المناظرة كانت عن صحة البشارات الواردة في الكتب المسيحية واليهودية عن قدوم نبي الإسلام
المناظرة كانت عن صحة البشارات الواردة في الكتب المسيحية واليهودية عن قدوم نبي الإسلام

في الأسبوع الماضي (10 يونيو 2021) كانت هناك مناظرة فريدة من نوعها على اليوتيوب بين الداعية المسيحي الأخ رشيد والداعية الإسلامي د. منقذ السقار.

المناظرة كانت عن صحة البشارات الواردة في الكتب المسيحية واليهودية عن قدوم نبي الإسلام، وأتصور أن مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، قد شاهدوها حتى الآن.

بطبيعة الحال أشك أن أيا من المشاهدين قد خرج بجواب مقنع على السؤال الذي طرحته المناظرة، فلم يأت السقار بدليل واحد معقول يفيد بأن هناك بالفعل ما يشير إلى أن الكتب المسيحية أو اليهودية قد بشرت بنبي الإسلام، سواء من ناحية الاسم أو الوصف أو تقديم أي دليل ملموس يؤكد الفرضية الإسلامية في هذا الشأن.

وهذا ليس غريبا، لأن كل ما قيل في هذا الأمر منذ القدم وحتى اليوم لا يعدوا أن يكون مجرد ينبغيات وتهيؤات نفسية أو تمارين عقلية ذاتية لا يدعمها منطق أو علم حديث.

وما لم نكن بإزاء اكتشافات جديدة سواء في حقل الأركيولوجيا أو مجال مقارنة الأديان فإن كل ما قيل أو يقال مجرد تكرار لما سبق، ولا يعدوا أن يكون تمارين لفظية ليس إلا.  

وهذا ينطبق أيضا على الحديث عن تحريف الكتب الدينية وما شابه والذي هو مجرد اتهامات متبادلة، لا تقوم على أي دليل عقلي أو مادي، باستثناء ما ورد هنا أو هناك. وما ورد ليس أكثر من تهويمات ذاتية تدور في حلقة مفرغة تصنعها بنفسها لنفسها وتكسر أرجلها بأيديها.     

مع ذلك من الممكن تسجيل بعض الملاحظات هنا على المناظرة. 
الأولى، أن المناظرة أشعرتني حقيقة بأننا لسنا نعيش في القرن الحادي والعشرين وإنما لا نزال نتخبط في تيه القرن السابع الميلادي وما أعقبه.

العودة للنصوص ومحاولة لي عنقها واستنطاق الساحرات، ومن قال ومن لم يقل، هو نموذج للنقاش العقيم الذي كان يدور في تلك الأزمنة. في هذا العصر لدينا علوم حديثة في الجينوم والأريكيولوجيا والمخطوطات والأبستمولوجيا وغيرها، وهي قادرة أن تعطينا صورة معقولة لما نتحدث عنه.

هي صورة قد لا ترضي المؤمنين من هذا الدين أو ذاك، لكنها تظل الأقرب إلى الحقيقة. 

الملاحظة الثانية، تتمثل في استغرابي، أنا على الأقل، من أن بعض المسلمين لا يزال رغم مضي 14 قرنا على الدعوى الإسلامية بحاجة إلى شرعية من خلال الاستدلال على نبوة رسول الإسلام عبر كتب الأديان التي سبقته، أي اليهودية والمسيحية. فما الذي سوف يغير من الأمر إن كانت نبوة محمد قد ذكرت في الإنجيل أو التوراة أو لم تذكر؟ 

لماذا يحتاج بعض المسلمين إلى إثبات أن الديانات السابقة قد تحدثت عن هذا الأمر؟ بل لماذا لا نجد مثل هذا الهوس "المرضي" سوى عند بعض المسلمين، بينما لا نجده عند أتباع أي من الأديان الأخرى؟

فلا المسيحي ولا اليهودي ولا البوذي أو الهندوسي أو البهائي يكترث كثيرا أو قليلا بهذا الأمر. وبالطبع لن يدخل في مناظرات لإثبات ذلك.  

الملاحظة الثالثة، هي أن المناظرات عموما ليس الهدف منها هو إقناع المقتنعين، وإنما تستهدف أولئك الذين لم يقرروا بعد أين يقفون. هذا هو هدف المناظرات الرئاسية الأميركية مثلا. فهي لن تغير من قناعة الديمقراطيين أو الجمهوريين الملتزمين، ولكنها تستهدف فئة المستقلين الذين يمكن أن تتغير وجهات نظرهم بحسب أداء هذا المرشح أو ذاك في المناظرة.

أما الملتزمون فهم قد حزموا أمرهم منذ البداية وقرروا إلى من سوف يصوتون وإلى أي جانب سوف يكونون، ولن تغير نتيجة المناظرة هذا الواقع.

ولأن الأمر هو على هذا النحو نجد أن كلا المعسكرين لا ينتظران أن يتعلما شيئا جديدا من المناظرات وإنما ينظران كيف يوظفانها في الجدل الدائر بينهما. 
وهذا ما حدث بالضبط مع المناظرة التي نحن بصددها.

فالمسلمون وقفوا إلى جانب السقار منذ البداية، وبعدها، لأن هزيمته سوف تعني الإساءة إلى معتقداتهم، وكذلك المسيحيون وقفوا مع الأخ رشيد منذ البداية لأنهم أيضا يريدون الانتصار لمعتقداتهم.

ولذا لم يكن غريبا أن قنوات اليوتيوب العائدة للإسلاميين اعتبرت أن السقار قد انتصر في المناظرة وأنه قد أفحم خصمه، بينما اعتبرت القنوات العائدة للمسحيين أو المتحولين للمسيحية الأمر على النحو المخالف.

هذا لا يعني بالطبع أننا لا نستطيع أن نقيّم ما جرى وما إذا كانت الحجج التي ألقيت في المناظرة هي مقنعة، أو جديرة بالأخذ أم لا، أو تحديد من كانت له الغلبة قياسا إلى موضوع المناظرة، ولكنه يعني أن مثل هذه المناظرات لا تنتج ما يتوقعه الكثيرون منها، أي انتصار واضح أو هزيمة واضحة، وإنما هي فقط تعكس حالة الاستقطاب الشديد، بل الحرب الدينية المكتومة، والتي من غير المعقول أننا لا نزال نعيشها اليوم رغم كل التطور الذي أنجزته البشرية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.