب بالانكفاء والقبول بكونهم "مواطنين سلبيين".

اللحظة غير مناسبة للانخراط الإيجابي في السلطة. إسرائيل نفسها لن تهضم هذه الخطوة في ظل تعميم نموذج المواطن يعقوب (المستوطن الذي غزا منزل آل الكرد في حي الشيخ جراح في القدس). التظاهرة التي شهدتها القدس قبل أيام تكشف على نحو فادح حقيقة إسرائيل الراهنة. لا مكان فيها الآن لغير اليعاقبة ولا صوت يعلو فوق صوت يعقوب.

قد يبدو هذا الكلام غير مستجيب للترحيب بإسقاط بنيامين نتانياهو. لا... إسقاط هذا الرجل الذي حكم إسرائيل لمدة 12 عاماً يجب أن يخلف غبطة، وهو خلفها، لكن إسقاطه لم يأت في سياق تعديل خطاب الدولة وتخفيض منسوب الأطماع. فالانتخابات الأخيرة أحدثت تغييراً في خريطة نفوذ اليمين، ولم تُنتج كنيست أقل يمينية. يعقوب فاز في الانتخابات، وهآرتس واصلت إشهار خيبتها. ولعل التظاهرة التي شهدتها القدس هذا الأسبوع كاشفة لانعدام المسافة السياسية بين بينيت ونتانياهو، ذاك أن المتظاهرين المتطرفين لم يكن موضوع انتقال السلطة بين الرجلين جزءاً من همومهم وشعاراتهم طالما أنهما يمثلان نفس الحساسية بما يتعلق بموضوع التظاهرة، وهو توسيع الاستيطان ومصادرة حي الشيخ جراح من أهله الفلسطينيين.

نعم الإطاحة بـ"بيبي" خلفت غبطة، وشعر المرء معها بأن الزمن كفيل بتأديب هذا الرجل الذي مثل مرحلة قبيحة في تاريخ هذه المنطقة وفي حاضرها، لكن التركة التي خلفها ثقيلة جداً، والمعضلة صارت أعقد من أن تمثل هزيمة انتخابية له فرصة لتسوية ولسلام. فبديل نتانياهو هو بينيت، وليس نيلسون مانديلا، هذا ما يمكن أن تفعله إسرائيل في هذا الوقت، أي أن تبدل وجهاً بوجه لا أن تحدث تغييراً في طبيعة الصراع، واللحظة تقتضي التعامل مع هذه الحقيقة الكارثية بالنسبة لمن يرغب بالانخراط "الإيجابي" بتجربة المواطنة فيها.

لكن على المرء أن يتوقع الأسوأ في ظل رئيس حكومة ضعيف التمثيل ووصل إلى منصبه بنحو 50 في المئة من أصوات الكنيست. فمخاطبة المزاج اليميني الذي يسيطر على إسرائيل تقتضي الذهاب خطوات أبعد من خطوات السلف، وتقتضي المزايدة على نتانياهو من يمينه، وهذا الأمر يرشح المشاركين في الحكومة من غير اليمين، أي القائمة العربية الموحدة وحزب العمل إلى احتمالات استقالة وشيكة من الحكومة، وهي استقالات قد يحاول بينيت تعويضها بتقديم رشاوى لأحزاب دينية صغيرة يعالج فيها فقدانه الغطاء في الكنيست، وهذه الرشاوى ستملي عليه تنازلات لهذه الأحزاب تضاعف من هيمنة اليمين على كل شيء في إسرائيل. هذه المعادلة لطالما شهدناها في العقد الأخير، وهي تكرار ممل لما دأب عليه بنيامين نتانياهو طوال سنوات حكمه. وهذا ما يثبت أن إسرائيل لم تبدل نتانياهو في سياق تغييرها موقعها كدولة استيطان لا تعترف بغير اليهود كمواطنين كاملي المواطنة فيها.

وهنا نعود إلى السؤال الأول: ما هي المهمة التي سيؤديها الوزير العربي في هذه الحكومة؟ الأرجح أن مهمته الأولى والوحيدة ستكون الاستقالة.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.